أنثى الضحك للرازحي..قراءة في نظرية "البوست كولونيالزم"
د.عبدالمنعم الشيباني
د.عبدالمنعم الشيباني

ما يميز الشاعر اليمني عبد الكريم الرازحي عن غيره من شعراء اليمن أسلوبه السهل والبسيط والتلقائي في كتابة القصيدة (السهل الممتنع)، يكتب شعراً سهلاً واضحاً بسيطاً وكلماتٍ في متناول القارئ والمستمع لكن يمتنع الإتيان بمثلها، يستعمل الفاظاً سهلة واحياناً عباراتٍ تقريرية مباشرة (غير شاعرية في "كثير" من المواضع) بمعنى أنها ليست من بحر الخيال العميق ولا الصور البعيدة ولا التحليق المجنـَّح ، ولكنْ هنا تكمن شاعرية الرازحي ببساطة، يكتب قصيدة " شوارعية" لا ( شاعرية) وهنا-من جديد- تكمن عبقرية الشاعر الرازحي..بإيجاز شديد وواضح يتميز الرازحي كـ شاعر ثم كـ كاتب روائي وكاتب مقالة صحفية بميزة رئيسة ثابتة هي المعارضة للنظام السياسي والواقع الإجتماعي (النقد الإجتماعي والسياسي) كـ محتوى وموضوع ومادة لكل انتاجه وأما وسيلته او الإستراتيجية او التقنية المتبعة لديه فهي " الضحك" بكل ما تشمل هذه الكلمة من سخرية خفيفة او لاذعة، شاعرٌ مشروعه "الضحك" كتقنية مواجهة للفساد السياسي والاجتماعي، الضحك لنقد الواقع،لايخرج الرازحي الاديب ولايشذ عنه ابداً في كل انتاجه الأدبي والصحفي الا في مقالة واحدة ونادرة بعنوان: (قانون التدهور) حيث بدا في هذه المقالة قلماً موضوعياً مسؤولاً جاداً يبحث عن الحقائق والشواهد والأمثلة والأرقام على تدهور اي منجز في المجتمع اليمني مهما نشأ قوياً او ظهر ناجحاً في مبتداه فسرعان مايسري عليه قانون الإهمال والتدهور كـ مستشفى عملاق وناجح كيف تتحول بعد ذلك الى مستوصف صغير ثم الى وحدة صحية أصغر ثم أخيراً الى مربط للحمير كأمثلة من واقع اليمن، كل شيئ يبدأ هنا قوياً او ناهضاً ثم يصيبه التدهور ثم زوال المنجز بكله وفي زمن قياسي قليل من السنوات.. الرازحي شاعر الضحك لنقد الواقع المبكي والمستبد وشاعر الفوضوية لمواجهة الفوضى السياسية،هذا هو الشاعر بإيجاز مبسوط وواضح.

شوارعية لا شاعرية

أعني بـ شوارعية الأسلوب لدى الرازحي في كتابة القصيدة نبض الشارع الشعبي العفوي التلقائي ، شاعر يجمع نبضات ( الشارع) ثم يصيغها بتعبير( الشاعر) فهو "شاعر الشارع واديب الشوارع"، إقرأ مثلاً قصيدته ( أربعاء الخراب )، تتألف القصيدة من كلمات وتعابير من قلب الشارع يعرفها صاحب العربية (البسطة) وعمال المطاعم والمصانع وأصحاب الورش والدكاكين والبسطاء والغلابة والناس الطيبون ، جمع الشاعر في تلك القصيدة انفعالات الغضب الشعبي المقهور وصبه كله قصيدةً على رأس الوثن الحكومي البليد والنظام العسكري المتمترس بـ بنادق الترهيب والتخويف، نقطف من (أربعاء الخراب) ما يلي:-

صباح الغلاء

صباح التعب

صباح الشوارع

عامرةً بالحشود

ومخنوقةً بالجنود

صباح الشغب

صباح الهراوة والقبعات

صباح البنادق والراجمات

صباح الدروع في كل حي

تزين أحياءنا

صباح تقدم دبابة

صباح الحجارة يقذفه صبية

جائعون

بدون شنابل

صباح القنابل من كل نوع

مسيلة للدماء/ الدموع

صباح الجياع

أعينهم لافتات

ولادمع فيها

المآقي دم

والفصيلة جوع

صباح الشعوب تجوَّع

ليس لها الحق في أن تبوح

صباح الذين على الريق

هم يقتلون بدون صبوح

صباح الحفاة يظاهرون

أذا أبصروا جزمة هتفوا:

