انتكاسة الشرعية على إزار الانقلابات!
الشيخان ولد الشيخ
الشيخان ولد الشيخ

في يوم شبيه بغيره من أيام الانقلابات التي لم تمر على الأمة العربية والإسلامية بالخير, ولا مرور الكرام, استيقظ شعب مصر على انتكاسة الشرعية الدستورية, وهدير عسكري, وخارطة أجندة أمريكية سعودية إماراتية, أصبح بموجبها الرئيس المنتخب والشرعي لمصر محتجزاً في دار الحرس الجمهوري, ويطيب للانقلابيين وأنصارهم مناداته خارجها بالرئيس المعزول, في محاولة منهم للدفع بعقارب الساعة إلى الخلف.

وهنا نتوجه بالكلام إلى أنصار ثورة 25 يناير, ذات المكتسبات التي تحققت بفضل دماء الشهداء الزكية, والتي يراد لها اليوم أن تذهب هدراً في مهب ريح بتمرد تسعة رهط 30 يونيو, ونتوجه أيضاً بكلامنا إلى جميع أحرار العالم.

دعونا نغص في رحاب الشرعية الدستورية, القاضية بأن الشعب مصدر السلطات, ولنتطرق لبعض نفحاتها التي جاءت برئيس منتخب, ودستور يحدد صلاحيات الجميع, بما فيهم مؤسسة الجيش, ويحدد الفترة التي يتولى فيها الرئيس المنتخب إدارة البلاد إلخ... ولنتحدث عن العوائق التي استخدمت لكبح جماح ثورة 25 يناير بمصر:

في صبيحة 30 يونيو نزل الغوغاء والدهماء والسوقة والرعاع والهمج والبلطجية والفلول وحثالة الناس إلى ميدان التحرير لسرقة إنجازات أبطال 25 يناير, بأيادٍ لطختها الأموال الخليجية, ونزل معهم من عهدناهم ثوريين, كانوا مرجوون لدينا قبل هذا, من حزب النور وحزب مصر القوية بزعامة أبو الفتوح. ونزل معهم جماعات أخرى لوثتها الدولارات الأمريكية, حيث أشار تقرير نشرته بعض وسائل الإعلام إلى أن نشطاء وقادة وفلول نظام مبارك, وأعضاء في جبهة الإنقاذ الوطني, وأقباط يقطنون في الخارج, استفادوا من أموال أمريكية تحت نطاق قانون ما يعرف بحرية المعلومات والمقابلات والسجلات العامة, وهو الشيء الذي يحظره القانون المصري ويجرمه, لا سيما أن المراد منه زعزعة أمن الدولة وقلب النظام القادم عبر صناديق الاقتراع.

في الحقيقة إنه مأزق انقلابي أعاد إلى أذهاننا مشاهد سالفة, في بعضها كانت الأدوات جنرالات ذوي نفوذ واسع في الترسانة العسكرية الجزائرية, وقوى استعمارية لا تزال تنهب خيراتنا. وبعضه الآخر انقلاب حل غير بعيد في موريتانيا حيث استباح جنرال أرعن كرسي الحكم بعدما تم الاستغناء عنه وإعفاؤه من تأدية المهام التي كان مكلفاً بها إبان حكم الرئيس الموريتاني السابق سيد محمد ولد الشيخ عبدالله أول رئيس مدني تم انتخابه من قبل الشعب الموريتاني.

ونظراً لسعي هذا الأخير لتقليص النهب الذي تتعرض له البلاد من قبل جيوب الاستعمار الذي لا يزال يمارس استنزافه لثروات المنطقة, وحتى يمكّن الشعب من الاستفادة من خيرات بلاده, أحدثت رويد الإنقلاب عليه. جبهة الدفاع عن الديمقراطية كادت أن تنجح في استئصال الانقلاب وعودة الشرعية, لولا أن المعارضة الوطنية انقسمت إلى شقين منها مندد بالانقلاب, ومنها من هو مرحب به, فحدث الانقسام وكان المستفيد الوحيد من ذلك الانقسام هو الجنرال الأرعن الذي لا يسمع ولا يرى ولا يزكي سوى رأيه, ويحسب أنه يهدي قومه سبيل الرشاد وما هو بالخليفة الرشيد, فضاع الشعب, وضاعت مصالحه, وتمخض عن ذلك كمين اتفاقية داكار الذي نسف الشرذمة المدافعة عن الديمقراطية نسفاً, وجعل منها أحاديث, لا تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزاً.

