من سيقف حجر عثرة أمام وعد الرئيس اليمني؟

لقد بدا الأمر للجميع بأنه محض خيال ولم يصدقوا آذانهم وهم يستمعون لحاكم عربي يقف على مرأى ومسمع من العالم يعزل نفسه بنفسه ويترجل أمام قنوات العالم بأنه لن يرشح نفسه للانتخابات القادمة.

النخب والجماهير التي طالما حلمت بأن يكون امتطاء ظهورها " خفيفا ظريفا " لم تتعود مثل هذه المفاجآت المذهلة. فمنذ أيام الخليفة العادل عمر بن الخطاب وحفيده عمر بن عبد العزيز ومثلهما قليل في هذا الزمان كعبد الرحمن سوار الذهب وهي تمتطى من قبل حكام لايغادرونها إلا على ظهر دبابة أو محمولين على الأكتاف والألواح. 

كثير من المراقبين والمحللين يقولون بأن الرئيس علي عبد الله صالح يمتلك من الشجاعة مالا يمتلكها حاكم عربي غيره وإذا كان هو القادر على قول مالم يقله غيره.. فليس غريبا أن يفعل مالم يفعله أي حاكم آخر.

وإذا حاولنا ببساطة أن نقرأ الموقف اليمني فلا نعتقد بأن هناك ما يدفع الرئيس علي عبد الله صالح للقيام بمثل هذه الخطوة – التي وصفها أحد حكام المنطقة "المحنطين" بـ (الغبية) – مكرها ولا مضطرا فالرجل من حلفاء واشنطن في حربها على الارهاب، ولم يتحرش بها يوما، يشهد له بذلك سجله الناصع، وهو حريص على الحفاظ على مصالحها في المنطقة بشكل أو آخر، مما يعني بأن رياح التغيير في المنطقة لن تطوله، وكان يكفيه أن يقوم ببعض الاصلاحات التزينية أسوة بجيرانه من الحكام المهترئين..!!

كما أن الأوضاع الداخلية والانفتاح في اليمن يحقق مكاسب ملموسة تشهد له بذلك عدد الأحزاب السياسية وحرية الصحافة والتعبير التي يمكن ان يلحظها كل من زار اليمن وعاش فيها.. وعلى الرغم من الأوضاع المادية القاسية التي يعيشها اليمنيون إلا أنهم يتمتعون بهوامش من الحريات العامة والحراك السياسي الذي هو أفضل بكثير من الدول العربية الغنية التي تكتم على أنفاس شعوبها وتصادر الحريات وتكمم الأفواه وأصبحت مضرب الأمثال في الرشوة والفساد.. أضف إلى أن الرئيس علي عبد الله صالح يحظى بشعبية لابأس بها لدى مواطنيه فما الذي يمنعه إذا من الترشح لولاية جديدة يعلم أنه سيكون الرابح فيها حتما..!؟

الذين لم يستطيعوا أن يصدقوا ما سمعوه بناء على الارث التاريخي للحكام العرب الحافل بالعمر المديد فوق رؤوس شعوبها شككوا في الوعد واعتبروا تصريحات الرئيس اليمني ألعوبة جديدة ودعاية لكسب أصوات الناخبين في المرحلة القادمة ومراوغة من أجل لفت أنظار العالم إليه وامتصاص الانتقادات من الداخل والخارج ومسايرة لدعوات الاصلاح من هنا وهناك، وربما مرحلة تدريب لابن الرئيس اليمني القادم.. يعني فترة ( training ) لاغير !!

اعلان الرئيس اليمني قلب الدنيا رأسا على عقب لا على المستوى الداخلي فقط بل على المستوى الدولي.. فالديمقراطية الامريكية تعلم تماما بأن البديل القادم سوف يجلب الاسلاميين إلى سدة الحكم ووقتها لن تضمن أمريكيا الحفاظ على مصالحها وقد يضطرها الموقف للتدخل بشكل أو آخر كما حصل في الجزائر.

وعلى الرغم من كل هذه التحليلات فإن السؤال المهم هو من سيمنع الرئيس من تحقيق وعده؟

إذا ما استثنينا امريكيا والغرب من المعادلة لاشك بأن النخب الوطنية الصادقة والمخلصة والتي طالما دعت لمبدأ تداول السلطة وإحداث اصلاحات جوهرية تلقت الدعوة بفرح كبير لاعلى المستوى اليمني فقط بل على المستوى العربي عموما.

غير أن ثمة شريحة ليست بالقليلة وهي موجودة في كل زمان ومكان تولد مع بزوغ كل حاكم جديد يمتطي شعبه. هذه الشريحة المستفيد الأول من بقاء الحاكم والتي تقف دائما في وجه أي خاطرة للانفتاح تلوح في عقل الحاكم .. من أصحاب الكروش المنتفخة والحسابات الممتلئة حتى التخمة وكأنهم خلقوا فقط لأداء واجب واحد وهو الخروج في مسيرات التأييد والهتاف بأعلى أصواتهم.. هذه الطبقة مهمتها في الحياة اختزلت في مسح أحذية الحكام والتزلف لهم والتقرب إليهم برؤوس المواطنين الابرياء وكتابة التقارير صباحا ومساء وترويع الحاكم من شعبه في حلمه ويقظته.

وعلى الرغم من أن بعض هذه النماذج الموجودة مع كل رئيس عربي عاشت وماتت فقيرة فلا دنيا نالت ولا آخرة كسبت!! إلا أنها لا تتوقف عن التطبيل والتزمير بما يفعله وبما لم يفعله الحاكم.

هذه المخلوقات هي التي ستقف حجر عثرة أمام خطوة علي عبد الله صالح الشجاعة وسوف تنظم مسيرات تأييد للرئيس اليمني لكي يتراجع عن قراره وربما سيتطوع بعضهم لالقاء نفسه من أعلى نقطة في سد مأرب!!.. وليخرج الرئيس بعد ذلك ويقسم بالله أيمانا مغلظة أنه لولا الضحايا المساكين الذين سينقطع رزقهم بعد رحيله وتضمر بطونهم وجيوبهم ولولا الشعوب التي هتفت باسمه لما عدل عن رأيه ولذا فإنه ورأفة بالشعب الغلبان قرر ترشيح نفسه من جديد للانتخابات... وليذهب الوعد أدراج الرياح.

إن أشد ما نواجهه في مجتمعاتنا أن بعضا من أبناء وطننا اختاروا أن يكونوا مع المتزلفين الذين لا هم لهم سوى التزيين للحاكم والتملق إليه والوسوسة له بكل شر وبأن أي انفتاح سوف يقضي عليه وينقص من عمره وكلما تحرك وازع الخير عنده هرعوا إليه يخوفونه ويحذرونه في ثوب الناصح الأمين ولا ينتهون حتى ينتهي هو عن فعل الخير.. فهم أوصياء على الشعب وأدرى بمصلحته !! وهم أوصياء على الحاكم كذلك وأدرى بمصلحته !! والشعب والحاكم لن يتحررا حتى يتخلصا من نمط هذه العقول التي عشقت الاستبداد والاستحمار حتى الثمالة.

فهل سينجح الرئيس اليمني في أن يقذف بهؤلاء التبع في عرض البحر ويحقق وعده لشعبه ويعيد لحضارتنا هذه السنة الحسنة التي غابت زمنا طويلا؟


في السبت 24 يونيو-حزيران 2006 08:22:48 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=267