خيانة الذات وخيانة اليمن..
د  عبدالله الحاضري
د عبدالله الحاضري

تعودت البشرية على مَـر تاريخها الوجودي أن تسمع أو أن تُطلق مُصطلح "خيانة" على مجموعة من أبنائها أو على أحدهم وقد يكون الموصوفون أو الموصوف بهذا المُصطلح ذو مراكز قانونيه اجتماعيه أو سياسيه المُهم أن هذا المُصطلح المشؤوم رافق نشوء الجماعات البشرية لفعلٍ أو عمل شاذ مُشين ارتكبه الموصوفون به فشكَّلوا خطراً على وجود مجتمعاتهم في الطبيعة وفقاً لمعايير ذاتيه إجتماعية لا خلاف عليها بينهم وغالباً ما تكون أسباب الخيانة سياسية أو اجتماعيه تتوافق وتتَّحد مع ذات فرديه أو جماعية مريضه نفسياً كنتاج لعوامل شخصية أو قد تكون اجتماعية هذه الذات تسعى إلى هدم المجتمع الذي ترعرت فيه وتشكَّلت داخله بثقافتها التراكمية السائدة ,هذه النفسية التي غالباً ما تكون حاقدةً أو منتقمة من وجودها أو من مجتمعها برمته لا تجدُ مانعاً ذاتياً أو قيمياً مُطلقاً من التعاون والإنغماس في أتّون بوتقة الشيطان ذاته لتستمتع وتتلذذ بلحظات الإنهيار والدمار والألم للوطن بأيدي أعدائه ؛ غير أن هذه الشعوب التي عاشت تجاربها القاسية مع هذه النماذج الفردية الخائنة لها عاشتها بنمط واحد تقريباً غالباً ما يكون في أبسط صوره..أعني أن فرداً من مُجتمع ما تعامل بنية سيئة مع عدو أمته بقصد الإضرار بها فيفشي أسرارها ويُدلل على أماكن ضعفها وعوارها على المُستوى المادي والمعنوي.., هذه هي الصورة الغالبة النمطية الدارجة للخيانة التي ألفتها الشعوب.., لكن هناك نوع آخر خاص ونادر لصورة أخرى للخيانة دُونتْ في تجارب الشعوب تتعرض لها وتكون أكثر تدميراً وتحطيماً من النمط السائد ؛إنها خيانة الأفكار والتاريخ والتراث والتنصُّل منها كلياً و العملُ على محوها من الوجود الاجتماعي ومن ذاكرة الأجيال لتسعى بعد ذلك للبحث عن مسوغ لوجودها الاجتماعي بعيداً عن حُطام ما دمرته وتسعى لقطع كُل علاقة لها برصيد المجتمع الحضاري الذي أنتج الخائن ذاته في غفلةٍ قد يقعُ فيها أي مُجتمع بشري..! إن خيانة التاريخ كامنة في التنصُّل منه وخيانة الأفكار كامنة بالكفر بها وخيانة التُراث والثقافة والجغرافيا كآمنةُ جميعها باستبدالها بغيرها إن هذا النمط من الخيانة هو فعلٌ نادر في الرصيد التاريخي البشري ومحدود للغاية وتجسيده كتاريخ لا يكاد تذكره البشرية لنُدرته تلك ولاستحالة تصوره في الوجود فضلاً عن تلمُّسه في الوجدان ؛هل سمعتم أن أمريكي واحد قال إنه ليس أمريكي وأن أمريكا ليست أمريكا وأنها اصلاً جُزء من الهند وأن اسمها الحقيقي الهند الأطلسية ويطلب تحريرها من أمريكا..! بل هل سمعتُم أن إسرائيلي واحد قال أنه ليس إسرائيلي وقرر أن إسرائيل مُحتله فلسطين برغم أنها مُحتلٌه فعلاً لفلسطين..!

