طريق الحق والحب
سارة عبدالله حسن
سارة عبدالله حسن

عندما أشعر باليأس, أتذكر أنه على مدى التاريخ دائماً ما ربح طريق الحق والحب. كان هناك طغاة وقتلة، ولفترة من الزمن كان يبدو أنهم لا يُقهرون, لكن في النهاية, دائماً ما يسقطون – فكّر في ذلك دائماً .

ودائمًا ما كنت أردد عبارة غاندي هذه في أول الثورة.. كانت شعارًا أرفع به معنويات كل من يظن أن رحيل المخلوع صالح عن الحكم هو المعجزة الثامنة في التاريخ..

لكنني قبل أيام وبعد أكثر من عامين على الثورة، وأنا مع بعض إخواني المعتصمين في السجن المركزي لإطلاق سراح المعتقلين من شباب الثورة شعرت وأننا نعود لنقطة البداية !

وكأنما المخلوع لم يُخلع بعد !.

هناك من يصر على أن زواجه بالسلطة هو زواج كاثوليكي لا انفصال فيه و لا طلاق.. ملف المعتقلين في هذه القضية كان يضم 22 معتقلًا على ذمة حادثة النهدين.. لم نفهم كيف يزج شابان مدنيّان من شباب الثورة بين عشرين معتقلًا، معظمهم عسكريون ومن مؤيدي الثورة على خلفية هذه الحادثة.. هذان الشابان مثل العشرين معتقلًا لا يوجد أدلة تثبت تورطهم بحادثة الرئاسة، ولو كانت هناك أدلة لما عجز النظام السابق ولا حتى الحالي عن جرّهم إلى المحاكمة.

ومع ذلك ورغم توجيه من الرئيس بإطلاق سراحهم كانت هناك مساومات عدة وتم تقليص عدد الذين يُراد إطلاق سراحهم إلى 19 معتقلًا ثم إلى 17 معتقلًا.. كان واضحاً جداً أن المخلوع هو المعرقل لخروجهم، وكانت إشاعة قوية تسري أن من الممكن أن يُطلقوا سراح الـ 22 مقابل إطلاق سراح السبعة المتهمين بمجزرة جمعة الكرامة؟ مقايضة مذمومة كشفت - أن صحت - عن اعتراف ضمني بمسؤولية المخلوع عن مجزرة كرر مِرارًا أن لا علاقة له بها ورغم إنكار المحامي فيصل المجيدي لوجود مثل هذه الصفقة وتوضيحه إلى أن قرار الإفراج عن سبعة من معتقلي جريمة الكرامة تم من محكمة أول درجة في تاريخ 27 ابريل 2013، ولم يخرجوا لأن النيابة حينها طعنت في القرار والذي رفضته محكمة الاستئناف مطلع هذا الأسبوع.

إلا أن المحصلة هي خروج الجميع، ولم يتبقّ على ذمة حادثة الرئاسة إلا خمسة، منهم الشابان إبراهيم الحمادي وشعيب البعجري، اللذان لم يكن هناك أي دليل او حتى شبهة بعلاقتهما بالحادث ولا حتى لهما علاقة بالعمل في قصر الرئاسة كما هو الحال مع بعض من تبقى من الخمسة رهن الاعتقال..

ليس وحدهما شعيب وإبراهيم من تبقى من شباب الثورة خلف القضبان، هناك آخرون وكثيرون، منهم: عبدالله العامري الذي كان يسعف بدراجته جرحى الثورة، وهي ذاتها دراجته التي كان يعول وحده بها أسرته المكونة من أمه وأشقائه.. عبدالله ومعتقلون آخرون وعدد كبير من المخفيين قسرًا ما زالوا دون محاكمات يقبعون تحت براثن طاغية ما زال يتصرف بهذا الشأن وشؤون أخرى كأنه لم يرحل من السلطة بعد .. في حين يقف الآخرون ممن هم في السلطة رسميًّا عاجزين أمامه وأمام تنفيذ أمر إطلاق سراح أصدره الرئيس في صالح إبراهيم وشعيب، وأبى النائب العام أو كائناً من كان أن ينفذه !!

كأننا لم نقم بثورة بعد.. كأن القضاء والنيابة والداخلية وكثير من السلطات التي صارت تُحسب على أنها في طرف الثورة، كأنها ما زالت بيد المخلوع دون سواه.. هذا هو إذاً ثمن المبادرة أو "المباردة" - إن صح التعبير.. ثورة منقوصة.. ومحاصصة للسلطات تضرب بعضها بعضاً بغرض إفشال الثورة.. والثورة المنقوصة لا تُحسب على أنها ثورة من الأساس، لكننا ووسط كل هذه الخيبات وفي خضم ألمنا ونحن كثوار نفشل في إطلاق سراح زميلين لنا، هما: إبراهيم وشعيب، والآخرون، أدركنا شيئًا مهمًّا جداً ان الساحة الحقيقية للثورة لم تنفض.. صحيح أن الخيام رُفعت لكن الثوار لم يرفعوا ثوريتهم يحفظوها مع الخيام في مكان ما ثم يُغلقون عليها.. لقد كان السجن المركزي وكان الشارع المواجه لمكتب النائب العام يكتظ بكثير من الثوار والناشطين الذين لم يستسلموا لهذه الإحباطات، وكانوا ولا يزالون مُصرّين على حل مأساة المعتقلين، وهؤلاء ومعهم آخرون من مختلف الساحات والمناطق قادرون على استكمال أهداف الثورة وإكمال الثورة المنقوصة، بل إشعال ثورة أخرى إن أرادوا.. خاصة أن الأيام علّمتنا أن تركة فساد عمرها 33 سنة لا يمكن أن نقضي عليها في ثلاثة أعوام كما علّمتنا الأيام أن الانتصار لقضايانا لا ينبع من كثرة العدد الحامل للقضية، وإنما ينبع من عدالة القضية ذاتها، وإرادة من يتصدر لها قلّ عددهم أو كثر.. تلك الإرادة التي لا تفتر ولا تستسلم لليأس وتظل على طول الطريق مؤمنة بعبارة غاندي: عندما أشعر باليأس, أتذكر أنه على مدى التاريخ دائماً ما ربح طريق الحق والحب. كان هناك طغاة وقتلة و لفترة من الزمن كان يبدو أنهم لا يُقهرون, لكن في النهاية, دائماً ما يسقطون – فكّر في ذلك دائماً.


في الإثنين 10 يونيو-حزيران 2013 05:32:29 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=20813