التصوف بين التدين والسياسة (تركيا نموذجا)
احمد صالح الفقيه
احمد صالح الفقيه

التدين:

الصوفية ليست مذهبا على غرار المذاهب المعروفة، ذلك أن بين أتباع كل مذهب من مذاهب المسلمين متصوفة، وكما سنرى لاحقا فان التصوف هو باختصار الاتصاف بمكارم الأخلاق، وهو سلوك مطلوب في كل زمان ويحتاج إليه المسلمون في أيامنا هذه أشد الاحتياج.

والناظر اليوم الى سلوك المسلمين يجدهم في الدرك الأسفل في كثير من النواحي، وقد شاع بينهم الكذب ونقض العهود وتجردوا من الرحمة، وأصبحوا بعيدين عن الأمانة والإخلاص في اداء الأعمال التي يتقاضون عنها الأجور، كما استحلوا المال العام والدماء بحجج تافهة ما انزل الله بها من سلطان.

وهم بعد يدعون أنهم الذين قال الله تعالى فيهم انهم خير امة أخرجت للناس بينما يخالفون تعاليمه آناء الليل وأطراف النهار. والناظر اليوم الى اليهود والنصارى والبوذيين والهندوس يراهم مخلصين في العمل أمناء على أداء أعمالهم يعاقبون على الخيانة وسرقة المال العام يتراحمون فيما بينهم ويجهدون في توفير الحياة الكريمة للفقير والمشرد واليتيم، بل ان رحمتهم للخلق تجاوزت أبناء جلدتهم وملتهم الى الغير ممن ليسوا منهم دينا وأرومة. فلنعتبر كيف يعامل المسلمون من هاجر إليهم من المسلمين وكيف تفعل دول غير المسلمين!

أين قرأ المسلمون في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تكفير الناطقين بالشهادتين ناهيك عن قتلهم؟ هل فعل ذلك بالمنافقين وهو يعرفهم بالاسم ؟ أين قرأ المسلمون في سيرته انه أمر برفع السلاح على المجتمع حتى مع الاضطهاد؟ الم يقم في مكة ثلاثة عشر عاما لم يرفع فيها سلاحا؟ وهل امر به في مكة بعد الهجرة الى المدينة وتمكنه من الأمر فيها، هل امر من بقي في مكة برفع السلاح على الرغم من بدء الجهاد انطلاقا من المدينة؟ أين هم من قول الله تعالى (والفتنة اشد من القتل) ومن قوله تعالى للمسلمين في المدينة بعد التمكين وليس قبله (قاتلوا الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين).

لقد كان ما يفعله في مكه هو ما نسميه بالاحتجاج السلمي والتظاهر وليس القتال؟ فكيف استحل الإسلاميون لأنفسهم تدمير سوريا بحجة الجهاد؟ او ما فعلوه في ليبيا او ما فعلوه بالأمس القريب والبعيد في الجزائر؟ وما فعلوه في أبين وغيرها؟ اي دين يتبعون واي سنة يعتصمون بها؟. إنهم يفجرون القنابل والسيارات المفخخة في الشوارع العامة وتجمعات الناس قائلين ان الله سيبعث القتلى على نياتهم.

 الذين يفعلون ذلك لا يمتون بصلة إلى السلف الصالح الذين هم سلف المذاهب الإسلامية، فما أسلافهم إلا الخوارج، واعتقد انه من الخير تسميتهم بما سماهم به السلف، لان مذهبهم هو نفس مذهب الخوارج دون زيادة أو نقصان.

عودة الى التصوف:

التصوف هو عبارة عن التزام مكارم الأخلاق، وسلوك طريق المحبة للخلق والشفقة عليهم، ومن ثم تجنب كل ما من شانه إثارة الشر على الخلق.

وطريق الصوفي هو اتجاه دائم إلى داخل الذات بحثا عن أدوائها وأمراضها النفسية والخلقية للتخلص منها، ومن ثم التعامل مع الخلق بنفس محبة صافية وأخلاق مهذبة سامية. وهذا هدف المذاهب الإسلامية كلها في التربية والتزكية، ماعدا الخوارج ، والذين يقوم طريقهم ومنهجهم على التكفير والتفسيق الذين يسمونهما زورا بالولاء والبراء.

فديدنهم وكل عملهم هو التحديق في الخلق والشروع في تصنيفهم تمهيدا للاعتداء عليهم أو قتلهم.

