إرهاب الدولة الفرعونية ولّد إرهاب الجماعات المتطرفة
حارث عبدالحميد الشوكاني
حارث عبدالحميد الشوكاني

موضوع الإرهاب أصبح العنوان الأبرز في الساحة السياسية العالمية اليوم ورغم الإهتمام به إلا أن الملاحظ أنه ليس هناك دراسة تحليلية معمقة لأسبابه ومسبباته وإنما التوقف عند أشكاله ومظاهره السطحية مما جعل مواجهته تقتصر على الأساليب العسكرية التي قد تكون سببا في تفاقمه وايجاد قاعدة جماهيرية متعاطفة معه لا سيما تدخل الولايات المتحدة المباشر لمواجهته عبر انتهاك سيادة الدول العربية والإسلامية ، في حين تغفل الدوائر العالمية المهتمة بهذه الظاهرة عن أسبابه السياسية والإجتماعية والإقتصادية التي هي بمثابة الأسباب الحقيقية الكامنة وراءه. وفي هذا الصدد أقول أن المتأمل لهذه الظاهرة ومنشأها في العالم العربي والإسلامي سيجد دون مبالغة إن إرهاب الدولة الفرعونية الإستبدادية الدكتاتورية في مصر كان السبب الحقيقي وراء تطرف بعض الجماعات الإسلامية ، ففي مصر ظهرت البذرة الأولى للحركة الإسلامية المعاصرة (حركة الإخوان المسلمين) ومنها تفرعت بقية الحركات الإسلامية الإخوانية. وحركة الإخوان المسلمين في العالم العربي والإسلامي اليوم هي الحركة الأقوى تنظيمياً والأعمق تغلغلاً شعبياً وجماهيرياً والأكثر إعتدالاً وإيماناً بالنظام السياسي الحر الديمقراطي الشوروي ورفضاً للأنظمة الإستبدادية الديكتاتورية البوليسية.

لكن حركة الاخوان الأم في مصر تعرّضت عبر تاريخها لألوان شتى من إرهاب الدولة الفرعونية المصرية المستبدة في ظل النظام الملكي أيام فاروق وبعد ثورة مصر وقيام النظام الجمهوري ، فأضطهدت أيام عبدالناصر ولفقت لها التهم الباطلة (حادثة المنشية) كما تلفق التهم اليوم وبات بطلان هذه التهم مكشوفاً أمام الجميع بما يؤكد بطلان التهم التي وجهت لها سابقاً ، فلم يعترف بها وتم قتل قياداتها الإمام الشهيد حسن البناء والعالم الجليل الشهيد سيد قطب وزج عناصرها في السجون وتعرضهم لأبشع أنواع التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان ، وتواصل مسلسل الإستبداد والقمع لهذه الحركة المباركة أيام أنور السادات وحسني مبارك ، ورغم هذه الممارسات الإرهابية إلا أنها لم تنجح في استئصال هذه الحركة بل زادتها إنتشاراً وقوة وصلابة تنظيمية وبعداً جماهيرياً بل إنتشاراً في العالم العربي والإسلامي ، وحافظت هذه الحركة على نهجها المعتدل رغم الإرهاب إلا أن أبرز سلبية لإرهاب الفراعنة وتغول الدولة المصرية أنه جعل مجموعة من شباب هذه الحركة الذين واجهوا كل هذه المعاناة قتلاً وسجناً وتعذيباً تنشق عن هذه الحركة وتتطرف ومنها تأسست نواة الحركات المتطرفة (جماعة التكفير) التي كفرت المجتمع والدولة ، ومن مصر خرجت هذه البذرة إلى بقية العالم العربي وكان موقف قيادات الاخوان رافضاً لهذا التطرف حتى أن أحد قيادات الاخوان (حسن الهضيبي) المرشد العام للأخوان سابقاً كتب كتاباً لمعالجة هذه الظاهرة تحت عنوان (دعاة لا قضاة) ومن هذه الحركات المتطرفة تأسست نواة تنظيم القاعدة هذا التنظيم الذي لا يمثل قوة فاعلة اليوم فعناصره لاتبلغ 1% من قوة تنظيم الاخوان المسلمين المعتدل..