تسقط الأحذية

صباح الولاةِ والوزراء

يرتعدون في الأقبية

صباح الشباب

بلا عمل

وبلا أمل

أعلنوا الاحتجاج

صباح الشوارع مكسورة

بحطام الزجاج

صباح البرع

صباح الحكومة في القنوات

بالمنجزات تشيد

وجدوى الجُـرَع ْ

شاعرية الرازحي في "شوارعيته" العفوية غير المتكلفة، يكتب شعراً سهلاً وما أسهل أن تقرأ له قصيدةً ولكن ما أصعب أن تأتي بمثلها، وقصيدته ( أنثى الضحك ) مثالٌ آخرٌ على هذه البساطة الشوارعية، صاغها الشاعر بعباراتٍ سهلةٍ وبسيطةٍ لكنها معبرة ومؤثرة وصادقة وتصويرية واقعية.. للقصيدة شخصيتان رئيستان-أومتكلمان- هما الشاعر وصديقته (ابتسام)، يمشيان يتحدثان في الشارع ويضحكان ويسخران من الناس ومن نفسيهما ومن الشعراء والنقاد بلغة ضاحكة مرتفعة بريئة لا صفراء ولا خضراء، كلمات القصيدة ترجمة عفوية واقعية منطلقة ومرحة-غير منمقة ولامكبَّلة- لما دار بين (الشاعر) وبين (ابتسام) من ضحك وكلام وقصص عن الشعر والشعراء والوطن، فالشاعر هنا لا يتكلف صياغة اللفظة كما يفعل الشاعر الكبير محمود درويش مثلاً، يعترف درويش أنه يقضي وقتاً طويلاً في تنميق وزخرفة القصيدة التي يكتبها حتى تبدو مقنعة بشاعريتها لكن شاعر (أربعاء الخراب) و(أنثى الضحك) لا يفعل هذا ولا يعدل في الكلمات ولا ينمق ولا يزخرف، كلمات القصيدة بلغة ( الشارع اليومي ) وهنا يكمن تأثيرها وشعبيتها وإقبال الناس عليها:-

في مهرجان الضحك

ضحكنا كثيراً

ضحكنا إلى أن بلغنا تخوم البكاء

إلى أن تعبنا

من الضحك كدنا نموت

من الضحك متنا

نسينا مع الضحك شكل الكلام

**

في مهرجان الكلام

ضحكنا بدون رقيبٍ

بجدِّيةٍ لا تُطاقُ

جُبنا الشوارع

نمشي ونضحكُ

من كل شيءٍ

ومن أي شيءٍ

من الشعراء

من بعضهم

يحضر المهرجان

يجيء بصحبة نُقادهِ

ناقدُ عن يمينٍ

ناقدُ آخرُ عن يسارٍ

تصيح ابتسام

كيف تسيرُ بلا ناقدٍ؟

أيُّ رعبٍ

وأيُّ جنون؟

وفي شارعٍ مثخنً بالزحام

تفجَّرت الضحكاتُ

تفجَّر مقَهىً على شارعين

تشظىَّ الزجاج من الضحكات

ومن قهقهاتِ ابتسام

لها ضحكةُ أصلها غامضُ

تتفرَّعُ مثل قرون الأيائلِ

أصداؤها،

صوتُ بعض المعادن حين تَجنُّ

وصوتُ جنون الرخام

**

هي أنثى الضحك

كلما ضحكتْ أبدعت

أطلقت قمراً في الهواء

سربَ يمام

ونافورةً من حَمَام

**

ذات ضحكٍ مُريعٍ

ضحكنا إلى أن فُجعنا:

إلى أن فُجعتُ بصوت "ابتسام"

