خفايا وأسرار علاقة الرائد على الصالح بالرئيس الشهيد إبراهيم
د.طارق عبدالله الحروي
د.طارق عبدالله الحروي

- من نافلة القول إن الرئيس الصالح (حفظه الله ورعاه وأدام الله في عمره) كان يحظى بثقة عالية جدا من لدنا الرئيس ألحمدي رحمة الله عليه كي يقع عليه الاختيار (لاعتبارات عديدة سوف يتم تناولها في مقاله أخرى) أولا ليسلمه أهم مفاتيح ديمومة النظام ومشروعه كله الذي كان يعيش مرحلة دقيقة من مراحل حياته فيصبح بذلك (رجل الظل) بكل ما تحمله هذه العبارة من دلالات ومعاني لها شأنها الذي وقع عليه الاختيار من لدنا الرئيس ألحمدي لضمان مواصلة مهمة إيصال سفينة الوطن إلى بر الأمن والأمان المنشود تحسبا واستعدادا منها لأسوء الاحتمالات، وثانيا ليكون قائدا عسكريا من دون كل القيادات والرتب العسكرية آنذاك لأهم منطقة في اليمن قاطبة التي تمثلها (الحدور الأوسط ومنطقة باب المندب)، على اعتبار أن هذه المهمة الاستثنائية كان لها عدة أبعاد أساسية، يمكن إعادة بلورة بعض أهم معالمها الرئيسة في اتجاهين رئيسين.

- الاتجاه الأول يتمحور حول أن محافظة تعز عمود الارتكاز للمشروع المدني النهضوي كانت الميدان (المصنع) الوحيد القادر على إعادة بلورة حياة وشخصية وعقلية الرائد على الصالح في فترة محدودة (لأن الوقت لم يكن يسير في صالحها) بعيدا عن أجواء الحكم الصاخبة والمعقدة في العاصمة صنعاء كي يصبح مؤهلا إلى حد كبير لتولي هذا المهمة والأمانة الشاقة برمتها التي تئن تحت ثقلها الجبال، وهذا ما حققت فيه نجاحا باهرا منقطع النظير إذا ما صح لنا القول ذلك فلم يظهر نجم الرائد على الصالح كقائد عسكري لواحدة من أهم المناطق الحيوية في شبه الجزيرة العربية واليمن فحسب، لا بل وكذلك كرجل مدني يتمتع بقدرات مهمة وفريدة على الصعيد السياسي والأمني والاجتماعي والشعبي والإنساني والأخلاقي....الخ.

- أما الاتجاه الثاني فإن له علاقة وثيقة الصلة بما كان يعنيه هذا الاختيار للرائد على الصالح كقائد عسكري لهذه المنطقة من أهمية في انسيابية ومرونة اقترابه الرسمي والمدروس من مصادر اتخاذ القرار في البلاد-أولا- ومن ثم في امتلاكه لمفتاح المفاتيح للسياسة العليا في الدولة الذي استأمنه عليه الرئيس ألحمدي، على خلفية ما كانت تمثله هذه المنطقة من محور ارتكاز أساسي سواء لمسار حركة المشاريع الدولية والإقليمية الدائرة رحاها في المنطقة الجنوبية للبحر الأحمر منذ حرب أكتوبر 1973م على الجبهة المصرية- الإسرائيلية سيما عقب نجاح محور القاهرة- عدن- صنعاء في عملية إغلاق مضيق باب المندب أمام حركة السفن من وإلى إسرائيل، أو لمسار حركة التغيير الوطني برمتها ومشروعها المدني النهضوي المنشود.

- بالاستناد إلى ما أشرنا إليه في مقالات سابقة من أن إدارة الرئيس ألحمدي كانت قد اضطرت إلى أن ترمي بثقلها الأساسي ذي الطابع الاستراتيجي باتجاه محافظات الإقليم الأوسط وتعز منها- بوجه خاص- عندما قررت الاتجاه مباشرة نحو ضرورة منح اليمن دولة وشعبا استحقاقاتها التي حصلت عليها بجدارة منذ اندلاع ثورة 26 سبتمبر العظيمة عام 1962م، سيما أننا هنا نتكلم عن قيادة تاريخية بحجم الرئيس ألحمدي التي رشحت وزكت الرائد على الصالح لتولي مهمة وطنية كبيرة بهذا الحجم، وفي هذه الفترة الحساسة والدقيقة جدا في تاريخ اليمن المعاصر (1976- 1978م)، وفي مسار حركة التغيير الوطني المنشودة، التي كانت تمر بمرحلة مخاض عسيرة جدا؛ جراء طبيعة ومستوى ومن ثم حجم التحديات الجمة في البيئتين الداخلية والخارجية التي أحاطت بها فجاءه وبدون مقدمات مثلما يحيط السوار بالمعصم، وهنا يكمن بيت القصيد في تناول موضوع مقالتي من خلال هذا العنوان تحديدا.

