الحاجة ماسة لمنع اندلاع حرب شرق أوسطية
باتريك سيل
باتريك سيل

يواجه الشرق الأوسط راهناً خطراً محدقاً باندلاع حرب ستكون لها تداعيات لا يمكن التنبؤ بها، والتي يرجح أن تكون كارثية على دول وشعوب المنطقة. وثمة "حرب في الظل" تدور رحاها أصلاً -من جانب إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران، بواسطة ائتلاف من البلدان ضد سورية، وعبر القوى الكبرى ضد بعضها البعض. وباستطاعة مجرد اندلاع شرارة أن تشعل اللهيب. ويأتي التهديد بحرب ساخنة من ثلاثة اتجاهات رئيسية: الأول، من هوس إسرائيل غير المنقطع والذي يزداد هستيرية ضد إيران؛ والثاني، من طموحات أميركا الجيو-استراتيجية في الخليج الغني بالنفط، وتواطئها مع حملة إسرائيل المعادية لإيران؛ والثالث، من العداء الواضح والعلني لبعض الدول العربية السنية تجاه إيران -وتجاه الشيعة والعلويين عموماً.ومن الواضح أن هذه الدول العربية غير واعية لكونها تؤدي دوراً يصب لصالح الصقور الأميركيين والإسرائيليين، الذين يحلمون بإعادة تأطير المنطقة بغية إخضاعها لإرادتهم. وكان نفس هذا الطموح المحافظ الجديد قد دفع الولايات المتحدة إلى غزو وتدمير العراق بأمل إضعافه إلى الأبد.وتستند حمى الحرب الإسرائيلية الراهنة إلى ادعاء زائف بشكل مفضوح، مؤداه أن إيران تشكل "تهديداً وجودياً" للشعب اليهودي. ويا لها من نكتة! أن التهديد الوحيد الذي تشكله إيران هو ما يلي: لو كان بمقدورها تطوير السبل والمهارات لبناء سلاح ذري -من دون أن تقدم على ذلك فعلاً- فإنها ستمتلك بذلك قدرة ردع محدودة. وذلك يعني أن إسرائيل قد تتردد في مهاجمتها. كما ستحد حرية إسرائيل في مهاجمة جيرانها الآخرين -وهي حرية تتمتع بها منذ عقود، كما يمكن أن يشاهد من عديد حروبها وهجماتها على الفلسطينيين والعراق ولبنان وسورية.إن ما تريده إسرائيل هو التفوق العسكري الذي لا يجارى. وهذا هو أصل كل هذا الضجيج. إنها تريد الحرية التي تمكنها من ضرب إيران وأي بلد آخر يتجرأ على رفع رأسه من دون المخاطرة لأن تتعرض لضربة انتقامية. وهي لا تريد لأي دولة أو حركة في الشرق الأوسط أن تكون قادرة على حماية نفسها -ومن هنا تجد عداءها المر ضد حركات المقاومة مثل حزب الله وحماس اللذين استطاعا أن ينجوا من محاولات إسرائيل لتدميرهما ورفضا الخنوع.وفي الأثناء، يبذل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع أيهود باراك قصارى جهودهما، كما هو واضح، من أجل إسقاط النظام في طهران -وفي الحقيقة كل ما يدعى "محور المقاومة" المكون من إيران وسورية وحزب الله، والذي طالما كان في الأعوام الأخيرة هو الحاجز المعقول والموثوق أمام الطموحات الإسرائيلية والأميركية. لكن على العرب إدراك أن تدمير هذا الحاجز سيعني التخلي عن الفلسطينيين، وتركهم لمصيرهم المأساوي، ويعرض دول الخليج نفسها للضغوطات الإسرائيلية والأميركية، بل وربما لهجمات محتملة مستقبلاً.

