هل يحكُم الرئيس ويده على الزّناد
سارة محمود القاضي
سارة محمود القاضي

 قدّم الكاتبُ محمد ولد أباه ، في مقاله بصحيفة الشرق الأوسط اللندنية ، مطلع أكتوبر الحالي ، أدق توصيف للأزمة القائمة في اليمن باعتبارها " أزمة سياسية " ، وليست " قانونية أو دستورية " كما أريد لها أن تكون في المبادرة الرئاسية الأخيرة .

ولا مجال هنا للخوض في تفاصيل مسببات الأزمة وأعراضها الظاهرة والخفية ، فقد تناولتها الكثير من الكتابات ، سواء تلك التي وصفت بأنها رصينة وجادة ، أو تلك التي أُعتبرت مُغرضة وحاقدة !

الشيء المُجمع عليه ، صراحة أو ضمنا، أن الأزمة الحالية هي الأخطر التي تواجهها اليمن منذ القضاء على م حاولة الانفصال في يوليو 1994 ، وأن هذه الأزمة مستفحلة وعميقة الجذور ، وأنها تشكل تحديا جديا للرئيس ، بل وتهدد باقتلاع نظام حكمه من جذوره ، ولا يستبعد أحد أن تصل الأمور إلى هذا الحد ، إذا استمر القائمون على النظام والمستفيدون منه في هروبهم من الاعتراف بحقيقة الأزمة ، وبالعوامل الرئيسية التي كانت سببا في نشأتها ثم في تطورها ووصولها إلى مرحلة تؤذن بالانفجار، خاصة بعد أن تداخلت الأمور وأختلط ما هو حق ومشروع بما هو باطل ومرفوض .

هناك إجماع إذن ، أن الأزمة في مجملها خطيرة ، ولكن أخطر جوانبها في رأي الكثيرين هو أنها تتفاعل ، وتنتقل بسرعة من طور إلى طور، في ظل غياب للرؤية الواضحة سواء من جانب السلطة أو المعارضة .

ومع أن الرئيس قد تميّز دائما بالقدرة على الاستشعار المبكر للمخاطر التي تهدد نظامه ، وكذا بسرعة الحركة في الوقت المناسب ، إلا أنه يقف هذه المرة في موقف الدفاع وليس في موقع الهجوم ، وهو الموقع الذي أعتاد عليه دائما ، ومن خلاله سحق أو أحرق كل خصومه في كل مرحلة من مراحل حكمه الذي يعد الأطول في تاريخ اليمن .

والذين يعرفون شخصية الرئيس ، وطريقة تفكيره ، لا يساورهم الشك أبدا في مدى إدراكه لطبيعة المخاطر التي تهدده ، ولكن الرئيس - كسياسي محترف رغم أنف باجمال - لا خيار له غير التظاهر بعدم الاعتراف بخطورة الأزمة ، بل والتهوين من شأنها ، " .. لا وجود للإحتقانات إلا في رؤوس المحتقنين .. " ، وبالتالي الظهور بمظهر القوة والحزم لكي لا يظفر خصومه منه بأية تنازلات ، وكيف له أن يقبل ذلك ؟ وهو يدرك جيدا أن أي تنازل ، مهما صغر شأنه ، سيفسره معارضوه بأنه علامة ضعف وبعدها لن تتوقف مطالبهم إلا بخلعه عن سدة الحكم .

وبالمقابل ، فإن المعارضة قد تعلمت من أخطائها و تجاربها المريرة الكثيرة مع الرئيس ، وهي تبدو واعية تماما بخلفيات موقفه من الأزمة ، وبكل عوامل القوة وأسبابها التي لا تزال في حوزته .. ولكن ما تراهن عليه المعارضة وقد تكسب الرهان بالفعل ، هو التآكل السريع في شرعية النظام بعد التدهور المريع لأوضاع الناس المعيشية في الآونة الأخيرة .