- ومما تجدر الإشارة إليه عند هذا الحد من التحليل لمسار هذه العلاقة إنه على الرغم من أن الرئيس ألحمدي إن كان قد نجح إلى حد كبير في مهمته الوطنية الأكثر أهمية وإلحاحا التي حمل العبء الأكبر والمهم منها على مسئوليته الشخصية وأخذت جزء كبير جدا من وقته في الفترة (1974- 1976م) تقريبا؛ والمتمثلة بوضع تشخيص دقيق وموضوعي للواقع المراد معالجته، باعتبار (أن نجاح عملية التشخيص لأية ظاهرة من الظواهر كان يمثل نصف العلاج تماما)، وهي الطريق الوحيد في مدركات إدارة الرئيس ألحمدي الذي كان متاحا لليمن اجتيازه للوصول إلى الغاية المنشودة بمراعاة عامل الوقت والسرعة والكلفة، بصورة أهلتها إلى حد كبير في ضوء ما حققته من نجاح مهم ونسبي بهذا الشأن في إعداد المعالم الرئيسة لخارطة الطريق الجديدة الكفيلة بنقل اليمن إلى مصاف الدولة المدنية الحديثة المنشودة.

- إلا أنه قد فوجئ- في نهاية المطاف- ببروز تحديات كبيرة (داخل النظام نفسه) تحول دون إمكانية سرعة وانسيابية ومرونة ترجمة العلاقات الحميمة التي ربطت إدارة الرئيس ومعظم أبناء شعبه في ضوء خارطة الطريق الجديدة من خلال قرارات مصيرية سياسية وتنموية... استراتيجية جريئة تنقل الشعب ومصالحه الوطنية العليا مباشرة إلى قلب المعادلة الداخلية الحاكمة للبلاد، فرضتها منظومة شبه متكاملة من المصالح الخاصة المشروعة وغير المشروعة التي تصطدم شكلا ومضمونا مع المصالح الوطنية العليا للأمة تشكلت في غفلة من الزمن بين عناصر (الجناح المتطرف في) الحركة الناصرية لها ارتباطات مشبوهة مع القوى المناهضة لمشروع الدولة المدنية الحديثة، التي شد بها الرئيس ألحمدي بها حزام ظهره منذ أول وهلة له في سدة الحكم ولم ينتبه لذلك إلا في الوقت الضائع.

- وهو ما أضطره بالتنسيق والتعاون ومن ثم الشراكة مع القيادة التاريخية للحركة الناصرية للخوض في العديد من الترتيبات الجوهرية ذات الطابع المصيري لتجاوز هذا المأزق التاريخي الخطير في سباق مع الزمن في اتجاه توحيد جبهتها الداخلية والخارجية من خلال نقل زمام السلطة كلها إلى أيادي الأمة وقواها الوطنية بكل تياراتها وأطيافها عبر كيان سياسي حزبي جديد (المؤتمر الشعبي العام)...كما أشرنا إليها في مقالات سابقة، استعدادا لخوض غمار مواجهة مصيرية مع القوى التقليدية المحلية بأبعادها الإقليمية والدولية، فرضتها المعطيات الظرفية للبيئتين الداخلية والخارجية آنذاك.