واليوم وبعد مرور كل تلك السنين إذا بالأمة العربية والإسلامية تقع في متاهة المأزق الانقلابي, وأين؟ في مصر أم الدنيا, حيث برز الجنرال عبد الفتاح السيسي بطل من بين أبطال إسرائيل الجدد, حسب وصف صحيفة هاآرتس الصهيونية, وأعلنها بدوي رصاصات في أحشاء المصلين, أولهم سقط في العريش, وآخرهم سقط أمام دار الحرس الجمهوري, خارطة للطريق تمكنه من الانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي, وتعطيه صلاحيات الرئيس بصفة غير مباشرة, وتخلق بالونات فقاعية, الطرطور فيها رئيس, والملحد بفضلها رئيس للوزراء, والمنسق خلالها نائب للرئيس للشؤون الخارجية, دون أن تمنعه سوابقه الإجرامية في حق الشعب العراقي من تقلد ذلك المنصب.

ورغم هذا التشابه والتشرذم والانصياع لإملاءات الدبابة العسكرية ورموزها ذوي اللحى المفروكة بماء حميم يقطع الأمعاء, والرؤوس المغطاة بعمائم يلبس من خلالها الحق بالباطل, ونياشين محمولة دون استحقاق, خرج الشعب المصري ثائراً رافضاً الانقلاب بشتى الطرق, فقال للسيسي هيهات من الذل, وإنّ في مصر شعب حمل الأكفان ونزل إلى الشوارع والميادين, واعتصم بحبل الشرعية الدستورية, أمام المنشآت وأمام العالم برمته, خلافاً لما جرى به القلم في شعوبنا العربية, واستمساكاً بالقرارات التي نتجت عن ثورته, ورفضاً لأي نفوذ داخلي أو خارجي أو عسكري من شأنه الاستحواذ على مكتسبات ثورة 25 يناير.

لقد قال الشعب كلمته بشتى الشعارات, وبلهجة ماء النيل فردد: "سيسي سيسي يا خسيس دم المسلم مش رخيص" ومنها "سيسي يا سيسي مرسي رئيسي" ومنها أيضاً هذه العبارة "يا سيسي يا جبان يا عميل الأمريكان" إلخ...

وانطلقت مسيرات الزحف إلى القاهرة لإحكام الحصار على الإعلام المضلل هناك, وعلى قصر الإتحادية, وقصر القبة, ودار الحرس الجمهوري, محل مصرع شهداء مذبحة الفجر, ومعتقل السيد الرئيس الشرعي للجمهورية العربية المصرية محمد مرسي.

وخلاصة القول: إن قاهرة المعز على المحك, وأمام مفصلين, ومشارف تطل على: رجوع العسكر لسدة الحكم بصحبة انعدام الحقوق وما يكفل للإنسان حياة كريمة, أو المضي قدماً نحو الشرعية الدستورية, بتمزيق الإزار المزوق بالخارطة, والتصحيح والوفاق والخلاص وغيرها من التسميات الإنقلابية, والشروع في المصالحة الوطنية, التي لا تصح في مصر إلا في نطاق الشرعية وعودة الرئيس الشرعي والمنتخب محمد مرسي إلى سدة الحكم, وتحمل الجيش مسؤولياته, والمرابطة على تخوم الثغور, ومقرات الثكنات العسكرية لحماية حدود البلاد والشعب.

وأخيراً, أستغل المقال لتوجيه كلمات المؤازرة والتأييد للرئيس محمد مرسي, ومناشدته الصمود حتى يفتح الله بينه وبين السيسي.

وألفت انتباه السيسي إلى أن الجيش التركي القوي فشل, بل عجز كل العجز, عن كبح جماح الديمقراطية في تركيا, فما بالك وأنت الجنرال غير المتمرس تسول لك نفسك كبح جماح الديمقراطية المصرية بسفك دماء الشعب المصري؟!


في الأحد 14 يوليو-تموز 2013 10:14:40 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=21337