ومع أن القوة كلها ، لا تزال في حوزة الرئيس ، إلا أن المعارضة – فيما يبدو بوضوح – مطمئنة إلى أنها قد تكسب الرهان في نهاية الأمر، فقادة المعارضة اليمنية يدركون جيدا أن الرئيس لا يستطيع أن يحكم ويده طوال الوقت قابضة على الزناد ، فذلك أمر مُرهق ومُكلف ولا يستطيع أن يتحمله أي نظام مهما بلغت قوة جيشه وأمنه .

وبضغطها المستمر على الرئيس ، على مستوى الإعلام وعلى مستوى الميدان ، تحاول المعارضة أن تدفع به إلى إعادة النظر بشكل جذري في مجمل سياساته وطريقة معالجته لمختلف القضايا والملفات الحساسة .. وفوق ذلك ، تُؤمّل المعارضة ، من خلال مواصلتها الضغط ، أن الرئيس ، حتى ولو لم يقتنع بجدوى إعادة النظر في سياساته ، فستدفعه الضرورة السياسية ومقتضيات الحفاظ على موقعه ، إلى تبني النهج الذي تطالب به المعارضة ، أو على الأقل إلى الالتقاء معها في منتصف الطريق .

ومع إصرار المعارضة على تصعيد الموقف ، ورغم ما يبدو من تهوّر غير محسوب في اندفاعها ، إلا أن المعارضة تحسب في حذر كل خطوة من خطواتها ، ولحذرها الزائد أسباب مفهومة ، ومن بين تلك الأسباب :

- أن المعارضة اليمنية هي لقاء ، أو تحالف ، بين مُتعارضين . وقد دأب الإعلام الرسمي على وصفها بأنها " تآمر مشترك " يهدف إلى الانقلاب على الرئيس .

- أن المعارضة ، كما ألمحنا من قبل ، تدرك قوة الأوراق التي لازال يمسك بها الرئيس على المستويين الداخلي والخارجي .

- أن قادة المعارضة يدركون أن مشروعهم للإصلاح السياسي ، رغم ثغراته الكثيرة ، لن يكون مقبولا من الفئة الحاكمة ، لأنه ببساطة يعني نهاية نفوذها السياسي والحد من وجودها الاقتصادي ، وبالتالي فمقاومته مسألة حياة أو موت بالنسبة لكثير من أركان النظام .

- إدراك المعارضة اليمنية أن مركز القرار الدولي لازال يدعم بقوة نظام الرئيس صالح ، ولا يقبل التفريط به في ظل الضرورات التي تحتمها الحرب الدولية القائمة على الإرهاب ، خاصة بعد أن نجح الرئيس في تسويق نفسه كشريك يعتمد عليه في هذه الحرب .

- إدراك المعارضة أن المجتمع الدولي لن يرحب بأية حكومة للمعارضة اليمنية بقيادة حزب الإصلاح ، مع وجود أسماء بعض رموزه على قائمة المطلوبين دوليا ، ووجود البعض الآخر في غياهب السجون الأمريكية لمزاعم تتعلق بصلتهم بالإرهاب الدولي إمّا كمرشدين أو كممولين .

 ومع إدراك المعارضة لذلك كله ، إلا أنها تُواصل ضغطها على الرئيس ونظامه ، مستغلة الكثير من النقاط ، ومن بين أهم النقاط التي ترددت كثيرا في كتابات صحف المعارضة ، وحوارات قادتها مع الصحف ووسائل الإعلام المختلفة ، وتراهن عليها المعارضة بقوة :

- تآكل شرعية نظام الرئيس نتيجة سوء الأوضاع الاقتصادية ، وتفشي مظاهر الفقر والبطالة على نطاق واسع ينذر بكارثة محققة ( رغم أن الشرعية الانتخابية لا تزال في جانب الرئيس ) .

- طول فترة بقاء الرئيس على رأس السلطة ، " .. الناس ملوا منا ، ونحن ملينا منهم ..." ، وانفراد الرئيس بالقرار ، وعُقم الرؤية السياسية ، لدى الفريق المُحيط بالرئيس ، على المستوى الاستراتيجي.

