بيدي القاضي حمود الهتار .. مراجعات محب ومعاتب
كاتب/مهدي الهجر
كاتب/مهدي الهجر

قبل الربيع العربي كنت أحس بغصة تعتمل وتعكّر عليَ أريحيتي إن جاءت الفضائية اليمنية بمشهد يظهر فيه القاضي حمود الهتّار أثناء مناسبة أو فعالية قريبا من صالح بما يشبه التواد .

كنت أقول أنّى لهذا الكيّس الفطن ، العاقل المتزن ، البين الفصيح والتي تظهر عليه سيماء الصالحين أن يقبل بجوار لصالح على تلك الصورة الاقرب الى الحميمية في فترة أوجبت على مثله هجره والشدّة عليه أثناء النصيحة بعد أن كشفت السنون والاحداث أن صالح قد بريء من كل قيمة خير ونقطة عافية تجاه البلاد والعباد ، وبعد أن استنفذ الفضلاء مجالات ووسائل فقولا له قولا لينا .

لكني كنت أعلِّق الخير على القاضي الهتَّار حفظه الله وأمد في عمره وأنا أرى الفضل ينداح منه في كثير من المواطن ، فأصفع ظني وأوبخ الأمارة بالسوء بين جوانحي .بــ مهلا يا أحيمق فللرجل حسنات ، وهو من أولي الفضل والمكارم ، وهذا النفر يُغض عنهم في مواطن ، ويُشفع لهم عندما لا يشفع لغيرهم ، ولعل له عذرا بعد السبعين ،والماء إذا بلغ القلتين لا يحمل الخبث ، أما هو فأشبه بنهر ، فلربما اراد حسب اجتهاده وطريقته أن يصلح ..ووو ...

حتى جاءت جمعة الكرامة ، فكشفت المستور ، وأظهرت الصحيح والسقيم ، والبر والفاجر ، والناس فريقين ، المحايد بينهما مرفوض وهو في المحصلة شريك ومكانته تماما كمكانة القائل لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم ..

هنا وعند هذه الحالة الحادة والحرجة والمفصلية ... جاء من أقصى المدينة الهتّار ليس بــ يا قومي يتودد الطاغية وملأه الأعلى ، وإنما ليرفع الساعد ويعلن انضمامه لثورة التغيير ثم يحتضن بين ذراعيه الشباب ويضمهم الى صدره بحنان الاب الثائر والمشفق ..

كم كان مرآه يثلج صدورنا ويملأ قلوبنا ثقة بانتصار ثورتنا وبصوابيه مسلكها ما دامت بمعية الله اولا ثم حداتها من هذا النفر .

لم يكن الهتّار كمن اعلنوا تأييدهم لثورة الشباب ثم انكفئوا على حالهم في موقف سلبي ضامر ، بل سار رجلا بموقفه وفارسا لا يشق له غبار ، يُرابط في الساحات ويؤمها جمعا وجماعات ، يخطب ويحاضر، ويحاور ويناظر في الفضائيات ، فيجوب المحافظات ، ويطوف البلدان والاقاليم بحثا عن دعم ونصرة لثورة التغيير في اليمن .

كنت اقول لمن حولي وأنا ارصد حركة الرجل أما هذا فقد صدق الله ما عاهده وعاهد شعبه عليه ، فقام ووفى .

وكنت اثناء ذلك احسني حزينا وبي شيء من خشوع وتأثر وأنا ارى آثار شفقة وحنان الهتار على شباب الثورة المرابطين في الساحات ، وفي ثغرات الوطن المختلفة ، كأني به يومها حسب مرآه يقول : أف لنا وأف إن تركناكم لوحدكم ، ولقد أشبهته في نقاش مع صحبي بسهيل بن عمر رحمه الله في أكثر من حال وتحديدا في مشهده الاخير عندما تمعّرت وجوه بعض سادات قريش ....عن الحسن قال:: (( حضر الناس باب عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفيهم سهيل بن عمرو وأبو سفيان بن الحارث وأولئك الشيوخ فخرج إذنه فجعل يأذن لصهيب وبلال وأهل بدر وكان يحبهم وكان قد أوصى بهم فقال أبو سفيان ما رأيت كاليوم إنه ليؤذن لهؤلاء العبيد ونحن جلوس لا يلتفت إلينا فقال سهيل : قال الحسن ويا له من رجل ما كان أعقله أيها القوم قد أرى الذي في وجوهكم فإن كنتم غضابا فاغضبوا على أنفسكم دعي القوم ودعيتم فأسرعوا وأبطأتم أما والله لما سبقوكم به من الفضل أشد عليكم فوتا من بابكم هذا الذي تتنافسون عليه أيها القوم إن هؤلاء قد سبقوكم بما ترون ولا سبيل لكم إلى ما سبقوكم إليه فانظروا هذا الجهاد فالزموه عسى أن يرزقكم الله الشهادة ثم نفض ثوبه فقام فلحق بالشام وخرج بأهله إلا بنته هندا فماتوا كلهم إلا هندا وفاختة بنت عتبة بن سهيل وقتل سهيل شهيدا باليرموك فقدم بفاختة على عمر وكان الحارث بن هشام خرج بأهله فلم يرجع منهم إلا ولده عبدالرحمن فقال عمر زوجوا الشريد الشريدة وأقطعهما عمر بالمدينة خطة وأوسع لهما فقيل له أكثرت لهما فقال عسى الله أن ينشر منهما ولدا كثيرا رجالا ونساء فولد لهما أبو بكر وعمر وعثمان وعكرمة وخالد ومخلد فأبو بكر أحد الفقهاء السبعة فقهاء المدينة وكان يدعى راهب قريش)

