مواطنون في بلد التنهدات
طارق عثمان
طارق عثمان

مأرب برس - خاص

بين السجن وقصر الدوق يمتد هذا الجسر المسمى جسر التنهدات فوق قناة مائية من قنوات مدينة فينيسيا(البندقية).

الأمتار الفاصلة بين السجن والقصر الذي تعقد المحاكمات فيه مسافة قصيرة ولكنها في شريط ذكريات العابرين عليه من السجناء والموقوفين تعتبر طويلة جدا تختزل فيها السنين بلقطات سريعة تخرج مع تنهداتهم التي اعطت للجسر اسمه وخلدته منذ تشييده في 1597.

ارتسم في ذهني صورة هؤلاء العابرين المشدوهين الزائغي النظرات ذوي الأنفاس الحرى والتنهدات الحزينة والخطوات المتأرجحة والرؤوس المشدودة الى الأرض ... ارتسم في ذهني كل هذا وانا اقرأ قضية المواطن محمد سعيد المرقشي .... والذي مرت عليه اكثر من الف يوم وليلة تنهداته مبثوثة على طول الوطن وعرضه وهو يقطع المسافات يحمل حكما مزورا باعدامه رغم ان القاضي الذي زور الحكم اعفي من مهامه بسبب قضية التزوير هذه لكن بقي الحكم دون ان يبطله احد وبقي المرقشي ينتظر من يشد الحبل الملفوف على رقبته بعد ان طرق ابواب النائب العام ومجلس القضاء الاعلى دون جدوى ...هل السبب هو المساومة ام اللامبالاة ... فاذا كانت الاولى فهي مشكلة ان يساوم الانسان على حياته من قبل حماته وان كانت الثانية فتلك مصيبة ان تصبح ارواح البشر رخيصة الى درجة لا تعني لنا شيئا .

قضية المرقشي ليست الا نموذجا في وطن التنهدات فعشرات غيره دخلوا السجن يمشون على رجلين وخرج بعضهم يمشي على اربع ومنهم من يمشي على بطنه يعبرون السجن الى البيت وسط اجواء التنهدات التي يطلقها ذووهم اسفا على ما آلوا اليه.

وطن التنهدات هذا لا يخلو شبر منه الا وقد شهد تنهيده لمظلوم او مكلوم او محروم او محبط او يائس .

آلاف من المواطنين الذين يعبرون المسافات بين الدوائر الحكومية وهم يبثون تنهداتهم كلما نظروا الى اوراقهم وقد مهرت بتوقيع وطلب منهم غيره وزادت معاملاتهم تعقيدا ....

الاف العابرين للمسافة بين بوابة الطائرات التي تهبط بهم مطار صنعاء وبين وسط المدينه وهم ينظرون حالة وطن غابوا عنه كثيرا وعادوا يحملون اطنان من الاشواق واللوعة والحنين فيدفعون عليها جمارك ورسوم سوء معاملة وابتزاز ولا يعفون ايضا من رسوم جمارك عن المتاع الذي عادوا به ... يسرق هواء صنعاء البارد تنهيداتهم الحارة وهم يشاهدون بلدهم الذي افتقدوه كثيرا وهو يسير الى الخلف عكس ما تسير عليه الدنيا ....

العابرون بين القصور الفارهة وبيوت الطين يطلقون تنهيداتهم وهم يرون كل يوم ثري يضاف الى قائمة المترفين بغير حق والاف الفقراء ينظمون الى القائمة المقابلة بغير ذنب ...

تنهدات فتيات بعمر الورد ونسوة بعمر الشيخوخة تتناثر حين يسمعن ان على هذه الارض من يصلهن الماء الى بيوتهن بالمواسير واما هن فيقطعن المسافات الطوال صعودا ونزولا بين اودية وروابي وكثبان يبحثن عما يبل العطش فيحملنه كالعيس الى المنازل المتلهفه ...

تنهدات مريض اعياه التعب عندما يسمع ان ثمن العملية قد تكلفه كل ما يملك ولا مورد له لينفق على من يعول ولا تأمين صحي يتكفل بعلاجه تضاف الى تنهدات هذا الوطن ...

تنهيدات موظف حكومي يقبض راتبه ويتصرف به كساعي بريد فيقوم بإيصاله الى دائنيه بعد ساعات ...

تنهدات العابرين للحدود مطرودين من دول الجوار او مطاردين وقد تعرض بعضهم لكل انواع المذلة ليعود خالي الوفاض كما خرجوا من اليمن يعودون ...

انه وطن التنهدات الذي يجب ان يأخذ التسمية عن استحقاق ولا يمكن ان أطيل اكثر في بسط أسباب أحقيته فقد وصلت الى نقطة غالبتني تنهيدتي فآه يايمن ولك الله يامرقشي.


في الخميس 10 مايو 2007 04:00:54 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=1728