ومن الطبيعي أن نرى إسرائيل وهي تفضل أن تتولى الولايات المتحدة إسقاط النظام الإيراني بنفسها -تماماً مثلما فعلت في إسقاط نظام صدام حسين في العراق. وقد يخضع نتنياهو لإغواء توجيه الضربة أولاً، وإنما فقط في حال كان متأكداً من أن الرئيس باراك أوباما سينضم إلى الهجوم، أو أنه سيجد نفسه مجبراً على الانضمام، نظراً لحاجته المزعومة لكسب الأصوات اليهودية في الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل. وفي الأثناء، نجد أن أوباما يريد على نحو يائس تجنب الانجرار إلى حرب أخرى. ومن أجل قطع الطريق على احتمال شن هجوم إسرائيلي، فرض على إيران، وفقاً للناطق بلسانه، "أشد وأقسى العقوبات التي تفرض على أي بلد على الإطلاق".ثمة حل للأزمة يكمن في أيدي القوتين الإقليميتين الرئيسيتين: العربية السعودية وإيران. وعلى الرغم من أنه ينظر إليهما في الغالب على أنهما ندان وخصمان، فإن باستطاعتهما أن تكونا شريكتين، نظراً لأنهما تتشاركان في مصلحة قوية في سلام وأمن الخليج. وثمة أمارات واعدة، لكنها صغيرة، على أنهما تحاولان الوصول إلى بعضهما بعضا. ومن المدهش أن قمة عدم الانحياز الأخيرة في طهران والمؤتمر الذي عقد في جدة لأعضاء منظمة التعاون الإسلامي توصلا تقريباً إلى نفس الاستنتاجات فيما يتعلق بالحرب الأهلية في سورية. وقد شدد الأعضاء في كلا الاجتماعين على الحاجة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار من أجل وقف سفك الدماء، على أن تتبعه مفاوضات سياسية وتشكيل حكومة وحدة وطنية. وثمة إشارة إيجابية، تمثلت في تواجد الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في قمة منظمة التعاون الإسلامي في جدة.وبقدر ما هي كارثية، كما هو حالها، تبقى الحرب الأهلية السورية عقدة ثانوية في صراع أوسع بكثير. وسواء ظل الأسد على رأس النظام في دمشق بشكل مؤقت، أو أقنع بترك المشهد، فإن ذلك أبعد ما يكون عن أن يكون الموضوع الرئيسي. ويبدو أن أولئك الذين يضغطون باتجاه الذهاب إلى الحرب غير معنيين بمن يحكم في دمشق. إنهم يريدون ببساطة إضعاف سورية، ومن المفضل لديهم تفكيك أوصالها وإعاقة حلفائها.وثمة موضوعات ذات أهمية عميقة للعرب أصبحت تواجه الآن خطراً محدقاً في هذا الاختبار الضاري للإرادات.

فهل سيتمكن النمط الراهن من الدول-الأمة العربية أن ينجو من الأزمة؟ أم أنه سيتشظى؟ وهل سيستطيع السنة والشيعة تعلم العيش بوئام وانسجام في ظل راية الإسلام، أم أنه مكتوب عليهما أن يقاتلا بعضهما بعضاً لآلاف الأعوام الأخرى؟ وهل من الممكن ضمان أمن الأقليات الوثنية والدينية، التي أسهمت في إغناء تنوع المنطقة طوال قرون؟ وما عساها أن تكون حصيلة الاستقلال العربي في حد ذاته؟إننا نشهد اليوم المرحلة الأحدث في النضال من أجل الاستقلال العربي. وكانت هذه العملية قد بدأت قبل قرن، عندما سعى العرب إلى التخلص من الحكم العثماني. ولكن، عندما انهارت الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، سقط العرب بدلاً من ذلك تحت هيمنة بريطانيا وفرنسا اللتين قسمتا العالم العربي بينهما. وعندما أجبرت هذه القوى الكولونيالية في نهاية المطاف على الخروج، واجه العرب تهديداً أكثر فتكاً، والذي تمثل في إسرائيل العدوانية والتوسعية.ولطالما ظل النفوذ الأميركي في المنطقة سائداً، وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق قبل عقد. واليوم، تتصارع الولايات المتحدة مع مشاكل اقتصادية ومع إرث حروب كارثية، فضلاً عن أنها تواجه التحديات من جانب قوى صاعدة جديدة. وقد لحق مزيد من الإعاقة بالولايات المتحدة، والذي تمثل في سماحها لإسرائيل بإملاء سياستها الشرق أوسطية. ويجب على العرب أن يبينوا أن حرباً إقليمية مدفوعة من جانب إسرائيل، إنما تنطوي على خطر تجريدهم من الاستقلال الفعلي والحقيقي الضئيل الذي استطاعوا أن يؤمنوه حتى الآن.فهل يمكن منع اندلاع الحرب؟ يعتبر الملك عبد الله بن عبد العزيز، ملك العربية السعودية، واحداً من أكثر القادة حكمة على المسرح الدولي. وهو ينطوي وحده على الثقل السياسي والموارد والنفوذ لدى كل من الولايات المتحدة والثوار المسلمين في سورية، واللازم لضبط هرولة المنطقة في اتجاه انحداري نحو الكارثة. ويبدو أنه موزع بين كراهيته المفهومة لبعض السياسات الإيرانية، وبين فهمه الفطري للحاجة إلى علاقات سعودية إيرانية أفضل. وبدورها، فإن عدة بلدان خليجية تبدو موزعة أيضاً بين خوفها من إيران مفعمة بالقوة، وبين فهمها لحقيقة أن أعضاء مجلس التعاون الخليجي يشتركون في العديد من المصالح التجارية والإستراتيجية مع الجمهورية الإسلامية.بدلاً من الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل في تدمير إيران وسورية، يجب على العربية السعودية وحليفاتها من الدول الخليجية الانضمام إلى إيران في بناء نظام أمني جديد للمنطقة، والذي يكون خالياً من أي تدخل خارجي. وإذا عملت هذه الأطراف مع بعضها بعضاً، فإنها ستستطيع تجنيب المنطقة كارثة الحرب. لكنه يجب عليها العمل في الحال، لأن الوقت آخذ في النفاد.

*كاتب بريطاني بارز يكتب في شؤون الشرق الأوسط.

* ترجمة: عبد الرحمن الحسيني


في الثلاثاء 23 أكتوبر-تشرين الأول 2012 04:11:22 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=17795