إلى الأستاذ عبد القادر هلال
كاتب/رداد السلامي
كاتب/رداد السلامي

كل ما في الأمر أن ثمة ما شدني للكتابة ..فقد كانت ردودك في منتدى حوار رائعة وتشف عن عقلية

تحتفظ بقدرتها على توليد وإنتاج الفكرة الخلاقة المبدعة نظريا .. من يدري قد تكون هلالا في نظر السلطة فقط لايحق له أن يتم دورت اكتماله في أفلاكها الموصدة بمذنبات الفاشلين ونيازكها القاتلة ،وقد تقصى من منصبك متلبسا بتهمة الوعي والكفاءة إذ لادورة اكتمال للحلم في وطن مصادر الاحلام .. أحلام رجاله ملقاة في سلال المهملات وأرشيف الحضور والغياب .. بينما فاشلوه قابضون على مقود السيادة والريادة  وإن كان ثمة اقتضاب في إجابتك حين سألتك في منتدى حوار حول :أين تكمن قوة أي نظام سياسي ؟

 إلا أني استطيع أن أقول أن النظام السياسي اليمني يعاني القابضون بناصيته من تخبط في الرؤى وفقدان لبوصلة التحديد

فثمة إشكالية تتقمص صانع القرار الذي يبدو أنه يتحرك بعشوائية متقنة ولا يوجد ما يحدد توجهاته وقراراته

 ولذلك فمن الصعب حد تعبير أحد-السياسيين-تتبعه والحكم الحاسم إلى أين يتجه..

فقراراته شخصية وليست مؤسسية وخاضعة للمزاج وردود الفعل معبرة عن حالته النفسية أو قد يتأثر بشخصيات

حوله لا تتقن فن المشورة الصائبة تدفعه باتجاه اتخاذ مبادرة بهذا الشكل الذي جعله يتخطى بعفوية خطيرة القوى السياسية المعارضة

فالنظام الذي يتربع عرشه مفرغ من صيغة مؤسسية يحاورها وتحاوره في اتخاذ القرارات المصيرية والهامة والقوى السياسية المعارضة هي أحد الأطراف الهامة التي يجب أن يشترك معها في إصدارتلك القرارات.

 واستبعادها أو تخطيها والاستغناء عنها مؤشرا خطيرا يهدد وجوده أولا ومصير البلاد ثانيا لأن القرارات الهامة والكبرى لاتهم حزب أو نظام بعينه بقدر ما تهم وطن برمته .

لكن دعني الج معك من ردهة واسعة لأستكشف وإياك مكامن الخلل ..الخلل الذي منهج له الكل من مواطن عادي حتى رئيس دولة

الثقافة ذلك المنتج الذي لازمنا كيمنيين في كل مراحل وحقب تاريخنا السياسي والاجتماعي ثقافة النفاق والمخاتلة والخداع ثقافة البطن الجائعة التي لاهم لها سوى أن تمتليء من حلال كان أو من حرام ثقافة النفوذ والتكتلات الفوضوية الساحقة التي لاترحم ..ثقافة الصمت والاستسلام والهدوء على أعتاب الامل الكاذب والاماني الباذخة ثقافة السخط العاجزة التي لا تصنع تغييرا ولا تنجز تحولا .

يتسائل اليوم المظلوم ونصف الظالم و الظالم لماذا نعيش وكأننا في غابة وتفاجئك الشتائم في هذا المجتمع حتى عند أتفه الأمور؟ وحتى بعض من تودهم وتحبهم وتظن أنهم يقدرونك تكتشف في نهاية المطاف لسعاتهم وغدرهم وأن كل تلك الضوضاء لم تكن سوى التقاء مصالح لا أكثر..

السخط .. تعبير صادق عن الكثير من الإحباط التي يعاني منها مجتمعنا على مستوى الفرد..بعد أن أدرك مدى الهشاشة في الأسس التي يتكئ عليها، سوء في معتقداته البعيدة عن روح الدين وجوهره أو في رداءة التقاليد القبلية المقيتة أو في المخزون الثقافي أو في مقومات الحياة.. كالأنظمة والقوانين والعلاقات .. أسرية كانت أو اجتماعية...