- وعليه نجد ضمن هذا السياق أن جملة الخيارات التي كانت متاحة أمام الرئيس ألحمدي كانت مصيرية ومحدودة جدا إلى حد كبير، لإحداث النقلة النوعية المنشودة في واقع النظام الذي كان قد وضع بالفعل بين مطرقة الخارج وسندان الداخل ضمن سيناريو أممي بأبعاده الإقليمية والمحلية لتصفيته فكرا ومشروعا وأفرادا، وبالتالي فقد جاء اختيار الرائد على الصالح كصمام أمان حقيقي وحلقة وصل أساسية للرئيس وللنظام ولمشروع حركة التغيير الوطني برمتها، باعتباره واحدا من عشرات الرجال المعدودين الذين وقع عليهم الاختيار- هذا إن لم نقل أنه أهمهم- سواء للمشاركة في قيادة تلك المرحلة الاستثنائية (1976-1978م) أو لتولي قيادة المرحلة القادمة، التي فرضت نفسها بقوانينها ورجالها...الخ، ولم يكن اختيارا عشوائيا بالمطلق، تحسبا واستعدادا من إدارة الرئيس وقيادة الجناح المعتدل للحركة الناصرية لولوج إرهاصات المرحلة الجديدة ذات الطابع المصيري، فكان اختيارا موفقا إلى حد كبير- وفقا- للدلائل التاريخية التي جعلت منه ركيزة أساسية من ركائز النظام في فترة زمنية قياسية، في ضوء الدور المحوري الذي لعبه في الحياة العسكرية والسياسية والاجتماعية والشعبية...الخ.

- ومما لا شك فيه أيضا أن عناصر الجناح المتطرف في الحركة الناصرية التي تكفلت بتصفية الرئيس ألحمدي والعديد من رفاقه في تلك الليلة المشئومة بالتعاون والتنسيق ومن ثم الشراكة مع عناصر التيار التقليدي المحلي والإقليمي ضمن السيناريو المشار إليه آنفا كانت وضعت نصب أعينها العديد من رجال ألحمدي الأكثر خطرا عليها- وفقا- لمكانتهم ضمن الدائرة المحيطة به وما يمتلكوه بين أياديهم من مقاليد السلطة ومن تدور حولهم معظم الشكوك في حال فشلت في إيقاف الرئيس ألحمدي من استكمال خطواته في توحيد الجبهة الداخلية- من جهة- والجبهة الإقليمية والقومية مع كلا اليمن الجنوبي- أولا- والعراق- ثانيا- والدول المطلة على مضيق باب المندب- ثالثا- من جهة أخرى، واضطرت لولوج أتون سيناريو تصفية الرئيس والحلقة المحيطة به كإجراء احترازي وقائي.

- وهو الأمر الذي يفسر أمامنا وجود البعض فقط من الرجال المعدودين الذين ينتمون إلى الحلقة الأولى المحيطة بالرئيس في مكان واحد (بيت المقدم أحمد الغشمي) بالرغم من خطورة تواجدهم في تلك الفترة الدقيقة من عمر النظام ومستقبل حركة التغيير الوطني برمتها، وعدم وجود البعض الآخر الذين حالت انشغالاتهم (أو الدواعي الأمنية) أو ضعف عمليات التنسيق والتواصل معهم دون إمكانية حضورهم (وكان مؤشرا للعناصر الانقلابية عن تنامي سوء النية بها جراء عدم وصولها لاتفاق معها في إزاحة أو تصفية الرئيس)، وطالتهم أيادي الغدر والخيانة بعد تصفية الرئيس وأخيه رحمة الله عليهما بساعات وأيام.

- على خلفية أن المخطط الانقلابي الإرهابي كان يقضي بضرورة تصفية أركان النظام بضربة واحدة إلا ان تخلف البعض عن الحضور كان السبب الرئيسي وراء اضطرارها لإمساك العصا من الوسط كإجراء مؤقت عندما قررت تصفية البعض منهم جسديا وتوريط البعض منهم بمجرد وجودهم في عملية الاغتيال المدبرة على أعلى المستويات القيادية في العالم، بغرض ضمان سكوتهم وتصفيتهم فيما بعد وهكذا,,,,,,.

- حيث لم يكن الأمر- برأينا- بتلك السهولة التي قد يتصورها الكثيرين، فالقضاء على أركان النظام الوطني كان يتطلب ترتيبات دقيقة جدا كي لا تنفرط الأمور من أياديها إلى غير رجعة، على خلفية أن لجو أن العناصر الانقلابية لم تلجئ إلى التكتيك إلا مضطرة فالهدف الأساسي في السيناريو كان تصفية النظام برمته فكرا ومشروعا وأفرادا، فمقتل الرئيس وأخيه لفق في الظاهر على أساس جريمة أخلاقيه وتم تصفية بقية القيادات بضربات متوالية وسريعة قبل أن تفطن إلى ما جري، بحكم ما قدمه التيار التقليدي والسفير السعودي الذي كان حاضر للدعوة من تسهيلات واسعة بهذا الشأن، باعتباره كان الحاكم العسكري والمسئول الأول عن الجيش اليمني بحسب المصادر.