بل إن الإعلام اليهودي والإعلام الدولي ضخّمه وجعله يبدوا كقوة عظمى وقطب دولي يواجه الولايات المتحدة مما جعل من هذه المبالغة والتضخيم مضر بهيبة الولاية المتحدة القطب السياسي العالمي وباعث على السخرية منها وكأنها تواجه الاتحاد السوفيتي وقوة عظمى موازية في حين أنه تنظيم لا يتجاوز عناصرة عدة مئات فضلاً عن أن يكون دولة أو إمبراطورية ومن وراء هذا التضخيم الدعاية اليهودية ، ومن أراد التأكد من ذلك فعليه بقراءة كتاب بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل الحالي (مكان تحت الشمس) فهو أول من أسس في واشنطن معهد مقاومة الإرهاب قبل بروز هذه الظاهرة إلى العلن وهو من سعى مع اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة لتضخيم هذه الظاهرة بحسب اعترافه. وما أريد أن أصل إليه في هذا الصدد أن على الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها أن يدركوا أن السبب الحقيقي للإرهاب والتطرف هو الإستبداد السياسي وارهاب وقمع الدول الموجه ضد الأحزاب والجماعات والمجتمعات وأن النظام العسكري القمعي المصري الفرعوني تاريخياً وواقعاً هو المصنع الحقيقي الذي ولّد الإرهاب وسيفاقمه ولن يحد منه إذا تواصل ، وأن الحل الحقيقي لمقاومة الإرهاب والحد منه بل والتخلص منه ليس في الخيار الأمني والإستخباري والعسكري بل في الحل السياسي عبر النظام السياسي الحر الديمقراطي الشوروي ، فهذا الخيار هو الوسيلة الفعالة لإنتشال العالم العربي والإسلامي من واقع التخلف ورفع معاناة الشعوب السياسية والإجتماعية والاقتصادية إلى جوار أنه الوسيلة الفعالة لمقاومة الإرهاب. وثورات الربيع العربي خير دليل عملي يثبت صحة كلامي ، فالإصلاح السياسي والخيار الديمقراطي الذي أفرزته هذه الثورات شاركت وانخرطت فيه كبريات الحركات الإسلامية (حركة الاخوان المسلمين) وتجسد إعتدالها ووسطيتها واقعاً ملموساً عبر تجسيدها للممارسة الديمقراطية في أرقى صورها سواءً في السلطة عبر قبولها بالآخر كمعارضة سلمية لها حق الإعتصام والتظاهر إلى جوار إشراكها في القرار السياسي أو كمعارضة سلمية بعد الإنقلاب عليها ، بل إن ما يؤكد كلامي أن الحركة السلفية الأقل اعتدالاً بدأت تنخرط في التجربة الديمقراطية الشوروية وتتكيف معها وأنا على يقين أن إستمرار هذه التجربة كان كفيلاً بتذويب تنظيم القاعدة بخياره العسكري وانضمام أفراده وعناصره إلى المسار السياسي وعدولهم عن خيار العنف والمواجهة العسكرية. وعلى هذا الأساس أقول يجب أن تعي القوى العالمية على رأسها الولايات المتحدة أن وأد ثورات الربيع العربي بأنظمتها السياسية الحرة الديمقراطية الشوروية وعودة الأنظمة البوليسية القمعية كما في مصر التي تصادر الحريات وتلغي الكيانات والأحزاب السياسية الفاعلة وذات العمق الجماهيري والشرعية الدستورية والقانونية والديمقراطية وجعل القتل والسجن والتعذيب هو وسيلة التعامل معها سيكون المصنع والسبب الحقيقي لتفاقم الإرهاب واتساع نطاقه لا مقاومته والحد منه لا سيما عندما يمارس على الحركات المعتدلة الأدق تنظيماً والأعمق إنتشاراً شعبياً والوعي السياسي المتزايد الذي أحدثته الثورات الشعبية والتغطية الإعلامية القوية التي تكشف الممارسات الإستبدادية للأنظمة ضد شعوبها .

وبالتالي لا بد أن تدرك القوى العالمية أن الإنقلاب العسكري في مصر ومحاولة الإلتفاف على الديمقراطية في دول الربيع العربي دون مبالغة أمر يمس الأمن العالمي والأمن القومي الأمريكي والأوروبي مباشرة باعتباره السبب الأعمق لتوسيع ظاهرة الإرهاب لا الحد منه. ولا سبيل لإصلاح الأوضاع السياسية والإجتماعية والإقتصادية في العالم العربي والإسلامي إلا بالخيار الديمقراطي الشوروي كما كان هذا العامل نفسه هو سبب نهضة أوروبا وأمريكا على مختلف الأصعدة التي عانت طويلاً من الإستبداد السياسي والأنظمة الثيوقراطية طوال مرحلة العصور الوسطى. فيتوجب على القوى الدولية إستخدام وسائل ضغط فعالة على الأنظمة القمعية البوليسية بما يتناسب مع حجم المخاطر التي ستنعكس عليها.


في الخميس 29 أغسطس-آب 2013 09:57:32 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=21875