علمانية تركيا أم عثمانيتها
بكر احمد
بكر احمد

مأرب برس - خاص

في مظاهرة كبيرة ضمت مئات الآلاف خرج الأتراك إلى الشوارع منتفضين خوفا على ما يرونه أفضل ما استطاعوا إنجازه منذ سقوط الخلافة العثمانية ، وربما هم الأتراك من أكثر الشعوب معرفة بما تؤل أليه الأنظمة الدينية وذلك لأنهم ظلوا تحت حكمها لقرون طويلة يحكمهم سلاطين باسم الله ويتوارثون الحكم فيما بينهم ولم يفلحوا رغم مدة الحكم الطويلة في عمل أي تطور علمي أو ثقافي ولم يتمكنوا من مجاراة الثورة الصناعية السائدة آنذاك وكل ما أنجزوه هو توسعة بيت الحريم ليتسع لنساء أكثر مما ملكت إيمانهم.

في اعتقادي أن الشعب التركي قد حسم أمره منذ زمن طويل وصار يعلم جيدا ما هو الفرق بين أن تكون مسلما وبين أن تسيس الإسلام بين أن يكون المجتمع كله متدين وبين أن يتم احتكار التدين لفئة محددة هي من تخبر الآخرين عن كيفية الصلاة حسب فهمها وهي من تحدد المسلم وغير المسلم ، ويعرف الشعب التركي قبل كل ذلك أن وضع وساطة بينه وبين الله أمر لا يمكن السماح بعودته من جديد لذا خرج بتلك المظاهرة لينقذ ما يمكن إنقاذه .

من ضمن المفاهيم السائدة لدى الشعوب العربية هي الانتصار فعلا لكل من يرفع شعارا دينيا دون الخوض كثيرا في تفاصيل هذا الشعار أو مناقشته والاقتراب منه لأن ذلك يعتبر في الوعي الجمعي ضمن المحرمات المقدسة التي قد تودي بصاحبها إلى جهنم وأصحاب هذا الشعار الديني ليس من مصلحتهم تشجيع العامة بطرح الأسئلة حول ما يحملونه من أفكار بل يذهبون إلى أكثر من ذلك نحو تكريس المقدس حول برامجهم وشعاراتهم السياسية ليمنعوا الجدل ويتفردوا دون باقي التنظيمات الحزبية عن المراجعة أو طرح الأسئلة ، وهذه الأمور تجعل من تلك الأحزاب شعبية عارمة كونها تسطوا أولا على العقل وتجمده عند حدود معينة لا يسمح بتجاوزها ولأنها ثانيا تبيع الوهم ببذخ كبير للبسطاء الذين يعتقدون بأن هذه الجماعات الدينية تملك أن تمنحها السعادة في الدنيا وفي الآخرة أيضا .

في واقع الحال أن المتتبع لأمثلة بسيطة قامت على أسس دينية سيجد أنها تحمل في أعمق طياتها ثقافة قشورية تتوقف على لون حجاب المرأة والفصل بين الجنسين وإشاعة مفهوم عدم الخروج عن ولي الأمر ، وأيضا المتتبع لمثل هذه الأمثلة التي عاصرناها سواء في إيران أو السعودية أو السودان أو دولة طالبان لا نستطيع إطلاقا أن نقول بأن ما يطبق هو الدين الإسلامي بأتساعه وأمميته وشموليته ، بل نرى أن الدول تلك تقوم على أسس مذهبية أضيق ما تكون هي عليه وتنظر إلى الآخر دوما _ سواء كان هذا الآخر مذهبا إسلاميا أو حزبا سياسيا _ من منظار الريبة والشك والتخوين ( التكفير ) مهما كان هذا المذهب الذي سيحكم متسامحا ، فالدولة السنية في السعودية ليست أفضل حال من الدولة الشيعية في إيران وكلاهما يمارس إقصاء واضح نحو المذهب الآخر ، إلا أن أسوء النماذج أخلاقيا وفكريا وسياسيا هو ما نراه يحدث الآن في العراق وبعد أن تصدر المشهد تلك العمائم السوداء صار أوضح ما يكون أمامنا ماذا يعني أن يحكم البلاد رجال دين لنرى بالعين المجردة أبشع أنواع الشحن التاريخي يتحرك أمامنا والذي لم يوفر طفلا أو شيخا أو مدرسة والذي كلما مارس هذه البدائية الغير إنسانية كلما أزداد زهوا وفرحا بتقربه من الله ومن آل بيت النبي ، بل أننا نرى ممارسات ضد مريدين هذا المذهب حيث أنه يهدد أتباعه بدخول جهنم ما لم يصوتوا له في الانتخابات وهذا ما حدث بالضبط في القرون الوسطى وهيمنة الأكليروس على الحياة في أوروبا المسيحية لتعود العراق بعد أن مضت قدما نحو المدنية مئات السنين إلى الخلف بفضل تلك العمائم التي لا تعيش حاضرها ولا تشعر بأي ولاء نحو وطنها.