هل يمكن أن نتصور أن "توني بلير" قد يُصرح في يوم من الأيام ويقول أن جزر"الفوكلاند" ليست بريطانيه وأنها جُزر أرجنتينيه ويجب أن تعود للأرجنيتن وأن إسمها "جُزر الفوكلاند الأرجنتينية"..!!لا..لا أبـداً ! لا يُمكن أن يحدث كل ذلك بالنظر للقيم والأخلاق الوطنية سوآءً الأمريكية أو البريطانية على الأقل من الناحية النظرية, قد يمكن أن نتخيل أن أمريكي أو بريطاني أو إسرائيلي أو أي مواطن ينتمي لأي مجتمع في هذه الدنيا مهما كانت عقائدهم أو إنتمائاتهم.. يمكن أن نتصور أنهم قد يخونوا أوطانهم بإعطائهم معلومات لأعدائهم عن وطنهم ذلك أمر ممكن الوجدان والوجود..ما لا يُمكن أن نتصوره أنهم قد ينكرون انتمائهم الوطني لمُجتمعهم فذلك خارج حدود الإمكان ولا يُمكن أن يكون في الحُسبان بل إن أدوات الحس البشري تجد صعوبةً في ترجمة هذا الإمكان الخائن للوعي كمفهوم أو تصور..!فللخيانة حدود..حتى الشيطان خان أمانته في حدود ولم يتجاوزها..! فلم يُنكر ذاته ولا تاريخه وطلب من الله أن يُمهلهُ في الأرض إلى يوم يُبعثون وأن أفعاله محدودةً بوسائط الإغواء لا الإجبار ولم يخرج عن هذا الحد ولم يتجاوز مسلك الإغواء ؛ إن تجاوز حدود الخيانة غير مُتصور حتى للخيانة ذاتها وتصور الحس لها يُثير في الضمير والوجدان عذابٌ ويؤدي للغثيان..! لكن "علي البيض" اليوم قد أعاد للبشرية هذا الأنموذج المنسي والنمط البغيض للخيانة المُستبعد الغير متصور؛ فما قيمة الإنسان إذآ خان مبادئه وقيمه وتاريخه وتراثه والجغرافيا التي احتوته وأمَّنتهُ وأورته وأطعمته..!لم يكن يخطر ببالي أنه سيأتي يومٌ من الأيام أستمع فيه ليمني يقول أنا لست يمني ويبحث لنفسه عن مُسمى آخر وجغرافيا أخرى كُل ذلك بإسم قضية جنوب اليمن قضيتنا المظلومة التي إستبد بها النظام السابق.., يجب أن أقرر بكل صراحة أن قضية جنوب اليمن قضيةٌ عادله يتبناها الشُرفاء من أبناء اليمن كلها وأن "البيض" يقتل كل يوم هذه القضية العادلة ويذبحُها من الوريد إلى الوريد يُتاجر بهآ في كُل أسواق النَّخاسة ؛اليمن..ذلك المُسمى الحضاري الضارب جذوره في أعماق الأرض وفي قلب التأريخ.., لم يخطر ببال أحد من العرب أن يتنصَّل من أصله اليمني بل إنهم حين يثبتون وجودهم في التاريخ يعودون بهذا الوجود للأرض الطاهرة اليمن..أما "البيض" الدَّعي حين يُريد أن يكون صاحب قضيه يقول أنه ليس من اليمن وأنهُ ليس يمني وليت شعري من أين أنت ؟! أما جنوب اليمن وزهرتها عدن فهي اليمن ..؛ قد يخون "البيض" ويعبث بكل شيء بأموال إيران الحرام لكنه لا يُمكن أن يعبث ويُغير التاريخ بهذه الأموال فذلك خيال مريض لا يُمكن أن يؤثر في اليمن أرضاً وإنساناً وتاريخاً وجُغرافيا, نعم..يجب الإعتراف بقضية جنوب اليمن في حدود اليمن ومُسمى اليمن حتى لو فرضنا جدلاً أن الإنفصال أصبح قدراً فهي اليمن وهي جنوب اليمن فقضيتها ليست مع التاريخ ولامع مُسماها الحضاري اليمن ولا مع موقعها الجغرافي..قضيتها مع الإستبداد والظلم ولست أدري أي حضارةٍ أو أمةٍ تلك التي يُمكن أن تستوعب وتُذيب مُسمى اليمن في بوتقتها..!أي جغرافيا في هذه الدنيا يمكن أن تبتلع جنوب اليمن بكله..؟!

