وقفات على عتبات عالم الغيب
د. محمد معافى المهدلي
د. محمد معافى المهدلي

مأرب برس - خاص

يروى أنّ ملكاً حكيماً طلب من علمائه ومستشاريه أن يكتبوا له تاريخ البشرية، ليأخذ منه الدروس والعظات والعبر، وليأخذ منه نفائس التجارب البشرية في الحكم والإدارة، فظل العلماء يجمعون الأسفار الكثيرة للملك عن تاريخ البشرية، وبعد سنين جاؤوا إلى الملك بأسفارهم الضخمة، وحين رآها الملك قال لهم إن العمر لا يكفي لقراءة كل هذه الأسفار، ولكن اختصروها لي، فعاد العلماء أدراجهم يختصرون أسفارهم وكتبهم، ثم جاءوا إلى الملك بعد حين، بسِفْرٍ واحد مختصر لما كتبوه، بيد أنهم وجدوا الملك على فراش الموت، فقال لهم إن الأمر كما ترون، ولكن اختصروا لي كل هذا السفر في ثلاث كلمات، لا تزيدون عليها، فأجابه أحد الحكماء بقوله "عاشوا فقاسوا فماتوا" . ومعنى قاسوا أي أصابتهم قساوة الحياة وشدتها وضنكها .

قلت: ولم أجد أكثر اختصاراً وأشمل تعبيراً، لمعنى الحياة والموت من قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ }الملك2 .

إن الحياة الدنيا هي أقصر مراحل الحياة البشرية، بيد أننا لضيق معارفنا ومداركنا ومحدودية أدوات معلوماتنا، نراها واسعة وكبيرة، كالجنين في بطن أمه، يخيل إليه أن ذلك المهد هو الدنيا كلها، وأن هذا المهد واسع وكبير، وعالم مترامي الأطراف، وهو وإن كان كذلك إلا أنه أضيق بالمقارنة إلى غيره .

وكذلك أيها العقلاء هذه الحياة التي نحن عليها، هي بالنسبة للعالم الآخر الغائب عن مشاهداتنا كمثل هذه الدنيا وهذا العالم الكبير، مقارنة بعالم الجنين في بطن أمه، كما أشار إلى هذا المعنى الإمام ابن القيم قدس الله روحه، في كتاب الروح، حيث قال عليه رحمة الله:

 "وما أشبه حال الروح في هذا البدن بحال ولد في بطن أمه وحالها بعد المفارقة بحاله بعد خروجه من البطن إلى هذه الدار، فلهذه الأنفس أربع دور: كل دار أعظم من التي قبلها، الدار الأولى: في بطن الأم وذلك الحصر والضيق والغم والظلمات الثلاث، والدار الثانية: هي الدار التي نشأت فيها وألفتها واكتسبت فيها الخير والشر وأسباب السعادة والشقاوة، والدار الثالثة: دار البرزخ وهي أوسع من هذه الدار وأعظم، بل نسبتها إليه كنسبة هذه الدار إلى الأولى والدار الرابعة: دار القرار وهي الجنة أو النار فلا دار بعدها، والله ينقلها (أي الروح) في هذه الدور طبقا بعد طبق حتى يبلغها الدار التي لا يصلح لها غيرها ولا يليق بها سواها وهي التي خلقت لها وهيئت للعمل الموصل لها إليها، ولها في كل دار من هذه الدور حكم وشأن غير شأن الدار الأخرى فتبارك الله فاطرها ومنشئها ومميتها ومحييها ومسعدها ومشقيها الذي فاوت بينها في درجات سعادتها وشقاوتها كما فاوت بينها في مراتب علومها وأعمالها وقواها وأخلاقها". (الروح 116) أ هـ .

إن العالم الأكبر بحق هو العالم الغائب عن أنظارنا، وعن أعين أجهزتنا ومراصدنا، والذي بوابته "الموت، والانتقال من دار الدنيا إلى الدار الآخرة، وهذه الدار الآخرة لهي أعظم وأكبر وأوسع وأعجب وأغرب من عالمنا هذا الضيق الذي نعيشه .

وإن تفاصيل الحياة في هذه الدار الآخرة لا يمكن معرفتها بالمشاهدة أو بالتجارب العلمية لأنها خارج عالمنا وخارج إطار حواسنا وإدراكاتنا وقدراتنا، ولا يمكننا أن نتعرف على هذه الدار وعلى قوانينها وأنظمتها وأحوال أهلها فيها، وما فيها من مخلوقات وكائنات وأحوال، إلا عن طريق واحد ألا وهو الوحي، من لدن الحكيم الخبير، عالم الغيب والشهادة، الخالق سبحانه وتعالى، الذي أحاط بكل شيء علماً، تقدست أسماؤه، وتعالت صفاته، جل في علاه .

إن هذا العالم الغائب يجب أن يكون جزءً من عالمنا الحاضر، لأنه مقرّنا، ونحن إليه مسافرون.

وإنما السر في تخبط البشرية اليوم وضياعها، أنها تعيش في عالم أضيق وأصغر، فيما هي غافلة لاهية عن ذاك العالم الأكبر، ولهذا لا غرو ولا غرابة أن تظل البشرية في عذاباتها ونكباتها وصراعاتها وشقاوتها، لأنها لم تستطع بعد أن تتجاوز - في تفكيرها وطريقة سيرها- عالمها الأصغر، إلى العالم الأكبر الأكثر رحابة، والأكثر عدلا، والأكثر رحمة والأكثر جمالا وروعة، لمن فقه حقيقة الإيمان، وأعمل عقله وقلبه في التعرف على أسرار الحياة، ومفاتيحها، وسننها، وفق مراد الله تعالى القائل عز وجل: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً{31} حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً{32} وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً{33} وَكَأْساً دِهَاقاً{34} لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا كِذَّاباً{35} جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَاباً{36} رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً{37} يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً{38} ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً{39} إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً{40} .

وإن هذا العالم الأعجب والأغرب لهو الأولى والأجدر بالدراسة والتفكر والتدبر والتأمل والعمل والإعداد، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

Moafa12@hotmail.com


في السبت 05 يناير-كانون الثاني 2008 05:01:25 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=3097