الريموت كنترول
رقية فيضول الدرهم

مأرب برس - خاص

مع أول الأشياء الصغيرة التي تعلمتها في سنوات عمري الأولى في هذه الحياة المترامية الأطراف ، تعلمت شيء كبير جدا أحاول جاهدة أن أحافظ عليه وسط موجات العولمة العاتية ، لقد تعلمت أن أعشق التعرف على حضارات البلدان و معالمها و كانت هوايتي أن أتعرف على عواصم و مدن العالم ، و لكن عندما كبرت اكتشفت أن العالم ليس في مادة الجغرافيا بقدر ما هو على الفضائيات ، و خاصة في نشرات الأخبار حيث عرفت من البلدان و المدن و القرى ما لم أدرسه في المطالعة :غزة، بيت لحم ، كابول، دارفور ، سامراء ،النجف ، الفلوجة ،الموصل ، البوسنة و الهرسك، قندهار و الشيشان والقائمة طويلة وقد لا تنتهي طالما هناك قوى ظلامية في هذا العالم تهوى القتل والاستبداد . غير أنها كلها مدن تعرفت عليها ليس بالطريقة التي كنت أحبذها واحلم بها،تعرفت عليها من خلال دموع أطفال تلك المدن ونحيب نسائها ومكابرة الآهات في صدور رجالها ، كلها مدن قاست و تقاسي الحرب والدمار، و كأن الموضوع لا يتعدى سلسلة من أفلام الرعب لنفس المخرج مع تغيير من يجسد ادوار تلك الأفلام ، وأخيــــــرا و ليس آخرا عراقنا الحبيب الذي كنت امني النفس في زيارته وهو شامخ معافى ، ولم أكد اروي فضولي من سنين الانتظار حتى شاهدة العراق بين مخالب الغزاة ينهشون خيراته ويسرقون معالمه ،وبدل أن أشاهد ما كنت إقراءه ، مسلة حمورابي ومكتبة اشور بنيبال والجنائن المعلقة وشارع أبو النواس وأور ومرقد الأمام كرم الله وجهه وابنيه السبطين الحسن والحسين ، أصبحت اسمع وارى أخبار القتل والتفخيخ والتهجير وكان يأجوج و مأجوج فتح لهم ذلك السد ليأكلوا الأخضر و اليابس ، ولان الغزاة دوما بدون أخلاق لذا ارتكبوا أبشع الجرائم في تاريخ الإنسانية ، جوعوا وشردوا واغتصبوا وعذبوا وسرقوا خيرات وأرواح العراقيين ، أعزة القوم هم كانوا فأصبحوا (.....)..!! 

 حتى أصبح لا يمر اليوم دون أن نسمع بموت العشرات في بغداد والانبار وديالى والنجف البصرة أو الموصل أو غيرها إثر انفجار سيارات مفخخة أو سقوط قذائف مدفعية على المستشفيات و المدارس و المآتم ، و الاعتذار هو قذيفة بالخطأ ، و كأن أرواح العراقيين رخيصة ولا تهم أحدا، مع أن النفس غالية على خالقها، و الأخطر من ذلك هو ردة فعلنا بعد سماعنا للخبر، إذ أنه في البدء ينتابنا الحزن على حضارة بابل التي رغم مرور القرون لم يمحها الزمان و لكنه بعد ثواني يتلاشى هذا الشعور و أول ما نبحث عنه في جنباتنا هو "الرموت كنترول" كي نقلب الفضائية و كأن شيئا لم يحدث ، إلى أخرى فيها طرب و مغنى حتى نروح عن أنفسنا، و لكن المأســــــاة و الطامة الكبرى أننا لسنا وحدنا من يفعل ذلك بل حتى أصحاب القرار الذين يظنون أنه بتغيير القناة ستنتهي القضية ، لا و الله، فهي لم و لن تنته عند العراق، بل هو مرض عضال لا ينفع فيه دواء، و سينتشر في كل الأمة العربية و لن نستطيع حينئذ تغيير القنوات، فالأجدر بنا أن نوقف الرموتات ونتأمل جروح العراق و ولبنان وفلسطين والسودان والصومال .. 

  hilalahilala@hotmail.com  


في الأحد 30 سبتمبر-أيلول 2007 09:27:22 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=2629