حين نعودُ سيقتلنا الاكتئاب

هو الضحكُ جُرمٌ

فلا تستطيعُ

ولا أنا أقوى على الابتسام

هو الضحكُ قلتُ الملاذ الأخير

وفي يمنِ القات والإكتئاب

كلُّ ضحكٍ حرامُ

وكلُّ ضحوكٍ

عدوُّ النظامْ

**

مهرجان القصيدة ومهرجان الضحك

لا يخطط الرازحي لكتابة قصيدة ( الإلياذة ) لأنه (شوارعي القصيدة) والقصيدة عنده مهرجان شعبي قد يكون ضاحكاً ساخراً او باكياً، مهرجان قصيدة ضاحكة من غير رقيب ومن غير تنميق أو تخطيط ومن غير مساحيق أو "مكياج"، تصل إلينا دائماً أشعاره مهرجاناً عفوياً شعبياً غير متعسف ولا متكلف،( مباشرة قلبية ) تؤثر في القارئ والمستمع من غير أي حاجة إلى واسطة من المفردات الثقيلة أو النحت اللغوي الرخامي او الهندسة العظيمة المتقنة.

تجسيد لصورة الضحوك ابتسام

تعالوا نتأمل قوله : " تصيح ابتسام" أي ناقد سيعترض على استعمال كلمة " تصيح" هنا بحجة أنها غير شاعرية وأنا أقول بل هنا الشاعرية التي تميز بها شاعرنا،( تصيح ابتسام ) لا نجد لفظة تعبر بتلقائية غير كلمة ( تصيح) لا نريد كلمة ( تقول) أو ( تثور ) مثلاً ولا غيرها، والشاعر يصور بواقعية حركات وانفعالات ابتسام كما هي (تصيح ابتسام) تعبير تلقائي من ابتسام وواقعي وطبيعي، ثم دعونا نتخيل شكل ابتسام (الجسد) كما صورها الشاعر ( أدعو الرسامين والفنانين متابعة هذا التجسيد ورسم صورة للشاعر وابتسام بحسب تصوير النص).. الشاعر يمشي مع امرأة نا ضجة ( أربعة وثلاثون سنة)، طويلة وممتلئة وذات أرداف ثقيلة وفمها واسع وأسنان بيضاء، ابتسام تضحك ببراءة وبصوتٍ عالٍ، يمران-بحسب هذا التخيل- من شارع العشرين في صنعاء المؤدي إلى شارع هايل، يسيران معاً جنباً إلى جنب، وضحكات ابتسام العالية دليل برائتها وثقتها بنفسها ودليل حيوية الأنثى الممتلئة، تضحك فيتهشم زجاج المحل ولم تبالِ- من فرط ثقتها بنفسها- ما سيقوله الناس في الشارع .. شاعرية القصيدة الرازحية هذا السهل العفوي المعبرعن نبض الشارع ضحكاً وسخريةً، فأشعار الرازحي- مثل مقالاته ورواياته- ليس سوى تأصيلٌ للضحك والسخرية وربما يحلو لطلاب الأدب الإنجليزي بشكل خاص أن يبحثوا عن " التراجي- كوميك " في أشعار الرازحي " المأساة والملهاة" أو " ثنائية الضحك والبكاء " في شعر الرازحي وهو مبحثٌ خصبٌ للوقوف على أطلال البكاء تارةً والضحك تارةً أخرى فـ وراء كل ضحكة شعريةٍ للرازحي مرثيةُ باكيةُ أو سخريةٌ لا ذعةٌ وإنما مثل أشعاره كمثل القائل: ( هذا هو الحال فمن شاء أن يضحكْ ومن شاء فليبكِ) وكقول الشاعر:-

  وكم فيكِ يامصرُ من مضحكاتٍ .. ولكنه ضحكٌ كالبكا

للنص( أنثى الضحك) وجهان، مهرجانٌ من الضحك الصافي البريء الذي يشبه الضحك وآخر يشبه البكاء، يبدأ النص بمهرجان الضحك الصافي بين الشاعر وصديقته ابتسام، ثم يؤول إلى ضحكٍ ساخرٍ :-

