رئيس جنوبي من قبيلة حاشد
عبد الملك المثيل
عبد الملك المثيل

منذ ما قبل ثورة الشباب ، والعديد من قادة السياسة في الوطن اليمني ، يتبنون رؤية رئاسية تتلخص في أن يكون رئيس البلاد بعد صالح من الجنوب ، لأن ذلك حسب إعتقادهم سيؤدي إلى تراجع وتلاشي شعار الإنفصال وفك الإرتباط ومن ثم بقاء الوحدة اليمنية القائمة بين شطري اليمن الواحد.

كنت في عدة مقالات أيضا قد تماشيت مع الفكرة وإن كان التماشي برؤية أعمق ، فرئيس من الجنوب لا يعني أي شيء إن لم يتم حل القضية الجنوبية ، وبناء دولة النظام والقانون ، ورئيس من الجنوب لن يقدم أي جديد ،حال أتى رئيس من هناك ، لا يمتلك من الإرادة والعزيمة ما يمكنه من تخطي واقع سياسي مليئ بالألغام والمتفجرات الأحمرية المنتشرة في كل ربوع اليمن.

كانت تلك الرؤية التصريحية إن جاز اللفظ ، بمثابة الحل السحري لقضية الجنوب عند البعض من سياسي القوى الحاكمة والمعارضة ، وتلك الرؤية للأسف قاصرة ومحشوة بالغباء السياسي المعقم ، لأن الشارع الجنوبي أذكى بكثير من تلك الألاعيب التي عفى عليها الزمن ، إلى جانب أنه ينظر ويعامل الكثير من الجنوبيين المنخرطين في السلطة والمعارضة بصورة تخوينية لا تحتمل النقاش.

أتذكر جيدا أن إسم نائب رئيس الجمهورية عبدربه منصور طرح كخيار من قبل البعض الذين نادوا صالح أيامها بتسليم السلطة لنائبه ، خاصة بعد إزدياد النقمة في الشارع اليمني ككل ، وهو أمر قوبل بالرفض من صالح وبالصمت من هادي ، الذي لم يكن يعلم أو يتخيل أنه بعد أشهر سيصبح فعلا رئيس الجمهورية اليمنية، إثر ثورة شبابية وشعبية فرضت على الجميع في الداخل والخارج خلع صالح وترئيس أول قائد جنوبي كرئيس لليمن الواحد ، بعد إنتخابات حفظت ماء الوجه لما يسمى الديمقراطية والدستور في آن واحد.

إذن...وصل اول رئيس جنوبي إلى السلطة وفي ظروف غاية في التعقيد والصعوبة ، ليجد نفسه وسط كماشة متعددة الأطراف ، أهمها كماشة حاشد المنقسمة على نفسها بين ثوار ومثور عليه ، والمصيبة أن الطرفين يمتلكان أوراق تقرير مصير الوطن ، وهو ما جعل الرئيس هادي الصاعد إلى كرسي إدارة البلاد بضمانات إقليمية ودولية يوجه وجهه نحو دول الضامنين ، مستعينا بها وبهم في تنفيذ قراراته وفرض رؤيته التي تتقيد بفعل تغلغل حاشد المرعب في أحشاء الوطن اليمني بأكمله.

أعتقد جازما ، أن الرئيس عبدربه منصور يفكر جيدا في المخلوع وأولاده وأقاربه وما يمتلكونه من تأثير وعلاقات ووسائل إعلام ، مثلما يفكر في علي محسن وحميد وصادق الأحمر وقادة الإصلاح ، ولهم أيضا علاقات وتأثير ووسائل إعلام ، وذلك التفكير الرئاسي يزداد لحظة رغبة الرئيس في إصدار قرارات معينة بها ومن خلالها سيتمكن من إستعادة وبناء الدولة حسب وعده بعد توليه السلطة.