 

- تفريغ المؤسسات الدستورية للدولة من مضمونها ومحتواها ، مع الإبقاء عليها شكلا كإطار لاحتواء الشخصيات والأفراد ذوي التأثير والثقل الاجتماعي ، واستحداث آلية إدارة الدولة باللجان كآلية موازية – ومُعطلة – لجهاز الدولة الإداري ، وبالتالي تحييد الآلية القانونية للحكومة ، وربط كل شيء بشخص الرئيس .

- سوء الإدارة الواضح للمشكلة الجنوبية ، الأمر الذي يهدد الوحدة الوطنية ، وينذر بتمزيق المجتمع من أجل المحافظة على مصالح بضعة أشخاص كما ورد في تقرير الدكتور صالح باصره .

- تحييد الرئيس للشخصيات ذات الثقل في حزبه ، وتحويلهم إلى تماثيل من الشمع ، تُعرض على الناس كلما اقتضت المناسبة ، فهم أمام الناس مشاركون في السلطة ، ولكنهم في الواقع مُغيّبون عنها .. بينما يعتمد الرئيس على شخصيات لا تظهر على المسرح ، وهو يثق بولائها بصرف النظر عن قدراتها ومؤهلاتها . وهذا السبب بالذات ، كما تراه المعارضة ، هو أحد العوامل الحاسمة في تدهور أوضاع البلاد ووصولها إلى ما وصلت إليه .

إلى ماذا تهدف المعارضة ؟

وصلت المعارضة اليمنية إلى نتيجة مفادها : أن الديمقراطية كانت " وصفة قاتلة " !! ، وأن الانتخابات في مجتمع جاهل وفقير لا تؤدي – مع ضحالة الوعي السياسي – إلا إلى فوز من بيده المال والقوة والجاه .. لهذا لا تنفك المعارضة تردد أن الرئيس وحزبه لم يفوزا في الانتخابات الرئاسية والمحلية الأخيرة إلا باستخدامهما إمكانيات الدولة ومقدراتها !! ( ترى هل كانت المعارضة تفعل غير ذلك لو كانت في موقع الحكم ؟؟ ) .

وبإدراكها لقوة الرئيس ، وبحقيقة الواقع كما هو على الأرض ، لم يعد هدف المعارضة إسقاط نظام الرئيس ، حتى لا تصل بنفسها إلى " نموذج غزة " كما أشار إلى ذلك بذكاء ودهاء سلطان البركاني ، ولكن ما أصبحت تسعى إليه المعارضة هو الوصول إلى صيغة للمشاركة في الحكم ضمن إطار " حكومة وحدة وطنية " ، وهو ما صرح به بوضوح جميع قادة المعارضة ، في مناسبات مختلفة ، كمخرج من الأزمة .

وتدرك المعارضة بالطبع ، أن ما تسعى إليه يتعارض مع قواعد اللعبة الديمقراطية ، بل أنه يشكل انقلابا عليها ، فالرئيس يحكم وفقا لأغلبية " ساحقة ماحقة " أفرزتها انتخابات لم تمض عليها سوى سنة واحدة من سنوات سبع عجاف يتوجب على المعارضة انتظارها لتخوض انتخابات جديدة على منصب الرئيس .

ولذلك فقد سارعت المعارضة ، بانتهازية واضحة ، إلى اللّحاق بحركة الشارع الذي تجاوزها وتجاوز الحكومة معا ، ولكي تُخفي المعارضة انتهازيتها يلوّح قادتها - رغم ذعرهم الشديد – باللجوء إلى خيار الانتخابات المبكرة ، بدعوى أن تطورات الأوضاع وتفجّر الأزمات قد أفرز واقعا جديدا ينبغي مواجهته ، وأن الرئيس لا يستطيع الهروب منه بحجة أن المشروعية الدستورية والانتخابية تقف إلى جانبه ، كما أنه لا يستطيع الالتفاف على هذا الواقع المتفجر بتقديم مبادرات سياسية حول تغيير شكل ومسمى النظام ، في الوقت الذي يعرف فيه الجميع أن النقاش حولها سيكون " بيزنطيا " في أوساط النخبة السياسية ، بينما الناس في الشارع تريد أن تأكل وتعمل وتعيش في كرامة وعدل وأمن ، ولم يعد يهم معظم الناس ما هو نوع النظام أو اسمه أو لونه .

