مبارده الرئيس ...الطريق لصناعة أزمات اليمن
ريما الشامي
ريما الشامي

 اهداء :

الى ملايين هذا الشعب المخدوع بـ" يمن جديد ومستقبل أفضل " وهم يصارعون الجوع وقيمة كيس قمح

كل شئ في هذه البلاد صار مسخرا لأجل رغبات فرد ، والدستور الذي يعتبر العقد الاجتماعي الناظم لحياة المجتمع صارت قيمته الى اقل من مجرد دمية وعجينة هلامية يشكلها الرئيس ويحورها كيفما تشتهي أهوائه وأجندته الشخصية في البقاء في السلطة وتوريثها لنجله أحمد

التمديد والتوريث . . . لا غير

مؤخرا بدأ الرئيس صالح يشعر بأن عليه مغادرة السلطة بعد هذه الدورة التي تعد الاخيرة بالنسبة له بم وجب أخر تعديلات جرت في 2001 فلم يجد امامه أسهل من تكرار سيناريو 2001 وتعديلات دستورية تمنحه فترة اضافيه في الحكم بدورتين رئاسيتين لمدة 10 سنوات تبدأ من تأريخ نفاذ هذه التعديلات أي مباشرة بعد نهاية الدورة الحالية الأخيرة للرئيس صالح لينزل بعدها صالح من جديد ينافس نفسه في دورتين قادمتين بموجب هذه التعديلات التي أعدها بنفسه أيضا وأطلق عليها مبادرة لإصلاح النظام السياسي .

وقد وجد الرئيس ي مبادرته لتمديد فترة بقائه في الحكم 10 سنوات طريقا مضمونا ومأمونا للتوريث ، اذ ان نجله أحمد سيبلغ عمره في نهاية الدورة الحالية لابيه 37 عاما أي أقل من 40 عاما بحسب الشرط الدستوري الذي يمكن ان يعدل بمنتهى السهولة لكن الرئيس صالح يرى أن هناك عقبات ستفرمل من انسيابية توريث الحكم لنجله ولاترى في احمد الأحقية والاقتدار منها بحكم خبرتها الطويلة في خدمة الرئيس ونظامه خاصة وان لها ثقلها و وزنها الاعتباري في أوساط الجيش الذي يحمى الرئيس صالح واسرته في الحكم ، فالرئيس يريد تمرير تعديلات تمنحه تمديدا للبقاء في الحكم ل 10 سنوات ويكون بذلك استطاع تاجيل المواجهة والحسم مع عقبات التوريث لفترة مستقبلية قادمة يستطيع فيها ان يحرق كروتها ، ويبدو ان علي محسن الاحمر الند الأقوى لنجل الرئيس أحمد قد استهلكته حرب صعدة وبدأ كرته يحترق تدريجيا من ناحية له مسؤولية هزيمة حرب صعدة وتشويه صورته ولا يستبعد ان يلقى علي محسن وغيره مصيرا مشابها لأحمد فرج ومحمد اسماعيل في صحراء حضرموت .

30سنة حكم فردي . . . في المشمش

30 سنة قضاها الرئيس صالح في حكم اليمن ظل خلالها متفردا بمقدرات البلاد و ممسكا بيده كافة اللسطات والصلاحيات في الجيش والمال العام والقضاء والتعيينات الى مستوى ادارته الدولة بالتليفون حد قوله ، وخلال كل هذه الفترة استغل كافة امكانيات الدولة في تعزيز قبضته على السلطة من أجل البقاء في الحكم وتوريثه ، اذ استطاع تأسيس حكم أسري فردي يحتكر السلطة ظل يختصره على مستوى أضيق دائرة ، هذا الى جانب الصلاحيات المطلقة للرئيس صالح في التصرف بالمال العام وايرادات النفط بدون أدنى محاسبة او مسؤولية ناهيك عن احاطة أرقام هذه الإيرادات بسرية تامة وحجب معلوماتها حتى على السلطة التشريعية التي لا تعرف عنها شيئا بحسب الشيخ عبد الله الأحمر رئيس مجلس النواب ، وتميز هذا الخط الذي انتهجه صالح في الحكم والمتمثل في حصر السلطة بيده والغاء مؤسسات الدولة وتعطيل الدستور في إنتاج تؤامة ثنائية بين حكم فردي وصناعة مراكز قوى فساد يستند عليها و يقوم بها وتجمعهما مصالح مشتركة تلتقي في نهب مقدرات البلد والاستفراد بمصيره ، وخلال الـ 30 سنة الماضية ظل الرئيس يستخدم شخصيات ديكورية في مناصب شكلية تدير مؤسسات مفرغة .