*******

غير أن القاضي حمود أصابني وغيري بدهشة أثناء لقاء له مع قناة اليمن اليوم طرحت عليه المذيعة عقرب عددا من الاسئلة كأنها قد أُعدت على عين خبيثة وماكرة حصلت منها على متفرق إجابات إن جمعت على بعضها وأعيد قراءتها فإنها تشكل ما يشبه الموقف .

اتذكر منها ..

ــ هجوم الهتّار الشديد على حكومة الوفاق والمعني أكثر وبطبيعة الحال الشق الحكومي الموالي للثورة ، حتى لكأن الهتاّر لم ير خيرا قط في هذه الحكومة أو بقية عافية ترتجى ، بل ولكأن المذيعة عقرب أخذت من القاضي من الاجابات ما تريد هي لتبني من خلالها ومن غيرها قناعات لدى الوعي العام أن ما هو كائن أسوء بكثير من الذي تزعمه الثورة كان وصولا الى تراتيل الشعب بـــ يرحم الله عهد الزعيم .

ــ الهتّار يرى ان الخدمات الكلية لحكومة الوفاق أقل منها في عهد صالح كالكهرباء وغيرها وأن أداء حكومة باسندوة جملة لا يسر سواء في معدلات النمو والتنمية وغيرها ، وأن الاطراف كلها تتحمل مسؤولية إعاقة المبادرة .

والحق أن التراجع حاصل ، والنمو ثابت وربما في بعض الحالات عكسي ، وظاهرة النقد صحية ومطلوبة ، لكن بشقي المعادلة ،الحسنات والسيئات ، وعلى ضوء قراءة البيئة الحاملة .

وأسأل القاضي الهتار حفظه الله وبارك في عمره وبنفس الروح التي ابتدأت بها الموضوع .

ــ ألم تأت حكومة الوفاق على مخاض عسر ، ومن بين فرث ودم ، وعلى قاعدة ما خُير رسول الله بين أمرين إلا اختار ايسرهما ، وعلى موازنات المصلحة والمفسدة ، ثم طرحت على مسارات كلها حقول الغام تتجدد كل يوم ؟

 

ــ من الذي رفض قرارات الرئيس هادي على المستويين العسكري والمدني ، فلا يجد بعضها مكانه الا بعد حين من المفاوضات والضغوطات الدولية ؟

من الذي نهب مخازن المؤسسة العسكرية الخفيف والثقيل حتى قيل ان ما نسبته الـ 90% من بعض المخازن قد نُهب ؟

ــ من الذي اعتدى على وزارتي الداخلية والدفاع وغيرها من المؤسسات ؟

ــ لماذا لم تنشط القاعدة والحراك الانفصالي والحوثيون وعصابات الطرق الا مع مجيء هادي وحكومته ؟

ــ أنّى للاقتصاد أن يتعافى والنمو أن يرتفع إن كانت حكومة الوفاق تأتي بمليون دولار مساعدات في الوقت الذي يأتي فيه البلاطجة على تدمير ما قيمته مائة مليون دولار في البنية التحتية تماما وبالتوازي ، فضلا عن ما تجره الصورة التي يرسمها البلاطجة في المشهد على الاستثمارات والدعم الدولي ؟

ــ ومن الذي لعب ولا زال بورقتي القاعدة والحوثيين ، وورقة الانفصال ، والشواهد حاصلة ؟

كيف يُلام الدكتور سميع مثلا على تباطؤ خدمة الكهرباء والاعتداءات تترى بمعدل مرة في الاسبوع على ابراج الكهرباء ؟

أجد من الصعوبة بمكان توجيه اللوم لوزير ما ضمن هذا الفريق وهو يصبح على تهديد ويمسي على محاولة اغتيال ومفخخات .