- وهذا ما كان بحسب وجهة نظري سبب وجود الرائد على الصالح الذي كانت تدور حوله الدلائل والشائعات أنه أصبح محط أسرار الرئيس ورجل الظل إذا ما صح القول ذلك في بيت المقدم أحمد الغشمي في تلك الليلة كأحد المدعوين لمؤدبة العشاء المقامة على شرف استعداد الرئيس ألحمدي لزيارة أخيه الرئيس سالم ربيع علي وإعلان الوحدة اليمنية، سيما في حال رجحنا أن وجود رجال الرئيس ألحمدي المدعوين في هذه المناسبة كان مبني على حسابات متناهية بالدقة، فاختيار بيت الغشمي كان مدبرا إلى حد كبير لضمان انسيابية ومرونة هذه الحلقة من المخطط، بحكم أنه الرجل الثاني في النظام، لإعطاء كافة المدعوين كامل الثقة والاطمئنان بحقيقة ما يجري وتخفيف شتى المخاوف الأمنية لديها من حقيقة ما يجري وهذا ما نجحت فيه لحد ما حتى ان الرئيس نفسه لم يكن لديه علما إلا في قبل ساعات فقط.

- وفي نفس الوقت فإن ما أبداه الجناح الوطني المعتدل الموالي للرئيس والجناح المعتدل في الحركة الناصرية من تماسك في تلك الفترة الرهيبة والفاصلة، من خلال ارتضائه تجاوز هذا الأمر بسرعة كبيرة خوفا من تداعياته وآثاره السلبية على تفكك صفوفها وتقويض مواقعها بسرعة الريح- وفقا- لـ(لعبة الدومينو)، ومحاولته استعادة توازنه بتبني إجراءات نقلت من خلالها السلطة إلى الرجل الثاني في النظام والذي كان يحظى بثقة مطلقة من لدن الرئيس الراحل، بصورة أفضت إلى انفلات شبه خطير ومؤقت لزمام الأمور من أيادي العناصر الانقلابية التي كانت تعد العدة لنقل زمام السلطة من قبائل بكيل (ومذحج) رمز التيار التحديثي التحرري إلى قبائل حاشد رمز التيار التقليدي المحافظ باسم التيار التقليدي الإقليمي عبر مرشحها الأبرز (على محسن الأحمر)؛ كان هو السبب الرئيسي وراء الإيقاف المؤقت لسيناريو تصفية باقي رموز النظام ومنهم الرائد على الصالح الذي عاد لممارسة مهامه العسكرية في المحور الأوسط وباب المندب.

- وعودا إلى بدء فإن استهداف حلقات المشروع الانقلابي لكل من الرئيس الشهيد ألحمدي والغشمي وصولا إلى الرئيس الصالح الذي تعرض كما تقول بعض المصادر إلى (22 محاولة تصفية وانقلاب في السنوات الأولى من حكمه) كان وسوف يظل أبرز دليل على أن بياض صفحته من دم أعز وأقرب رفاقه وإن غدا لناظره قريب.

- وفي الختام فإن الدافع الأساسي وراء اختياري الكتابة تحت هذا العنوان، كان محاولة إيضاح حقيقة دامغة من حقائق التاريخ اليمني المعاصر التي لا يمكن لأحد تجاوزها أو تجاهلها بالمطلق، هي أن فترة حكم الرئيس الصالح كانت وما زالت امتداد وترجمة لكل ما عمل وضحى الرئيس الشهيد ألحمدي ورجاله من اجله ليس هذا فحسب، لا بل ومؤشرا قويا على حقيقة الرجل الذي أل إليه أمر اليمن كما أراد وخطط الرئيس ألحمدي، بغض النظر عن طبيعة ومستوى ومن ثم حجم ما تحقق على أرض الواقع، سيما في حال أدركنا أن ما تحقق من مشروع حركة التغيير الوطني يعد معجزة بكل ما تحمله هذه العبارة من دلالات ومعاني بهذا الشأن، في ضوء اختلال موازين المعادلة الداخلية لصالح القوى المناوئة والمناهضة قلبا وقالبا لحركة التغيير الوطني ومشروعها النهضوي والمنتمية للتيار التقليدي المحافظ والمتطرف المحلية والإقليمية والدولية.

والله ولي التوفيق

d.tat2010@gmail.com


في الخميس 12 يوليو-تموز 2012 05:06:01 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=16464