التعديلات الدستورية التي طرحها الرئيس مؤخرا فيما أطلق عليها مبادرته لاصلاح النظام السياسي عن طريق الانتقال الى حكم رئاسي توحي بأن الرئيس غير مقتنع بالصلاحيات المطلقة وأنه يريد فوق المطلقة ، لكن الحقيقة ان صالح يقدم مسألة الحكم الرئاسي كجزء من مناورة تهدف الى تنصله من حصاد 30 سنة من الحكم الفردي وما انتهجه خلالها من سياسات وما نتج عنها من مخرجات أوصلت بلدنا الى مصاف الدول الفاشلة المهددة بالانهيار وهو عبثا يحاول ان يتنصل من مرحلته السابقة بكل كوارثها ومأسيها المدمرة تحت مبرر ان فترة حكمه الماضية كانت شراكته في السلطة ثنائية مع مجلس الوزراء وبالتالي فهو ليس مسؤلا عنها وانما يتحملها عبد الغني والارياني وبا جمال ومجور غير ان هذا المنطق يوضح مدى الاستهتار بحال هذا الشعب الذي يعرف جيدا من أوصله الى هذه الحال المأساوية ويعرف أيضا ان الهدف من هذه المناورة الجديدة وطرحه لنظلم الحكم الرئاسي وتنصله من حكم 30 سنة مضت انما بقصد تمرير الهدف الرئيسي لتعديلات تمنح الرئيس 10 سنوات اخرى في الحكم واخراجه بشكل مقبول .

وللتوضيح أكثر فان مبادرة الرئيس التي ركزت على حكم رئاسي كامل ـ هو قائم أصلاـ وانما جاء تنازل الرئيس عن بعض الشكليات التي ظل يستخدمها طيلة فترة حكمه السابقة لتغطية أخطاؤه وسلبيات حكمه وقرارته الفردية ويلقي باللوم عليها جاء هذا التنازل من اجل اضفاء عنصري المفاجاة والجدية على هذه التعديلات ما يجعلهما يسهمان في تجميل الهدف الجوهري لهذه التعديلات وهو التمديد له في الحكم 10 سنوات ومن ثم تمريره بصورة هادئة والوصول به الى أمر واقع

وتبدو الصورة غاية في البشاعة والمأساوية في ختام 30 سنة حكم فردي وصلت فيها اليمن من التردي والانحطاط الى مصاف الدول الفاشلة وتحولت البلد الى فوضى وفساد وحروب ومجاعة وساحة مفتوحة لحكم عصابات تفسد وتنهب وتستبيح مقدرات البلد ومع ذلك الرئيس يخلي مسؤليته ويطالب بتمديد فترتين رئاسيتن جديدتين له في الحكم .

مناورة وهروب من الاصلاحات الانتخابية

اجمعت كافة أطراف العمل السياسي في اليمن ومعها مختلف فئات الشعب منظمات المجتمع الدولي المهتمة بأن السبب الرئيسي وراء النكوص عن الديمقراطية وصيرورتها الى الفشل واتجاهها بالمشهد السياسي نحو تكريس الفردية والاستبداد يعود الى هيكل النظام الانتخابي القائم ( اليات واداة و ونظم وقوانين )الذي يدير ويحكم العملية الانتخابية والتي ما تأتي دائما مخرجاتها محبطة للناس كونها تكرس المزيد من الفساد والتدهور وتشرع للاستبداد لفترات مستقبلية في حكم البلد ، ومن حسن حظ اليمنيين ان انتخابات سبتمبر 206 قد كشفت للقريب والبعيد مأساة الديمقراطية اليمنية وصيرورة العملية الانتخابية الى مجرد لعبة بيد السلطة ، وقد رصدت منظمات دولية جزءا من فسادها القائم على استخدام امكانيات الدولة والمال العام والاعلام الحكومي والجيش لصالح طرف معين يمتلك السلطة وبهذه الامكانيات تحسم نتائج جميع الدورات الانتخابية في ظل انعدام ادارة انتخابية كفؤة ونزيهة ، مما اضطر السلطة تحت الضغط الدولي والاحباط الشعبي الى توقيع اتفاقية توصيات الاتحاد الاوروبي و برعايته والتي تتضمن معالجات واصلاخات للنظام والادارة الانتخابية القائمة وقبل ذلك كانت السلطة وحزبها قد وقعت مع المعارضة على اتفاق وثيقة المبادئ قبيل انتخابات سبتمبر 2006 من اجل ضمان شروط لنزاهة وعدالة الانتخابات غير ان السلطة كعادتها نكثت باتفاق المبادئ واستخدمت المال العام وإمكانيات الدولة والاعلام الرسمي على اوسع نطاق لصالح مرشحها في الرئاسيات ومرشحيها في المحليات وتبين فيم بعد ان توقيع السلطة لاتفاقية المبادي لم يكن غير مناورة استهدفت جر المعارضة الى انتخابات محسومة نتائجه سلفا تكون فيها مجرد استكمال ديكور من اجل ان تباهي بديمقراطيتها الخارج وتحبط بنتائجها الداخل.