بعض الوزراء تعرض لعدد من محاولات الاغتيال فقد خلالها مرافقيه ومقربيه ، والعملية مستمرة في تخطيط مستمر ايضا ، بوسائل غير تقليدية ، وبإخراج مختلف تماما عن ما يجري في المحيط العربي .

بعض الوزراء حالوا بينهم وبين دخول مساكنهم كحال الوزيرة مشهور ..

ومع ذلك فقد حققت حكومة الوفاق منجزات عظيمة أعظم ما فيها أنها استراتيجية مفصلية تتجه للمداميك والاساس ، وهذه بطبيعتها لا تُرى ، فضلا عن تحقيق نجاحات كبيرة في المجال العادي .

هذه النجاحات لو جاءت على بيئة طبيعية لظهرت معالمها ،وأعلنت عن نسب مرتفعة .

ويبقى في تقديري أهم نجاح حققته حكومة الوفاق ويكفيها في ظل هذه الظروف أنها أغلقت انابيب الفساد وأبقت على الاستقرار الحالي فلم يحصل ثمة تراجع رغم كل الثقوب التي يحدثها المخلوع .

  

وأحزنني أكثر عندما سئل الهتار حفظه الله (لماذا لم يتم تعينكم في حكومة التوافق من طرف المشترك أو الرئيس ؟) فكان جوابه يُسأل بذلك الرئيس ثم اردف أنهم يخشون من الاقوياء ، وفي السياق أنه ليس لديه مانع في ان يطمح برئاسة الجمهورية .

وليت جوابه كان أبعد ويتجه للقضية الأم على نحو من ..أن الأمر وكل هذه الجلبة ليست للمتغير الشخصي البتة ، إنما لأمر أكبر وهو الوطن ، ومن حضر فقد كفى وفيه الخير ، وإنّا من قوم نفر منها و لا نسألها كي لا نُلّقاها بحولنا ويكلنا الله الى انفسنا ، أما إن جاءت تمشي رغم عنا جراء ظن حسن للكرام غالبناها وفاعلناها على معية من الله ورجاء .

ــ دعا القاضي الهتار في نهاية اللقاء كل الاعلام في الساحة أن يكف عن المنابزة وعن الخطاب الذي يؤجج وهذه كلمة حق مخلصٌ وصادقٌ فيها الرجل يريد منها المخلوع وفلوله باطلا ، وأن ينسى الناس شخص نيرون فيه الى الزعيم المؤسس والباني الملهم.

وهذه المفردة هي ما يدندن حولها المخلوع وفلوله ، ان تموت الثورة كواقع وكثقافة ومعرفة ومسيرة وتاريخ من وعي الناس اليوم ولا تُلقاها الناشئة غدا .

أن ننسى جمعة الكرامة ، ومذبحة عصر ، ومجزرة القاع ، وجولة النصر ، ومحرقة تعز .

أن ننسى ثلاث وثلاثون عجافا وفقرا وتجهيلا وفجورا وموتا جماعي ..

هذا يعني أن لا نتكلم عن ثورة 26 سبتمبر والعهد البائد حتى لا نستفز الاخوة الحوثين والجوار الاقليمي .

هذا يعني ان لا نتكلم عن الاستعمار البريطاني للشطر الجنوبي سابقا كي لا نوتر العلاقة مع الغرب عموما .

أما مقارنته بين صالح وهادي ففي ظني أنها كانت خطأ كبيرا مع تقديري للقاضي ووجهة نظره .

فوصف صالح بأن صدره رحب وأوسع ويتحمل النقد اكثر من هادي الذي يضيق لا يستقيم مع سلوك صالح على الارض المتناقض تماما .

فالأمر لا يعدو عند صالح الخداع والمكر للالتفاف على الشعب ونهب موارده تماما كحال الثعلب الذي تنسك عند شوقي ووجه الدعوة للديك ليؤذن لصلاة الفجر .

سلام الله على القاضي الهتّار ..أنعم به ثائرا ومناضلا وجسورا ، وواحدا من أعلام اليمن اليوم .

أمنية :

ليتهم يعلنون مقاطعة قناة اليوم ، فلا يليق بحر بعد اليوم أن يطبع لصالح .


في السبت 29 سبتمبر-أيلول 2012 10:20:11 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=17510