تصيح ابتسام كيف تسير بلا ناقدٍ؟

أيُّ رعبٍ

وأيُّ جنون؟

وفي شارعٍ مثخنً بالزحام

تفجَّرت الضحكاتُ

تفجَّر مقَهىً على شارعين

تشظىَّ الزجاج من الضحكات

ومن قهقهاتِ ابتسام

الضحكة الرازحية الساخرة هنا مفادها – باختصار- أن لكل شاعرٍ في اليمن (خصوصاً) ناقدٌ هو ظله يسير معه ولا يفارقه في حله وترحاله ويكون أكثر ملازمةً له ( وقت الغداء والقات)، كأنما يريد أن يقول- أو أنا أقولها بالنيابة عنه- ( إعطني برمتين لحم وصحفة فتة موز وأربعة رطب بالعسل ثم اعطني حبة ذحلة أو قات شامي أبو حكـَّال أو كلوات شرو صبري أعطكَ ناقداً)..أعتذر عن مثل هذا الكلام ( غير النقدي) وإنما أردتُّ أن أعيد كلاماً قديماً حول " بعض المزالق التي قد توقع الناقد في المحظور ومنها الشخصنة والإنطباعية والمجاملة على حساب العلمية والموضوعية والطرح العلمي الأكاديمي في قراءة النص)هذه هي أهم المزالق النقدية في اليمن، وراء كل شاعرٍ ناقدٌ ووراء كل قراءة نقدية ( غدوة سمينة أو تخزينة قات جامدة أو شلة حزبية سياسية).. ربما جاء شاعرٌ يشكو من ناقدٍ قدم قراءةً نقديةً لإحدى نصوصه، قال الشاعر: ( إن قراءة الناقد لا ترتقى إلى مستوى القصيدة التي كتبتـُها ) فلما سئل الناقد عن سبب ذلك أجاب :( قولوا له كتبنا لك على قدر الصانونة حقك ، واحد صاص وربع دجاج ويشتينا أكتب له مقدمة عزرا باوند لقصيدة تي إس إليوت "الأرض اليباب").

صورة حسية بديعة " تفجر مقهىً على شارعين "

في النص متكلمان رئيسان الشاعر وابتسام، يسيران في الشارع يضحكان وتعلو ضحكات وقهقهات ابتسام من قوتها:-

تفجر مقهى على شارعين/ تشظى الزجاج من الضحكات ومن قهقهات ابتسام

للحادثة مثير شرطيٌٌ ( قهقهات ابتسام) واستجابةٌ شرطيةٌ ( تفجَّر مقهى على شارعين).. إنظروا إلى ما يصنعه الضحك في ( يمن القات والاكتئاب)، لـ قهقهات ابتسام صدىً وفعلٌ وأثرٌ في الكون.. وهنا يتعدد وصف ضحكات ابتسام:-

لها ضحكةٌ أصلها غامضٌ تتفرع مثل قرون الأيائل اصداؤها ،

صوت بعض المعادنِ حين تجنُ

وصوتُ جنونِ الرخام

تتألف ضحكات ابتسام من عناصر ثلاثة

قرون الأيائل ( حيوانات راعية)

صوت بعض المعادن

جنون الرخام

أي تتألف ضحكاتها من عنصر الحيوان والمعدن والرخام...للشعر تأثير على محيط الكون إذ يحيل القاحل الأجدب أخضراً والكئيب مبتسماً ، حادثة من رواية وفيلم عالمي ( دكتور زيفاجو ) بطل الرواية طبيب وشاعر روسي يتهمه الجيش الأحمر بمعاداة الثورة الإشتراكية الحمراء ، يأبى الإنصياع لأجندة الثورة البلشفية القمعية في موسكو ( بطل الفيلم عمر الشريف والرواية للكاتب الروسي بوريس باسترناخ الحائز على جائزة نوبل عام 1957 ) كان الطبيب والشاعر زيفاجو كلما ألقى نظرة ًعلى الحقول المجدبة ألفاها زهوراً، وبالمثل تؤول ضحكات ابتسام إلى منجزات في ( يمن القات والإكتئاب) تصنع مالا يصنعه النظام الفاشل الذي يدعي المنجزات والمعجزات، ولماذا هو نظامٌ فاشلٌ؟ لأنه عدو الحياة وعدو ابتسام التي :-