وعلى ذلك يمكن فم مبادرة الرئيس صالح التي قدمها في هذا الوقت بالذات والتي تتضمن تعديلات دستورية يكون له فيها حق اختيار أعضاء لجنة ادارة الانتخابات كخطوة التفافية من اجل قطع الطريق أمام تنفيذ استحقاقات الاتفاقيات الموقعة مع المعارضة ومنها اتفاقية التوصيات الاوربية والتي تتضمن معالجات جدولية مرتبطة بفترات زمنية محددة لاصلاح هيكل النظام الانتخابي وادارته وقد حان وقتها فجاءت مبادرة الرئيس للهروب من تلك الاستحقاقات وقد اتضح ذلك جليا بعد تنصل الحزب الحاكم من هذه الاتفاقية ومن كل الاتفاقيات الموقعة مع المعارضة ورفضه الا الحوار حول مبادرة الرئيس واعتبار كل ماتم الاتفاق عليه من قبل مع المعارضة لاغيا

الرئيس صالح كان قبيل اطلاق مبادرته بتعديلات دستورية أكد ان حزبه سوف يحصل على الاغلبية المطلقة في الانتخابات البرلمانية القادمة في 2009 ، ولكن كما هو متعارف عليه فان حصاد الأغلبيات ( النسبية - المريحة - المطلقة - فوق المطلقة ) دائما تأتي في ظل اليات انتخابية فاسدة وادارة انتخابية منحازة للسلطة ويعينها الرئيس بنفسه بناء على قرارا فرديا وكما اشترط الرئيس في مبادرته الجديدة أيضا على حقه في اختيار وتعيين أعضاء لجنة ادارة الانتخابات ، ولذلك فلا يمكن للرئيس صالح وحزبه التنازل عن الوضع القائم الذي يضمن له حصاد الاغلبيات بنظام انتخابي مهترئ وادارة منحازة في الجيب وبواسطة المال العام وامكانيات الدولة ولذلك أيضا جاءت مبادرة الرئيس لتلغي ماتم الاتفاق عليه مسبقا وتعيد الحوار الى نقطة الصفر

والمعارضة امامها مسؤليات وطنية عظيمة أمام الله وأمام شعبها في عدم الانجرار وراء مناورات عبثية لا طائل منها غير استهلاك الوقت خاصة مع قرب استحقاق انتخابي تسعى السلطة الدخول اليه في ظل استمرار الأليات الانتخالبية القائمة كما هي ، والمعارضة قد جربت الكثير من هذه المناورات وتعرف نتائجها التي لم تفضي الا الى تكريس الاستبداد وتشريعه .

تدرك المعارضة جيدا أن أول خطوة لاصلاح أوضاع البلد باتجاه الخروج من النفق المظلم انما يبدأ من اصلاح النظام الانتخابي وألياته الفاسدة والمهترئة ، وطالما هناك اتفاقيات موقعة بشأن الاصلاح الانتخابي فينبغي التأكيد عليها والمطالبة بتنفيذ استحقاقاتها وفضح كل المناورات والممارسات التي تهدف الى الغائها والتنصل منها ، ويجب على المعارضة عدم تكرار تجارب سابقة من حوار مفرغ صيرته السلطة الى مجرد لعبة بيدها وتجعله يدور في دوامة مغلقة ينتهي في أحسن الأحوال الى نكث وتنصل عما تم الاتفاق بشأنه ، وقد جاءت مبادرة الرئيس في هذا السياق وهو تكرار دورات الحوار المفرغة واعادته الى نقطة الصفر في هذا الظرف الزمني القصير المتبقي لبرلمانيات 2009 رغم وجود اتفاقيات موقعة وبرعاية دولية .