 خصوصية التصوف:

لخص الحارث المحاسبي في أسس طريقته قواعد السلوك والخصال التي يجب ان يتصف بها المتصوف إذا أراد السير في الطريق والمكابدة للوصول إلى هدف كل متصوف فيما يمكن إطلاق اسم العرفان عليه. وهذه الأسس هي:

يقول العطار في كتابه تذكرة الأولياء : إن لأرباب المحاسبة عدة خصال تعلموها في الحديث، فلما قاموا بلغوا المنازل الشريفة بتوفيق من الله سبحانه وتعالى ، وكل الأمور تتهيأ بقوة العزم، وقهر الهوى والنفس، فإن من كان ذا إرادة قوية يسهل عليه مخالفة هوى النفس

ويعدد العطار خصال إتباع هذه الطريقة :

- 1 لا يقسمون بالله صدقاً ولا كذباً، ولا سهواً ولا عمداً.

- 2 يتجنبون الكذب .

 -3 لا يخلفون الوعد .

-4 لا يعدون بشيء لا يقدرون عليه .

5- لا يلعنون أحداً ولو كان ظالماً .

6- لا يدعون على أحد بالقول ولا بالعمل .

7- لا يطلبون الانتقام .

8- لا يشهدون على أحد بالكفر ولا بالشرك ولا بالنفاق ، لأن ذلك أقرب إلى الرحمة على الخلق وأكثر بعداً عن مقت الله تعالى .

9- لا يلقون حملهم على أحد .

10- يقطعون الطمع عن الخلق ويقنطون مما لديهم .

11- يبالغون في محاسبة أنفسهم وحرمانها من الطعام والشراب والنوم .

وفيما عدا الخصلة الأخيرة المتعلقة بالحرمان من الطعام والشراب والنوم، والتي تتفاوت الطرق الصوفية في مداها وشدتها، فان الخصال المذكورة أعلاه هي خصال عامة مأخوذ بها في الطرق الصوفية عامة ودون استثناء.

وتأخذ معظم الطرق الصوفية بأسلوب فصل المبتدئ عن المجتمع، وحمله على ألوان من الرياضات والمجاهدات، بنظام وتدرج مخصوصين بكل طريقة، لتعيده إلى المجتمع فيما بعد إنسانا أفضل قد ترقى في مدارج الطريق حسب استعداده وقوته.

ولهذا فان وصف الصوفية بالتبطل والعيش على حساب الآخرين ليس صحيحا ومن يتبع هذا الأسلوب من العيش ليس من المتصوفة في شيء.

وما يهمنا في هذه المقالة من خصال الصوفية هي الخصال الخامسة والسادسة والسابعة والثامنة من القائمة المذكورة أعلاه، والمعبرة اصدق تعبير عما وصفنا باتجاه المتصوف إلى داخله أولا، والعمل على تصفية نفسه وتهذيب أخلاقه، وعدم الاتجاه الى الحكم على الناس ومحاكمتهم.

فلرب امرئ يعمل طول عمره عمل أهل الجنة حتى إذا دنا اجله غلبته شقوته فعمل عمل أهل النار فيختم له وهو على ذلك ، ولرب امرئ يعمل طول عمره عمل أهل النار حتى إذا دنا اجله غلبته سعادته فعمل عمل أهل الجنة فيختم له وهو على ذلك كما اخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لقد أدى مبدأ الرفق الحصيف هذا إلى أن ادخل الله في الإسلام على أيدي المتصوفة أمما لم يجرد عليهم حسام ولم يضرب احد فيهم بسهم، بل إن أعداد من اهتدوا على أيدي الصوفية إلى الإسلام أكثر ممن اهتدوا إليه في عصر الفتوحات الإسلامية.

التسييس:

لقد ابتلي العالم الإسلامي بالخوارج المحدثين الذين وصفنا آنفا فعمت فيه الفتن، وعاث فيه هؤلاء الجهلة فسادا باسم الإسلام وهو منهم براء.

وقد استفحل أمرهم لقيام الحكومات بتشجيعهم لمواجهة الأحزاب الشيوعية والقومية إبان الحرب الباردة وبإيعاز من الأمريكيين ودوائر الاستخبارات الغربية فاتسع الخرق على الراقع. وقد اخذت بعض حكومات المسلمين في التفكير بتشجيع الطرق الصوفية ودعمها كبديل يوفر الزاد الروحي لناشئة المسلمين بعيدا عن الخوارج.

وهو اتجاه حسن من شانه إصلاح ما أفسده الخوارج، وتربية جيل من المسلمين الصالحين القادرين على التوافق مع شعوبهم وشعوب العالم، ومن ثم حمل راية الإسلام السمح ووجهه الوضاء إلى الناس.

