مفاهيم وأنوار .. الديمقراطيةالروحية (2-2)
عارف الدوش
عارف الدوش

إصلاح الفكر الديني في الإسلام يقوم عند " محمد إقبال" على طلب تغيير الوضع الذي وصل إليه المسلم الآن ووصلت إليه الجماعة الإسلامية وهو وضع الضعيف المتهيب الحياة النافر من الواقع يقوم على مكافحة الهرب من الحياة وعدم استطاعة السيطرة على المادة أو الطبيعة" وتقوم فكرة الإصلاح والتجديد في فكر"محمد إقبال" وفلسفته على إعادة النظر إلى الذات وتغيير مفهوم عالمها وإعادة بنائها انطلاقا من تعاليم الإسلام وقيّمه الذاتية ومن وضعية المسلم وظروفه الراهنة وعلى تغيير مفهوم الواقع الطبيعي والاجتماعي على أساس أن الطبيعة ميدان لحركة الإنسان وسعيه ومعرفته وبالتالي إزالة ما لديه من تصور عن كون عالم الطبيعة شرا ومخيفا وعلى مبدأ الحركة في الإسلام الذي يقوم على شرح المبادئ الإسلامية كمبدأ التوحيد من حيث هو تنفيذ لفكرة المساواة وفكرة الحرية وفكرة الاتحاد وكمبدأ ختم الرسالات ومبدأ الاجتهاد وغيرها .

إن إعادة بناء الذات والفكر يقوم أساساً وابتداء على تغيير ما بدخل الذات وهو أمر يقرره القرآن في الآية الكريمة: " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما في أنفسهم" (سورة الرعد الآية 1 ) و يقول "محمد إقبال" : وفي هذا المنهج من التغير التقدمي لا يكون الله في عون المرء على شريطة أن يبدأ هو بتغيير ما في نفسه فإذا لم ينهض الإنسان إلى العمل ولم يبعث ما في أعماق كيانه من غنى وكف عن الشعور بباعث من نفسه إلى حياة أرقى أصبحت روحه جامدة جمود الحجر وهوى إلى حضيض المادة الميتة على أن وجود الإنسان وتقدمه الروحي يتوقفان على إحكام العلاقات بينه وبين الحقيقة التي يواجهها "

وعند " إقبال "أن العالم بجميع جزئياته يعود في حركته إلى الحركة الإلهية وهو تجلي"الإنية" العظمى أو "العلي الأعلى"على أن هناك درجات في تجلى الروحية أو الذاتية وتجلى هذه الروحية يرتقي في سلم الوجود درجة درجة إلى أن تبلغ كماله في الإنسان وهذا السر في تصريح القرآن الكريم أن الله أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد.

لقد دعا القرآن الكريم في أكثر من آية إلى تأمل الطبيعة ليبعث في النفس الإنسانية الشعور بالذات الكلية التي تعد الطبيعة آية عليه فالتغيير عند" إقبال" يبدأ في داخل النفس الإنسانية لأن الإيمان ليس مجرد شعور فهو يماثل رضا النفس وقبولها واطمئنانها عن دراية وعلم وإدراك ولأن الدين غاية الدين وهدفه الأسمى تكييف الإنسان وهدايته في تدبيره لنفسه وفي صلاته بغيره فالتغير ميزة الكون والواقع تدل هذه الميزة على الأصل الروحي الأول لكل حياة والإنسان مطالب بتغيير ذاته ووجوده الاجتماعي ولكي يوفق الإنسان بين درجات التغير والدوام ينبغي أن تكون له مبادئ أبدية تنظم حياته الجماعية وتوجه أمورها.

ويقول "إقبال": الحياة واحدة ومتصلة والإنسان يسير دائما قدما فيتلقى على الدوام نورا جديدا من الحق غير المتناهي الذي هو "كل يوم في شأن" ومن يتلقى نور الهداية الربانية ليس متلقيا سلبيا فحسب لأن كل فعل لنفس حرة يخلق موقفا جديدا وبذلك ينتج فرصا جديدة تتجلى فيها قدرته على الإيجاد وبالتالي يصير متلقياً إيجابيا فتصير ذاته حرة طليقة تخلق الموقف الجديد دون أن تدوس على القديم لان التقوقع "عند إقبال"في القديم والجمود عليه يهلك النشاط الإنساني فهو يقضي على حرية الذات المبدعة ويَسدُّ المنافذ الجديدة للإقدام الروحاني" .

وتنشد الفكرة تأويل الوجود على أسس روحية وتحرير روح الفرد ووضع مبادئ إنسانية توجّه تطور المجتمع الإنساني على أساس روحيته أي تغيير مفهوم الإنسان لعالم الطبيعة وتحديد مبادئ عالمية لضمان التغير والتجدد في المجتمع الإنساني كل هذا يجري في الكون، ومن خلال سيطرة الإنسان على العلاقات بين وحداته: الإنسان، الوجود، الله. وإدراكه لظاهرتين أساسيتين هما ظاهرة تغير العالم وظاهرة حركة الإنسان هذه الحركة التي جعلت الحياة متجددة باستمرار هذا التجدد يبدأ في داخل نفس الإنسان في تفكيره ووجدانه ومشاعره ثم يتحول إلى خارج النفس فيكون عبارة عن تسخير في عالم الطبيعة بواسطة العلوم الطبيعية والصناعات ويكون اجتهادا في الواقع الاجتماعي وفي الأحكام هذه الحركة وهذا التجدد في داخل النفس أو في الطبيعة أو في المجتمع هي من أصل واحد تعود إلى الحركة الإلهية وتسعى إلى بلوغ الروحانية الإلهية التي هي مصدرها ومقصدها.


في الجمعة 19 يوليو-تموز 2013 03:46:55 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=21394