داخل بيوتنا وفي الشارع وفي مجالسنا ومن على منابرنا وفي وسائل إعلامنا.. يحمل كل منا شخصيتين متناقضتين.. أحدها صادقة واقعية إلا أنها مهمشة.. وأخرى زائفة مصطنعة ولكنها فاعلة.. هذا الوضع الشاذ والغير طبيعي.. والذي تكوّن على مر السنون، نتيجة التنكر للقيم الإنسانية والأخلاقية وكذلك الاستبداد والاستفراد السلطوي والتخلف الاجتماعي حتى انعدم عند الفرد الشعور بالحرية والمسئولية والإحساس الوجداني.. خلق هذه الروح القلقة والأمزجة العكرة والتفاعل الاجتماعي السلبي الذي طفا على السطح.

الكثير هنا يلعنون السلطة ورموزها.. ويلعنون التخلف.. وفي نفس الوقت يلعنون الحرية والديمقراطية و الشفافية والإبداع ، ويتظاهرون بأصالتهم ونقائهم وإنسانيتهم وخصوصيتهم ويتغنون بأمجاد جلها زائف...

وفي القرآن يقول الله ( {قل لن يصيبنا إِلاَّ ماكتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون)ومع هذا تجاهل مجتمعنا الذي يدعي الايمان مدلول هذه الآية، وجهر بأن ما أصابه في لقمة العيش إن هو إلا ما كتبت الحكومة ومتنفذيها وتجارها وأعفى نفسه من مسؤلية تنكره للقيم والحرية والدفاع عن الحقوق وتنكب سبيل النضال لنيلها انتزاعا منه .. 

الكل يمقت الاستبداد والكل يمارسه.. والكل يقمع الحرية ابتداء من تعامله مع أطفاله ..

 وفي الخفاء الكل يعطي نفسه كامل الحرية.. حتى يسمح لنفسه التجاوز في حريته والشطط فيها

نكذب ونزجر من يكذب.. نسرق ونقرّع من يسرق.. نخون الأمانة ونلعن من خانها ..ندعي الفضيلة لأنفسنا ونحن نعلم أننا أبعد ما نكون عنها.

القيم الإنسانية والدينية حينما تستدعى وتهذب.. هي الوسيلة الطبيعية المثلى للانتقال من مرحلة البدائية والهمجية إلى مرحلة التحضر والمدنية وممارسة الحياة على نحوٍ عقلاني إيجابي.. والقيم الإنسانية موجودة في عقل الفرد.. إنما أن تفعل على مستوى العقل الجمعي.. ذاك الفيصل بين بدائية الإنسان وتحضره.. وحينما تشح القيادات النبيلة ذات الحس الإنساني النبيل .. التي تأخذ بيد الفرد من بوتقة "الأنا " إلى رحابة " النحن" لا مناص من أن تكون البدائية والهمجية والقلق وظهور الفساد في البر والبحر والتوتر ورداءة الأخلاق.. هي الطافي على السطح.

ثقافتنا هذه هي من مكنت لقلة متنفذة تسمي نفسها "حكومة" تحتكر النفوذ والهيمنة و نهب ثروات البلاد.. مما جعل البعض يشعر بالغبن.. فيلجأ إلى الصراع على النفوذ أولاً.. سواء كان بهدف النفوذ المطلق..أو بهدف الحصول على نفوذ جزئي.. كالمشاركة في صناعة القرار..عله يظفر بحقه من الكعكة..

