لماذا يطالب الإصلاح بالتغيير ولا يمارسه
أمين عبد الله الحامد
أمين عبد الله الحامد

لقد قاد الإصلاح مع أحزاب اللقاء المشترك عملية التغيير في اليمن وأطاحت برأس النظام الفاسد علي صالح متهمين له بالدكتاتورية والاستبداد وعدم القبول بالرأي الآخر والقيام بعملية الإقصاء لكل المخالفين وتقريب المنافقين والمتزلقين وتعيين غير الأكفاء ونِعْمَ ما قاموا به.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه:

لماذا يطالب الإصلاح بالتغيير ويسعى لذلك في كل مفاصل الدولة؟ في حين أنه لا يمارس عملية التغيير ولا حتى مقدماتها!

فلو نظرنا إلى قيادات الإصلاح لوجدنا أنه منذ زمن قديم والقيادة نفس القيادة وللأسف هي قيادة مصابة بالخمول والبرود وضعف الحركة وقلة النشاط, وألا جديد في أعمالها وفعالياتها وأنشطتها.

فلو نظرنا إلى القائد الأول الأستاذ محمد اليدومي لوجدنا أنه شخصية محنكة وذكية ولكن صراحة عفا عليها الزمن ولم تعد في عصر التغيير هي المناسبة, فاليدومي مارس كثيراً من الممارسات الجوهرية الخاطئة ليس عن تعمد ولكنه أسلوب قيادته فمنها: أنه أضعف العمل الدعوي والجماهيري للإصلاح, فقد كان الإصلاح قديماً يُعرف أفراده وقياداته بأنهم دعاة إلى الله تعالى, ويسعون لتعبيد الناس للخالق سبحانه, فكان الناس يلتفون من حولهم وكانت المساجد تمتلئ بالمحاضرات لقيادات الإصلاح وقواعده, واليوم نتحدى أن تجد قائداً واحداً يلقي محاضرة في مسجد خلا بعض الأفراد, فاليدومي أصيب بالملل والتعب وقد كبرت سنه, والأصل به أن يبحث له عن مكان يعبد الله فيه, ويفسح المجال لأصحاب الهمم العالية ممن لديهم نشاط قوي وروح عالية في خدمة المجتمع وتوعيته التوعية الإسلامية, لأن اليدومي ولد من رحم المخابرات والسرية في العمل فقد أثر سلباً في مسيرة العمل الإسلامي في اليمن وجعل جُل عمل الإصلاح وقياداته أشبه ما يكون بالعمل المخابراتي السري فقط, ونسوا أن عملهم الأول هو الدعوة إلى الله تعالى, فتجد معظم القيادة الفروعية ليس لها عمل دعوي لا في المساجد ولا في غيرها, وبعضهم لا يعرف جيرانهم أنه في الإصلاح فضلاً عن غيرهم, فيكتفون بالعمل السري والذي انتهى وقته وأصبحت الساحة مفتوحة لكل من أراد أن يعمل بلا مكدرات ولا ضغوط.

أضف إلى ذلك فقد أثرت سياسته على تقريب من يوافق أفكاره وأطروحاته ومن لا تكاد تجد له رأياً مخالفاً فقرب الهادئين المساكين أمثال الأستاذ عبد الوهاب الآنسي وجعلهم البارزين في كل المحافل ولا ندري ما هي الكفاءات التي يحملونها غير الأمانة فقط, وهناك الرجال الأقوياء الأمناء الذين يعمل لهم الخصوم ألف حساب, وأثرت سياسته حتى على إسكات أصحاب الآراء الحرة والذين لهم طموحات في تطوير العمل الإسلامي, فلا ترقية إلا لمن لا يخالف الرأي ولا ترقية إلا لمن يقول حاضر تمام, وهذا عين الاستبداد الذي مارسه صالح, فيصعد رئيس فرع مثلاً, ممن لا ينتقد ويبدي الموافقة على كل شيء سواء كان صاحب كفاءة أو لا كفاءة له.