التجارب الفاشلة والمؤلمة كثيرة للأحزاب السياسية التي تستغل الدين ، وليس فيها ما يغري حتى ندعي أن نمنحها فرصة للحكم ليعرفها الشعب على حقيقتها، فتلك مجازفة أولا وتجريب المجرب ثانيا هو أمر لا ينم على حصافة فكرية والأهم من ذلك أن تلك الجماعات تعتقد بأنها تمتلك الحقيقة مستندة بذلك على نصوص دينية وأنها وفي حال تمكنها من الحكم فمن السهل أن يتم تغير كل شيء وبما يتوأم مع ما تعتقده هي لتلغي بذلك كل ما يمت للعصر بصلة بحجة أنها تخالف الشرائع السماوية التي هي مكلفة بتنفيذها على الأرض وقد يكون من الصعب عليها تسليم الحكم إلى جهات أخرى لأن تلك الجهات في نظرها قد لا تطبق ما أمر الله به .

الأتراك يعرفون كل هذا، لذا خرجوا إلى الشوارع ليمنعوا وصول الجماعات الدينية إلى حكمهم وهم الأكثر معرفة بأن مثل هذه الأمور ستؤثر مباشرة على حياتهم الشخصية وعلى حرياتهم بدون أي نتائج إيجابية ملموسة ، ثم أن هذه الأحزاب لا تملك شيء مختلف غير مراقبة تصرفات الناس وخلق جيل ذات أنماط متشابهة واحتكار التعليم تحت مسمى تأهيل الدعاة ليكونوا أحدى لبنات الدعوة السياسية الدينية لهم ، ويعلموا أيضا أن الدخول إلي هذا النفق قد يصادر التعددية وحرية التعبير وحقوق المرأة عبورا بالفن والثقافة وكلها هواجس مشروعة خاصة انه ولا حزب ديني حكم أو مازال معارضا قدم أدلة عملية وممارسات فعلية تغير هذه المفاهيم .الأتراك أمام محك خطير قد يهدد كيانهم من جديد أن أستطاع الإسلاميون الهيمنة على رئاسة دولتهم .

لكن هذا لا يعني أن علمانية تركيا مكتملة، فمادام هنالك عسكر يقفون خلف مبدأ مدني فبتأكيد هنالك ثمة خلل يجب معالجته ، وأيضا نعلم أن العلمانية مثلها مثل أي فكر آخر قابل للاعتدال وقابلة للتطرف ،ونخشى أن علمانية تركيا هي من النوع الآخر الذي يمنع بالقوة مثلما يفعل الإسلاميون عندما يجبرون بالقوة ، فأنا لا أحسب أن منع ارتداء الحجاب يقع ضمن نطاق الحرص على العلمانية مثلما أعلم جيدا أن الضغط في اتجاه معين يخلف تمردا في الاتجاه المعاكس ، والعلمانية ما لم توفر المساحات الواسعة من التعدد وحرية الاختيار والعمل والقول فهي قد تكون أداة ديكتاتورية أخرى تمارس قمعا لا يختلف كثيرا عن باقي الأنظمة الاستبدادية المنتشرة في المنطقة ، فمن يستطيع أن يفهم بأن حجاب امرأة في البرلمان يهدد القيم العلمانية ! ، ثم هل القيم العلمانية تعني محاربة الرموز الدينية أم إتاحة المجال لها هي ونقيضها بجوار بعضهما ليرتدي المجتمع ذاك التنوع الخلاق الذي يثري ويساعد على الإبداع والمنافسة ضمن قوانين واضحة لا تحتمل اللبس والتأويل كما هو الحال مع النصوص الدينية الذي قال عنها علي كرم الله وجه بأنها حمالة أوجه .

benziyazan@hotmail.com


في الإثنين 30 إبريل-نيسان 2007 05:46:08 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=1650