.الصراع من أجل الحرية حالة متقدمة يا أستاذي يفتقر إليها الشعب اليمني ولم يتأهل بعد فالشعوب المتخلفة ومنها بلادنا - ولا فخر- تصارع الآن من أجل لقمة العيش.. أما الحرية وما أدراك ما الحرية..؟ فلا مكان لها في عقل اليمني المليء بالتخلف و العادات والتقاليد.. وثقافة بمجملها تتناقض مع أدنى أبجديات الحرية والتعايش الوطني والإنساني ..شعب تتناسل ثقافته من عقول القدامى ويصر على التمسك بها بل ويبحث لها عن صيغة عقائدية تؤطرها وتشرعنها وتضفي عليها مسحة مقدسة .. وتصبح دينا ومعتقدا وثابتا من العار تركه والتخلي عنه إلى ما هو أفضل ..شعب يحيا جل مثقفوه وساسته ورجاله على فتات القابضون على زمام التحكم في ريمونت البلاد ..ويفضل الشريف منهم أن يمارس المخاتلة على أن يعمل عملا يعتقة من ذل الحاجة إلى الحاكم

إذا لم يمر أي شعب بمرحلة تحرر فعلي من قيود الماضي.. ثم يعي حاضره فينصرف إلى العمل المنتج فيحصل على الرفاه.. فلن يستطيع استيعاب معنى الحرية.

الغرب الديمقراطي الحر.. ترك الماضي وموروثاته السلبية خلف ظهره أولاً.. وأخذ منه القيم الفاعلة في مختلف مجالاته.. ووعى حاضره ثانياً فعمل عملاً منتجاً.. ثالثاً فنال رفاه العيش وأجبر حكوماته على أن تمنحه الحرية رغم أنفها.

أي شعب لا يعمل عملاً منتجاً.. لن يذوق طعم الحرية ولو ضحى بثلثيه.. والإقبال على العمل المنتج بجانب النضال التحرري الذي يتجاوز عتبة الارتهان لذوي النفوذ والقلة الإقطاعية المستبدة يعبر عن حالة وعي متقدمة.

الذي يعمل من أجل أن يأكل فحسب ..لا يهمه ماذا يعمل ولا كيف يعمل.. ولا طبيعة الأجواء التي يعمل فيها.. إنما همه أن يعمل عملاً مهما كان بائساً وسخيفاً.. فقط يوفر من خلاله رغيف الخبز الذي أتقن صناع القرار إلهاء الناس به عن مطالبتهم بإصلاح وضع البلاد.. أما الذي يعمل من أجل أن يعيش حراً كريماً مرتاح الضمير.. فهذا الذي يقبل على العمل من حيث كونه عملاً إيجابياً وكمالاً إنسانياً.. فيتوخى الإتقان والإبداع والتفاعل الإيجابي مع محيطه..و يسعى جاهداً إلى الحصول على حريته.. التي وجودها ضرورة ملحة وحيوية.

التغيير شيء والإصلاح شيءٌ آخر...

أما الإصلاح ، ولأنه بيد صانع القرار.. فإن سيره نحو تحقيقه يبدو منعدما ولا تفاؤل البته وما يبادر به عبارة عن مزاج ليس إلا وإصلاح لوضعه الذي بدأ يهتز داخليا وخارجيا..

أما التغيير، فهو بيد القوى السياسية والوطنية والمجتمع على مختلف أطيافه..وهذا في ظل الأوضاع الراهنة.. يبدو لي شبه مستحيل لأن المعارضة غير فاعلة حتى اللحظة والمجتمع عديم الوعي والإحساس بمستقبله ومصيره .

فالغالبية منه لا ترى حاجة إلى التغيير الإيجابي..بل أن فئة متنفذة فيه تتوق إلى التغيير السلبي.. لأن التغيير الإيجابي يعني تجاوز الموروث وفسح الطريق للكفاءات المؤهلة لأن تنتشل المجتمع من واقع سيء مسكون بالماضي إلى مستقبل أفضل.. من شأنه خلق الفرد الحر المنتج.. لا الخامل المتكئ على مصادفات القدر وتنبؤات العرافين.

 النفط هذا المصدر اليسير الذي نبشر بقرب نضوبه والذي يستخدم لتوفير متطلبات الحياة البدائية. التي تعنى بالجسم وغرائزه أحاله المتنفذون إلى أداة لتدمير العقل واغتيل إرادة الانسان وحريته ومخدراً يبقينا نلوك البؤس ونتشبث بثقافته الاستكانة ورضى العيش الحقير.

 


في الثلاثاء 02 أكتوبر-تشرين الأول 2007 11:47:40 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=2640