كلما ضحكتْ أبدعتْ

أطلقتْ قمراً في الهواء

وسرب يمامٍ

ونافورةً من حَمَامْ

 **

إبتسام هي القصيدة رفيقة الشاعر تمشي معه في أحلام اليقظة

لـ ابتسام صورتان، حسية مجسدة، ومعنوية هي القصيدة ترافق الشاعر في أحلام اليقظة، يمشي ومعه القصيدة، وهي حالة تنتاب كل شاعر أو أديب أو مفكر، يمشي ومعه الفكرة أو القصيدة، يضحكان معاً أو يثوران، فـ (ابتسام الرازحي)هنا قصيدته التي لا تفارق ظله، وهي ("ابتسام" معنوية خيالية غير مجسدة) ويمكن ان تكون ظلاًّ لامرأة مجسدة، نجح التصوير بشكل مقتع للقراء بالتجسيد مرة وبالخيال مرة أخرى، وليس الأهم هنا ان كانت "ابتسام" حقيقةً مجسدةً او غير ذلك ولكن الأهم ان للشاعر –والأديب عموماً- صديقةً يأوي اليها ورفيقةً لاتفارقه هو النص او هي الفكرة او ربة الشِّعر والإلهام او هي الظل الآخر للأديب في عالم الخيال او حبيبته في عالم الأرواح غير العالم المحسوس.

الضحك في مواجهة سلطة الاكتئاب

قراءة لما يسمى بـ(أدب البوست كولونيالزم)-اي ادب مرحلة مابعد رحيل الاستعمار العسكري -ومفاده ورث انسحاب الإستعمارالأجنبي أنظمة تمارس نفس دور القوة والإستعلاء والاعتداء على حرية المجتمع تماماً كما كان يفعل الإستعمار المباشر، يعمد الأدباء والشعراء والكتّاب- في هذا المجال الأدبي وتحت هذه النظرية النقدية -الى استراتيجيات وتقنيات للمواجهة مثل الرمز والأسطورة الشعبية والنكتة ، وعند الرازحي (استراجية الضحك في مواجهة عدوانية النظام الذي يفرض الكآبة على المجتمع)، تقنية المواجهة هي "الضحك" في وجه واقع النظام القمعي الذي يحرِّم الابتسامة ويفرض خريطة العبوس على ارجاء الوطن، يقول لك النظام: (ممنوع الضحك)، ممنوع الشِّعر، وممنوع أنْ تكتب فيأتي الرد من الأديب ساخراً من ممنوعات ومحرمات النظام المستعمر الجديد يرد عليه بمزيدٍ من الضحك فقوة القصيدة "ابتسام" أقوى من قوة(الممنوع)،وضحكات ابتسام القصيدة تقنية واستراتيجية وقوة ردع من جانب الأديب لمواجهة استراتيجية النظام الذي يحرِّم الضحك وينشر "منجزات" العبوس واليأس والهزيمة، ولكن للقصيدة قوتها تتشظى كالقنبلة النووية ولها انشطاراتٌ وتفرعاتٌ هل يقوى النظام على ايقافها؟ تحديات القصيدة ابتسام وضحكاتها المنطلقة بلاقيود وتفرعاتها في الكون إبداعاً عجيباً (يطلق قمراً في الهواء.. سرب يمام.. ونافورةً من حمام)، النص مشروع للضحك في مواجهة مشروع المحرَّم والممنوع، اسهل وسيلة يملكها الشاعر ولايملك سواها للرد على مشروع (المنع والتحريم والتجريم)،الإكثار من الضحك يهزم كل أشكال الإستعمار بكل بنادقه القديمة والجديدة لأن المستعمر "يفرحه" التعذيب والسادية والهيمنة على الشعوب ولكن "يفجعه" هذا الضحك، يريدك المستعمر (الغازي) والمستعمر (الوطني) ان تبكي فيهزمه الشاعر بتقنية مضادة هي الضحك: (من الضحك كدنا نمـــــوت). لماذا لاتجرب الساحات الثورية في الربيع العربي ان تضحك كثيراً بدلاً من البكــــــــاء ؟! الضحك أقوى استراتيجية ردع للمستعمرين،انها انثى الضحك، قهقهـــات ابتســـــــــام في مواجهة بنادق النظــــــــــام.

*شاعر وناقد يمني يقيم في الهند

ibnzeidoon@hotmail.com


في الأربعاء 20 يونيو-حزيران 2012 08:06:24 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=16143