قال "البيض" جنوب اليمن ليست من اليمن هل بعد هذه الخيانة من خيانة..!! هل سمعتم بمثل هذه الدعوى قالها أحدٌ ما في العالمين ..!قبَّح الله أموال إيران التي تُذيب العقل وتُربك الوعي وتخدش الحياء كأنها السحر لقد جعلت "البيض" المنكوب في وعيه يتجرد من قيمه وثوابته ويتنصَّل من تأريخه ومن أعظم رصيد حضاري في هذا العالم اليمن..! ولو أن "البيض" بحث في كل هذه الدنيا عن مُسمى له غير اليمن ما وجد , ذلك أن كُل جيناته حتى قصة شعره الفريدة وفروق أسنانه ولون جلده وتفريعات أصابعه تقول له مُجبرةً كارهه أنت يمني وإن كُنت عاق..أنت يمني تتنصل من ذاتك ومن وجدانك..كما أن جنوب اليمن يتبرأ من دعواك ويلفظُك من ذاته..!ألم تعلم أن ملايين الأجيال تعاقبت على جُغرافية وحضارة اليمن وتماهت فيها ولم يتبقّى منها شيئاً يُذكر سوى اليمن.. !ولم تكن اليمن في مرحلةٍ ما من مراحل التاريخ مُتمثله في جيل واحد من تلك الأجيال التي تماهت في بوتقتها ومحتواها التاريخي والتراثي.., والأفكار الحضارية التي بين أيدينا شاهدة على ذلك التماهي وذلك الإنصهار , لم تكن دعوى "البيض" تلك باطلة فحسب بل يجب وصفها بالدعوى الخائنة لكل مُشتملات اليمن حتى لا تُصبح الخيانة فكره من الجائز نقاشها أو إلباسها ما قد يُشبه أنين وطن..أما قضية جنوب اليمن فهي قضيتنا العادلة ولعلي مُضطر للقول أن كُل من إنغمس في أموال إيران الحرام تُصيبه لوثه غير وطنية وتُدخله سردابهم العجيب وأنَّى له الخروج ..!!وما حَدثْ سوريا الثوري عنا ببعيد فمازلنا نعيشه بكُل تفاصيله.., كيف سيكون مصير الأسد؟!وهل ستجدي معه كل أموال الدنيا بما فيها أموال الحوزات المُقدسة بعد أن دمر سوريا الأرض والإنسان ..!إن الخيانة للذات والأفكار أعظم خيانة قد تُرتكب في حق الأمم ولا تُكفرها كل ترانيم الصلوات التي عرفتها الإنسانية لأنها ببساطه خيانة لله الذي قسّم الأوطان وأودع فيها أرزاقها وأسكن فيها عباده بأوصاف وعلامات مُحدده وجعل فيها مزيَّة القُدرة على حفظ تاريخها الوجودي في الأرض وحفظ تُراثها وأفكارها مهما طال أمدها في هذا الكوكب وعيَّن الله حدودها ومسمياتها حتى أصبحت قدر كوني خاص بالطبيعة ويا للعجب يأتي بعد هذا كُله أحد عباده التائهين في الكون ويُصرح أنه لا يعجبه ذلك وأنه يجب إعادة قسمة جُغرافية اليمن وضمها إلى أي وطن آخر غيرها يكون ولود حلوب..!! والأدهى من ذلك أن إسم اليمن في ذاته لا يروق له ويطلب إعادة النظر في التسمية ..!أي والله إعادة النظر في التسمية..!