مواجهة الاحتقانات.. بالأزمات

يجيد الرئيس صالح سياسة " استيلاد الأزمات " أو أسلوب مواجهة الازمات الحالية باللجوء الى صناعة ازمات أخرى كنوع ظل يعتمده من الحلول والهروب بنفس الوقت من مخرجات سياساته الفاشلة ، فإلى ماقبل عام من الآن كان الرئيس يعد مواطنيه ب ( يمن جديد ومستقبل أفضل ) الى جانب مكافحة الفساد والقضاء على الفقر والبطالة في سنتين غير ان الذي تحقق في عام هو النقيض تماما لبرنامجه ووعوده اذ تردت أحوال الناس المعيشية واستفحل الفساد وتحول اليمن الجديد الى ساحة مجاعة وحروب قتل للمعتصمين المتظاهرين ضد الجوع والنهب والفساد و من استطاع مغادرة اليمن الجديد هروبا من الفقر والجوع والبطالة ذهبوا لدول الجوار يطلبون حق اللجوء الانساني ، وهب ابناء الجنوب يطالبون بحقوقهم المغتصبة ووقف سياسات حرب صيف 94 التدميرية والمستمرة منذ 3 عاما والتي أفضت الى تدمير الجنوب أرضا وانسانا وتأريخا وهوية ووجودا الأمر الذي ضرب الوحدة الوطنية وخلق الانفصال بالقوة في وجدان الناس وخروجهم في اعتصامات ومظاهرات غضب رفضا للحرب ولسياسات النهب والتهميش والالغاء ولهمجية القوة التي تريد فرض وتعميم نموذج التخلف قسرا على الجنوب ومع ذلك تمت مواجهة الاعتصامات السلمية الجنوبية بالقوة العسكرية والرصاصات الحية في صدور عارية واعتقالات لقادة النضال السلمي النوية وباعوم وغيرهم واحالتهم الى محاكم تفتيش عسكرية ومدنية ، وفي ظل هذه الأزمات التي يعيشها الوطن كمخرجات كارثية لسياسات الحكم الفردي لم يكن أمام الرئيس الا الهروب من هذا الواقع الماساوي الذي تعيشه البلد الى ادخالها في أتون أزمة جديدة هروبا من تنفيذ استحقاقات برنامج الذي التزم به للشعب ( يمن جديد .. مستقبل أفضل ) من خلال طرح مبادرته التي يهدف من خلالها الى خلق أزمة جديدة توفر له امكانية ان يهرب خطوة الى الأمام كالعادة ، ولعل الأزمة المختلقة الجديدة تسهم أيضا في الهاء الناس وشغل القوى السياسية عن اسباب وتداعيات المعاناة الحقيقة التي يعيشها الشعب وتهدد مصيره كنتاج طبيعي لسياسات الفساد والاستبداد التي أوصلت وطننا الى انهيار كامل لقيم الدولة والمجتمع وتحول البلاد الى فوضى وحروب ومجاعات وحكم عصابات النهب والسلب والفساد .

ان الأزمة ليست بين المعارضة والسلطة كما يريد الرئيس جر أحزاب المشترك اليها تحت مبرر رفض اللقاء المشترك لمبادرة الرئيس ومناوراته التي يريد بها التغطية على فشل سياساته الكارثية في حكم البلاد ، وعلى المعارضة ان تعي جيدا وتحذر من أن تدخل طرفا في أزمة لا ناقة لها فيها ولا جمل لتتحمل النتائج الكارثية لحكم الفساد و لتبرر مجانا للرئيس فشل سياسات الاستبداد والحكم الفردي التي يدير بها الوطن

ان الازمة التي يعيشها الوطن هي في هذا التردي المريع في معيشة الانسان اليمني، في نهب لقمة عيشه، في تجويعه وافقاره، في تجهيله، في جعله طوال حياته يصارع الجوع والفقر والمرض والحروب من أجل استمرار الحكم الفردي وتوريثه الذي يرى حياته وتسلطه في ابقاء شعبه رهينا للجوع والفقر والجهل والتخلف

 ان الازمة التي يعيشها هذا الوطن اليوم هي في مسألة شعب يراد مصادرة حقه الطبيعي في حياة انسانية حرة كريمة من اجل استمرار تسلط الحكم الفردي وتوريثه فقط لاغير .

ان الازمة التي يعيشها وطننا اليوم هي في سياسات الاستبداد التي احالت الجنوب بكل مافيه أرضه وانسانه وثرواته وتأريخه و هويته ووجوده الى فيدا مباحا للنهب والعبث والتدمير والإلغاء لعصابات اللصوص الذين ينفذون ما يؤمرون به وكل ذلك لان الحكم الفردي يرى أنه لايستطيع ان يحكم البلاد الى الأبد الا اذا عمم نماذج الجهل والتخلف والهمجية في مختلف أرجاء الوطن .

 ان مأساة الوطن هي في حكم عصابات تنهب الموارد والثروات وتحتكر اقتصاد البلاد وتلتقي مصالحها مع نظام يرى أن أفضل طريقة للبقاء في السلطة وتوريثها هي صناعة مراكز قوى الفساد وتغذية توزناتها ثم تسليطها على الشعب لتنهب لقمة عيشه وتنزع حريته و تفرض عليه سياسات وقيم الجهل والتخلف والهمجية وتعممه كنموذج حياة لشعب . 


في السبت 13 أكتوبر-تشرين الأول 2007 09:47:58 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=2692