لقد وجد الرئيس الجنوبي نفسه من قبيلة حاشد شاء أم أبى ، لأنه وبكل سهولة ويسر يفكر في رجالها بغض النظر عن مواقعهم مع أو ضد ، في كل مرة تستدعي السير إلى الأمام من أجل بناء الوطن وتصحيح الأوضاع ، في نفس الوقت الذي وجدت قبيلة حاشد رئيس الجمهورية منها ، لأنها حاضرة في خطواته ، وهو أمر تم إستغلاله من الضد والمعا بصورة ناجحة ، أدت إلى عرقلة القرارات المنتظرة من الرئيس وكذلك فرض أسماء معينة موالية للطرفين في تعييناته وقراراته ، لنجد أنفسنا كشعب رغم ثورة الشباب ، واقفين في منتصف الطريق بين مراكز القوى التي إزدادت شراسة ووحشية بفعل إنقسامها وسعي رجالها لإضعاف وإقصاء بعضهم البعض ، وكذلك قتل بعضهم البعض إن جاز اللفظ.

حاشد القبيلة خسرت كرسي الرئاسة ، لكنها لم تخسر السلطة ، وإن كان الرئيس من خارجها وجنوبي أيضا ، فنفوذها لا زال مستمرا ، وسيستمر فترة أخرى ، ليس لأن الرئيس عبدربه منصور وشباب الثورة يريدون ذلك ، بل لأن اللاعب الإقليمي المتحكم في الملف اليمني ( السعودية ) يريد ذلك أيضا ، لأنه لن يجد أفضل من المشجعين المعتمدين لديه لتنفيذ خططه ورغباته في اليمن .

وحدها الأيام أثبتت خرافة التصريح المطالب برئيس جنوبي من أجل الحفاظ على الوحدة ، فمع وصوله إلى السلطة وجد نفسه في موقع الساعي لإنتزاع السلطة من براثن من تقاسمها وتحكم فيها ووزعها هنا وهناك ، ولعل الأدهى من ذلك كله ، سعي ورغبة طرفي الصراع في حاشد ، السيطرة على الرئيس الجنوبي والتحكم فيه عن بعد أو قرب ، وجعله مجرد رئيس آلي يتحرك بريموت كنترول نصفه في يد والنصف الآخر في يد مختلفة ، ولهذا كان من المنطقي عدم إيمان أهل الجنوب وكذلك كل الوطنيين بتلك التصريحات والرغبات ، لأن الأرضية الرئاسية لا توفر للرئيس الجنوبي السير وفق ما تقتضيه مصلحة الوطن والشعب في الوقت الراهن ، بسبب سيطرة حاشد على مكامن القوة ورفضها القوي والناعم في آن واحد التنحي جانبا وترك البلاد لتتلقى فرصة الإصلاح من الخراب الذي نالته على أيادي من حكمها 33 سنة.

حاشد لن تتخلى عن السلطة لأنها تعتقد أنها الأحق بحكم اليمن ، وحتى لا يكون الرئيس الجنوبي من حاشد سواءا كان عبدربه منصور هادي أو رئيس قادم من الجنوب بعد 2014م ، يتوجب عليه تملك الإرادة والعزيمة والشجاعة ، والتفكير في مصلحة الوطن اليمني كاملا ، والمقتضية التضحية بمراكز القوى والفساد المانعة وجود الدولة ، عبر التسريع في إصدار قرارات الإقالة في حق كل من يعرقلون بناء الدولة ويثيرون ببقائهم المشاكل واحدة تلو الأخرى ، في نفس الوقت الذي يتم فيه تعيين كفاءات قيادية قوية قادرة على الإمساك بزمام الأمور في أي موقع كانت.

ختاما...لا بد أن يدرك الرئيس عبدربه منصور أن الناس ينتظرون منه أن يكون يمنيا أولا وأخيرا ، ولهذا يتوقعون منه عملا وطنيا به سيؤسس في مرحلته الإنتقالية طريق السير بالوطن نحو دولة النظام والقانون ، كما يجب على الرئيس الجنوبي القادم إدراك ذلك أيضا ، وعلى كل مراكز القوى والفساد أيضا أن تكف وتتوقف عن طمعها وأنانيتها ، وعليها أن تتعظ من خاتمة راعيها ومربيها الرسمي المخلوع علي عبدالله صالح ، وإن كانت اليوم بفعل الأحداث والوقائع تملك وسائل الحكم والتأثير ، فإنها في الغد ستكون في مكان أضعف وأوهن ، لأن عجلة التغيير ماضية إلى الأمام رغم المطبات والعراقيل الداخلية والخارجية التي تحاول عرقلتها أو إعادتها إلى الوراء..

aalmatheel@yahoo.com


في الإثنين 12 نوفمبر-تشرين الثاني 2012 04:27:43 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=17997