أحقر مخلوقات الله هو ذاك الذي لا يرضى بما قسمه الله له ويرفس بقدميه تاريخه ووجوده..! إن عدن اليمن هي التي سماها الله عدن وأوجدها في قلب اليمن غير أن "البيض" لا يؤمن بذلك ويعتقدُ أنها ليست في اليمن ويلزمه القول أيضاً أنها ليست عدن..! وأن هذه المجهولة تقع في جنوب مُضمر في وحدات الزمن وأن تاريخ اليمن بلا عدن ولا لحج ولا أبين ولا حضرموت ولا شبوه ولا المهرة..! وان كل التراث الذي ورثناهُ من أسلافنا كان عدم وحتى لا أخوض كثيراً في هذه الجدلية العقيمة أقول مُختصراً ومن الآخر بالبلدي الفصيح ربي وربك الله شئت أم أبيت هو الذي خلقنا وأسكننا في أرض أسماها هو"اليمن" فهو إسم توقيفي وليس توفيقي..! لها حدود جغرافيه محدده يعلمها العالم أجمع ولا يُنكرها أحد حتى أعدائنا وصرنا نحن بذلك مُضافين إليها فنحن يمنيون لهذا وهذه حقيقة تاريخيه غير قابله للنقاش وأمرنا سُبحانه أن ننتفع ونمارس حياتنا الطبيعية عليها وفيها وأن حقوقنا فيها هي حقوق إنتفاع وليست حقوق ملك وليس لأحد منا حق التصرف فيها بالبيع أو الشراء فهي ملك لكل الأجيال الذين سبقونا ولنا ولمن سيأتي بعدنا رقبتها بيد الله وليست بأيدينا وصدق الله اليمن هي اليمن وعدن زهرة جنوبنا هي اليمن ومن اليمن وكذب "البيض" فلا يوجد جنوب لليمن في غير اليمن.., ولكن يجب القول في الأخير أن على كل القوى النخبوية السياسية والإجتماعية المُمسكة بمُعطيات ملف قضية جنوب اليمن أن تُحدد موقفها بصراحة لله ومن ثم للتاريخ من دعوى "البيض" هذه لنطمئن أن هذه القضية هي حق كما نفهما جميعاً لا كما يُريدها "البيض" بيضٌ من طهران وبقبقة من عدن!..فهذه الدعوى المأفونة تطرح سؤال وطني منطقي مفاده هل وصل الحال بالبعض منا أن يُصبح نخَّاساً بإسم قضية جنوب اليمن ويُتاجر بها وبالمُسمى أيضاً..؟! فإذا كنا نتهم النظام السابق بالإستبداد وظلم اليمن بما فيها جنوبه فإن الأقبح منه القفز فوق التاريخ وتسفيه حضارتنا وعرض وطننا للبيع بأبخس الأثمان والأشد من ذلك أن يُدوّن التاريخ أن جيلنا هو الوحيد الذي قام من بين ظهرانيه من يُنادي بطمس إسم اليمن من جنوب اليمن وتصبح عدن جنوب العالم وزهرة طهران وقبلةً لكُل الأوثان ولعنةً على مكة والمدينة وكل العُربان النائمون على وسائد من حرير تحت الصُلبان..! بعد أن تكون قد تخلصت من عائقها الوحيد اليمن.., سلمت يا وطني من كل شعرةٍ غجرية تتدلى فوق الجفون وتحجب النظر عن العيون.. يا وطني المغبون منذ سد مأرب..الفئران مازالت تعبث وتحوم والكُل يُغني كما غنت أم كلثوم "أغداً ألقاك" يا خوف فؤادي من غدِ..يا خوف فؤادي من غدِ..!يلعن ذلك لكل أبناء الشعب اليمني.


في الإثنين 17 ديسمبر-كانون الأول 2012 08:36:59 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=18474