ولو نظرنا إلى قيادات المحافظات لوجدنا منذ سنوات أنهم نفس السابقين وإن ظهرت لهم أخطاء فادحة فلا قدرة لأحد على التغيير ولا مجال لذلك ما دام الاستبداد يمارس من أعلى سلطة.

والله تعالى يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ)

ويقول أيضاً (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُون)

ويضاف إلى ذلك استبداد الأفكار فلا يعتبر أحد داخل التنظيم مخلصاً إلا إذا كان يقتنع بما تتخذه القيادة من قرارات دون نقد أو تصويب, فهم أعرف وأعلم بالواقع من القواعد حسب ما تتحجج به القيادة دائماً, وإلا فسيوضع تحته دائرة حمراء وسيتطور الأمر إلى همزهِ ولمزهِ, وهذا لعمري لا يمت إلى الإسلام بصلة.

وبطول الأمد أيضاً لهذه القيادة استطاعت المحافظة على أعلى سلطة وهي المؤتمر العام فأعضاء المؤتمر هم أنفسهم الأولون لا يتغيرون إلا في النادر فاختيارهم لا يتم عن برامج ولا أهداف ولا مطالب ولا تطلعات ولا يحملون مشاريع التغيير, فليس لهم إلا وظيفة واحدة هي الموافقة على ما يمليه عليهم اليدومي فقط, فتصرف الأموال وتهدر الأوقات على روتين صوري يتمثل في الحضور فقط ثم رفع الأيدي, بل لا يتكلم في هذا المؤتمر إلا القيادات أما الأفراد الآخرين فلا يستطيعون ولا وقت لهم!! رغم أن القيادات يلتقون فيما بينهم بشكل متواصل ودوري على مدار العام, والأصل أن يُمنعوا من الكلام فلا يتكلم إلا الأفراد حتى يسمع القادة مطالب الأفراد وانتقاداتهم, لكن هكذا يعمل الاستبداد في الأحزاب والأنظمة الدكتاتورية.

ومن أخطاء هذه القيادة أنها إذا مارست عمل أو اتجهت إلى نشاط معين تترك بقية الأعمال الأخرى, فمثلاً جاءت الثورة فترك العمل الدعوي والتنظيمي والتربوي بحجة التفرغ للعمل الثوري, فأصبح الناس الذين يستقيلون من الحزب الحاكم في فراغ فكري يبحثون عن مكان يسدون به هذا الفراغ, فجاء أصحاب التيارات الأخرى كالحوثي فملأه وسده بقوة, والإصلاح لم يستيقظ إلا بعد أكثر من عام وقد بلغ السيل الزبى, وكان بالإمكان أن يعمل كل في مجالاته مع توجيهها لصالح الثورة, والحركة واسعة وقادرة على ملأ كل الفراغات فإذا كانت القيادة غير قادرة على ذلك فلتفسح المجال للكوادر المكبتة والمقيدة, فربما عندهم من القدرة ما ليس عند القيادة الحالية.

ومن الأخطاء الفادحة تكرار الوقوع في الأخطاء مرة تلو مرة فعندما يحدث خطأ معين فالأصل الاستفادة منه لمرة أخرى كالممارسات العسكرية أثناء الثورة فلا تجد شخصأ شارك فيها أيام الثورة إلا ويشكو من سوء إدارتها وضعفها وترك الأفراد بدون إمدادات ولا تواصل ولا تخطيط وتسبب ذلك في سقوط دماء كثيرة والسبب هو ضعف قيادة الإصلاح.

وكذلك ضحك علي عبد الله صالح عليهم مرات كثيرة ولم يحذروا منه وظلوا معه وكأنهم لم يعرفوا حقيقته إلا حين انتفض الشباب عليه.