هل ينقلب اليمنيون على الديمقراطية ؟

سؤالٌ ربما لم يخطُر على بال أحد ، ولكن ما لا يغفل عنه عاقل، أن الديمقراطية - المستجلبة إلى واقع شديد التعقيد من خارج سياق تطوره - لم تقدم للمجتمع اليمني ، والعربي عموما ، خلال عقد كامل من الزمان ، أو ربما أكثر ، سوى قائمة طويلة من الوعود ، حتى لا نقول الأوهام ، فالحكام هم الحكام ، والأوضاع تزداد سوءا باطراد ، وقد انحصرت مهام دول المنطقة في وظيفة واحدة هي : مُحاربة الإرهاب ، حسنا ً ولكن من يقوم بمهام التنمية ؟؟ الناس في كل مكان يتضورون جوعا ويفتقدون إلى الأمن ، وآلة الديمقراطية الصاخبة تطحن لهم وعودا وآمالا لا يسمح الواقع بتحقيق الكثير منها حتى لو حسنت النوايا .

مشكلة اليمن ، أن خريطة توزيع القوة على الأرض لا تتغير ، وما يتغير هو الخطاب الإعلامي للسلطة والمعارضة ، مراكز القوة ثابتة وراسخة ، والكلام والضجيج في تغيّر مستمر ، وطالما ظلت المعارضة في اليمن عاجزة عن تصحيح معادلة القوة فسيبقى كل شيء على حاله .

ومن هنا ، فان هناك من يراهن على الانتخابات البرلمانية القادمة ( ابريل 2009 ) لإحداث تغيير جوهري في معادلة الحكم في البلاد ، وفي ظل المعطيات القائمة ، يبدو ذلك وهم آخر، فالانتخابات البرلمانية لن تأتي إلى البرلمان إلا بنفس البضاعة التي عرفناها كل مرة ، قد تتغير بعض الوجوه ، ولكن النواب ( الموظفين ) لن يكونوا إلا ممثلين لنفس المصالح .. وطالما أن السلطة في اليمن هي مصدر جميع المصالح باعتبارها المشغل الأول ، والتاجر الأول ، والحارس الأول ، فلن يكون النواب القادمون سوى " موظفين جدد " بنفس العقليات ، وبنفس التفكير الأناني والآني الذي هو سبب كل ما يحيط بنا اليوم من أزمات كان بالإمكان تجنبها بقليل من الإحساس بالمسئولية والشعور بالواجب .

ما هو المخرج إذن ؟

للأسف ، أوصلتنا أنانيتنا إلى وضع حرج ، فاليمن اليوم - مهما كابرنا وغالطنا أنفسنا – تعصف بها الأزمات من كل جانب ، ونحن - لا أستثني أحدا - أمام أخطار محدقة تهدد كياننا ووجودنا ومستقبل أولادنا ، والمخرج الوحيد هو أن نتحمل جميعا ، سلطة ومعارضة ، مسئولياتنا تجاه أنفسنا ، ومشكلتنا ليست في شكل نظام الحكم أو نوعه أو اسمه ، ولكن مشكلتنا تكمن في مفهوم الحكم وفلسفته ، وما يُحيط بنا من أوضاع متفجرة يقول لنا بوضوح أن هناك خللا خطيرا ينبغي إصلاحه في الحال ، وإلا فلنستعد لدفع الثمن .

بلادنا بحاجة إلى رؤية وطنية شاملة لتتجاوز أزماتها ، ولكن ما هو واضح حتى الآن ، أن الرؤية للخروج من كل هذه الأزمات لا تزال غائبة بين سلطة مكابرة أو مستكبرة ، وبين معارضة مُفلسة أو مُحاصرة ، وبين نُخبة سياسية وفكرية مُغيّبة أو حائرة .

Smahmood80@maktoob.com


في الجمعة 26 أكتوبر-تشرين الأول 2007 08:31:24 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=2735