ولعل التجربة التركية خير شاهد على النجاح الباهر للتصوف في زماننا هذا. فعلى الرغم من التضييق الذي مارسته السلطة الاتاتوركية فان مسلمي تركيا المنتظمين في الطرق الصوفية لم يحملوا السلاح ضد مجتمعهم بل دأبوا على الرفق والتربية حتى اخرجوا لتركيا الاتاتوركية أفضل الأحزاب وخير الحكومات برفق ودون عنف.

الصوفية في تركيا:

طبقا لموقع التصوف الإسلامي فان الناظر إلى طبيعة التدين في المجتمعات التركية يمكنه بسهولة أن يرى آثار التصوف الواضحة فيه.

ولعل تفسير هذا يبدو سهلا إذا ما تذكرنا فضل الطرق الصوفية في دعوة الشعوب التركية المختلفة من أوزبك وأذريين وكرغيز وغيرهم ممن دخل الدين من باب التصوف. ولذلك دأب الأتراك منذ حديث عهدهم بالدين على حماية التصوف الذي كان بمثابة الحصن المنيع الذي يحتمي به الدين والبلاد معا من شتى الهجمات وسائر المخاطر.

حتى ان ـ مؤسسي الدولة العثمانية كانوا يعيشون - في مقاطعات غرب الأناضول - حياة ايمانية محاطة بالقوة المعنوية من جانب رجال العلم والتصوف الذين كانوا يلازمونهم

أما عثمان فكان شيخا صالحا تقيا، وكان للطرق الصوفية دور بارز في ادارة شئون الدولة وتأسيسها فكان شيوخ الطرق يعملون على نشر الاسلام وإعداد المسلمين للجهاد.

وقد تقلد الصوفية مناصب كبيرة في الدولة، ومن أشهر الطرق التي كان لها دور بارز في الدولة العثمانية الطريقة البكتاشية والطريقة الرفاعية والطريقة المولوية.

وكان السلاطين العثمانيون مرتبطون بشيوخ الصوفية وبالطرق والتكايا، وكان لأهل التصوف دورهم العظيم في الدفاع عن الاسلام وكان لهم نفوذ على الهيئة الحاكمة في الدولة ورقابة سياساتها.

وكان رجال التصوف يشتركون مع الجيش العثماني في فتوحاته وساهموا في تحقيق العديد من الانتصارات، وبصفة عامة كان التوجه الصوفي قاسما مشتركا بين جميع السلاطين العثمانيين فقد عرف عنهم التصوف وحب الصوفية .

الطرق الصوفية في تركيا

تمكنت كثير من الطرق الصوفية في تركيا أن تحافظ على وجودها رغم كل العقبات التي مرت بها، ولعل من أبرز تلك الطرق الطريقة النقشبندية والقادرية والخلوتية والعُشّاقية والجراحية والبكتاشية والمولوية.

وتشارك هذه الطرق في الحياة الاجتماعية ولبعضها علاقات ودور سياسي.وسنتطرق هنا لبعض من تلك الطرق المنتشرة :

الطريقة النقشبندية

تعد الطريقة النقشبندية أكبر الطرق الصوفية في تركيا من حيث عدد المنتسبين إليها، وينتسب معظم أهلها إلى الفرع المعروف بـ"النقشبندية الخالدية" التي أخذت اسمها من خالد البغدادي الذي توفي في القرن الـ19، ومن أبرز الجماعات المندرجة ضمن هذه الطريقة من يحسب لها أدوار اجتماعية وثقافية و سياسية فاعلة:

1- جماعة إسكندر باشا: التي كان لشيخها محمد زاهد كوتكو الذي توفي في العام 1980 دور مهم في تأسيس حركة الإسلام السياسي وفي مواجهة النفوذ العلماني في تركيا.

2-جماعة أرانكوي: ولم يكن لهذه الجماعة حزب سياسي يمثلها حيث آثرت العمل السياسي غير المباشر من خلال التوجيه والتأثير والوعظ الديني بسبب أحداث مانمان عام 1930 التي سامت بها الدولة المتصوفين سوء العذاب الأمر الذي جعل هذه الجماعة تمارس نشاطاتها باحتياط وحذر.