ومن الأخطاء ضعف الرقابة على الجانب المالي فالقيادة تتعامل مع قياداتها الفروعية بالثقة وحسن الظن حسب زعمها وهي لا تعلم أن المال يطغي ويصم إن لم يوجد رقيب وحسيب مباشر, فكم من القيادات عملوا في مناصب معينة داخل وخارج الإصلاح, وفيها المال الكثير فارتفعت وصارت غنية جداً دون أن تجد محاسبة أو مراقبة إن لم تجد مكافئة, فالقيادة لا تهتم بهذا الجانب ولا ندري لماذا وهو الأصل فالمال عصب الحياة وهو محط التجارب ومقياسها.

ومن الأخطاء التي وقعت فيه هذه القيادة هو أنه لا مكانة في الإصلاح للمخلصين الأتقياء الذين تستطيع أن تقول أنهم آثروا الآخرة على الدنيا فلا عمل لديهم ولا مكانة لهم ولا مناصب يعطونها في الإصلاح, فهم أشبه ما يكونون بالمهمشين, فالمكانة هي للمنفتحين على كل المصاريع والمقصرين في جوانب كثيرة من العبادات, فهم أهل لكل شيء عند القيادة بعكس السابقين, وأثر هذا سلباً على كثير من الأفراد في التزامهم وسلوكهم فأصبحوا ينتقصون من هؤلاء المخلصين وصاروا يذمون العلماء والواعظين الدعاة ونسوا أنهم في حركة إسلامية.

ومن أكبر الأخطاء عدم دراسة القرارات بعد تطبيقها وهل لها سلبيات أو إيجابيات وعدم دراسة العمل ومحاولة تطويره وكيفية ذلك وما هي الوسائل فلا تطوير ولا تحسين, فأصيب الكثير من الأفراد بالخمول والملل وألا جديد, والسبب هو الروتين الممل الذي سارت عليه هذه القيادة والعجيب أنها لا تشعر بممل الأفراد.

ومن الأخطاء كذلك المنهج التربوي منهج مكرر في أكثر المستويات ونفس المقرر يدرسه الطبيب والمهندس والعالم والجاهل والطالب مقرر واحد فلا تفريق ولا تغيير والأصل أن يعطى كل متخصص بما يناسبه وما يهمه ولا ما نع من أشياء مشتركة وكذلك لا بد من تطوير المنهج وكلما مضت مدة على الفرد ازداد ترقية في المنهج والفكر وازداد علماً.

إذا فهذه بعض الأخطاء الجوهرية والمؤثرة في مسيرة العمل الإسلامي للحركة الإسلامية في اليمن والحل الوحيد لمعالجتها هو التغيير الذي خرج الناس ينشدونه في كل مكان فهو الوسيلة الوحيدة حين يمل الأفراد من قادتهم, وهو الوسيلة الوحيدة حين تكثر الأخطاء في عمل ما, وهو الوسيلة الوحيدة حين يعجز القادة أنفسهم عن تداركها, ولا يعني إطلاقاً أن التغيير هو الطعن في هذه القيادة بل هو لتحسين العمل وتطويره وهذه القيادة نحسبها ولا نزكيها على الله أنها مخلصة ومضحية وقد قدمت ما بوسعها ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها, ولكن نقول لهم إفسحوا المجال لغيركم علهم يأتون بما عجزتم عن الإتيان به ويسدون الفجوات التي عجزتم عن سدادها.

فهل ياترى ستوافق قيادة الإصلاح على عملية التغيير أم أنها كالنظام السابق لا زالت تعتقد أنه لا قدرة لأحد في القيادة إلا هي!! وأن الله لم يخلق قادة محنكين وحكماء غيرهم!! وأنهم أهل الخبرة والحنكة والذكاء, ونقول لهم كما قال الله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [الرعد : 11].

 
في الأربعاء 03 أكتوبر-تشرين الأول 2012 02:41:06 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=17549