3- جماعة المنزل: نسبة إلى قرية المنزل التي كان يمارس فيها شيخ الجماعة النقشبندي محمد راشد أرول فعالياته الموجهة في جلها إلى محاربة العادات السيئة من الخمر والقمار وسوى ذلك، وقد حققت الجماعة نجاحا كبيرا في ذلك ما استقطب الزوار من داخل البلاد وخارجها الأمر الذي لم يرق للعلمانيين الذين انتهزوا فرصة انقلاب عام 1980 ليشدوا الخناق على تحركات شيخ الجماعة ونفيه، رغم حرصه على عدم التعاطي بالسياسة.

4- جماعة إسماعيل أغا: وتعود التسمية إلى مسجد إسماعيل أغا في إسطنبول الذي يؤمه شيخ الجماعة محمود أفندي، ويطلب من الراغبين في الانتساب إلى الجماعة أن يرتدوا العمائم والجبب والسراويل ومن الراغبات أن يلبسن العباءات، الأمر الذي يجعلهم في خندق صعب من خنادق المواجهة مع تيار التغريب خاصة مع صحافته التي تصوره على أنه مروق صارخ من مبادئ العلمانية.

5- السليمانيون: نسبة إلى شيخهم النقشبندي سليمان حلمي أفندي، وقد كانت أبرز فعالياته تعليم القرآن الكريم في أكثر الأوقات ضيقا على الحركات الدينية، وقد مارس ذلك في الخفاء وطور لتعليم القرآن وتحفيظه طرقا تنشئ القراء والحفاظ في وقت زمني قصير.

الجماعة النورسية

أما الطريقة النورسية ( نسبة إلى مؤسسها بديع الزمان سعيد النورسي),فقد شكّلت نوعاَ من جماعات التكامل والتضامن الاجتماعي، وهي من أكثر الجماعات الصوفية الإسلامية تأثيراَ على الحياة السياسية التركية.

 وقد تأسست على يد بديع الزمان سعيد النورسي الذي اشتغل بالتدريس في فروع ومناح علمية مختلفة، وسعى إلى إنشاء جامعة إسلامية في شرق الأناضول لخدمة الإسلام على غرار الجامع الأزهر، وتكون قادرة على تعليم الشباب العلوم الحديثة والعلوم القرآنية.

 ولكن مع انهيار الإمبراطورية العثمانية وقيام تركيا الحديثة على يد حكومة أتاتورك ثارت الأقاليم الشرقية في الأناضول عام 1925 ضد حكومة أتاتورك وطلب من سعيد النورسي الحرب ضد الحكومة إلا انه رفض إراقة دماء إخوانه في الإسلام, وشرع في كتابة "رسائل النور" التي تمحورت حول أبعاد خطر الفوضى الداخلية وتقوية أواصر المحبة بين تركيا والعالم الإسلامي، وإبعاد فكرة القومية والعنصرية، حتى إن رئيس وزراء تركيا عدنان مندريس وافق على نشر هذه الرسائل النورانية في ربوع الدولة التركية.

وحاول سعيد النورسي خلال حياته أن يفرّق بين أفكاره ودعوات الطرق الصوفية بقوله "إن رسائل النور تنقذ الإيمان والطريقة الصوفية ترفع درجات الولاية، وإنقاذ ايمان مؤمن واحد أفضل من ترقية عشرة مؤمنين إلى درجة الولاية".

ونظرا إلى أن تقدم المسلمين يتم بتنظيم الوقت والعمل، وتوفير الأمن والطمأنينة بين المسلمين وتيسير سُبل التعاون في ما بينهم. وكذلك تأسيس علاقة بين الدول الغربية للاستفادة من النتائج الحضارية وقبول تبادل الآراء من عالم النصرانية ضد الإلحاد العالمي.

وشرح حال الأمة الإسلامية بقوله "انها محاصرة بين غربتين، غربة زمان تتمثل في الأمة عن ماض حضاري مشرق، وقطع لروابط الثقافة الفاعلة.

وغربة مكان تتضح في بعد عن واقع حضاري معاصر وفجوة حضارية كبرى يصعب على الأمة الإسلامية تجاوزها".

هذا وقد تفرّقت الطريقة النورسية إلى خمس فرق بعد وفاة بديع الزمان سعيد النورسي العام 1960.

التجربة الصوفية التركية مثال معاصر وواضح على نجاح ورشد وربانية التصوف، وهذا كفيل بكنس كل الوحول التي يراد بها تلطيخ التصوف وتشويهه، وهو كفيل أيضا بإظهار حقيقة مناهضي التصوف ، وأنهم يقولون ما لا يعلمون، وإنهم إنما يخرصون.


في الثلاثاء 22 يناير-كانون الثاني 2013 04:48:47 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=18919