هوامش عن "جمعة الكرامة" في ذكراها الأولى
محمد سعيد الشرعبي
محمد سعيد الشرعبي

ايام تفصلنا عن الذكرى الأولى للمجزرة الرهيبة "مجزرة جمعة الكرامة " التي خططها صالح وأبنائه ونفذتها وحدات من قوات النخبة التابعة لقوات الحرس الجمهوري والأمن المركزي في المدخل الجنوبي لساحة التغيير بعد دقائق معدودة من انتهائنا من صلاة الجمعة ،سقط في تلك الجمعة اكثر من خمسين شهيداً ومئات من الجرحى والمصابين من شباب ثورة الكرامة في مجزرة رهيبة تصعق روحي ذكراها وتكهرب حواسي كلما تذكرت اهوالها التي عشنا تفاصيلها الدامية ،في يوم عصيب هُزمت فيها وحشية القاتل المذعور على يد شباب الثورة الذين قدموا ملحة أسطورية في الصمود بصدور عارية تحطم على صخرة ارادتهم العزلاء مخطط السفاح وقتلته "المحترفين" .....

في جمعة الـ 18 من مارس 2011م ،كانت ساحة التغيير مسرحا مرعبا لمذبحة حية يستعصي نسيانها لدى من شهدوا ويلاتها لأكثر من عشر ساعات ،بدأ توقيتها قبل مغادرة المصلين لأماكنهم في الساحة التي اكتضت _يومها_ بشباب الثورة ومن شاركنا الصلاة في تلك الجمعة غير المسبوقة ،ففي لحظة تهتز الساحة بفعل دوي هتافاتنا "الشعب يريد اسقاط النظام " وسط عاصمة كانت تعيش لحضتها هدوء ما قبل العاصفة ، لعلعت اصوات الرشاشات والقناصات من الجهة الجنوبية وبغزارة تسببت في توقف هتافات الحشود الشعبية المهيبة لدقائق معدودة ،لتعود الحشود هتافتهم وبحماس منقطع النظير ...

كنت مع مصوري وسائل الإعلام المحلي والدولي في اعلى البرج الحديدي في قلب الساحة ،وبلمح البصر ،استدرنا مع الحشود في صوب مصادر اطلاق الرصاص استدارة _وكأنها استدارة اخيرة لنا كوننا في مرمى بصر القناصة،وإذا بسحاب دخانية سوداء لإطارات محترقة ، زادت من فضاعة المشهد الدامي الممتد من ظهر الجمعة الى منتصف الليل ...

انها القيامة اذاً ،هكذا قرأتها في نظرات وقسمات الحشود التي تفيض بها الساحة المحاصرة بالقتلة والبلاطجة ،فالكل كان هدفاً متوقعا للرصاص الممطور بدقة احترافية الى اهداف معينة في اجساد الشهداء والجرحى (الصدر،الرأس،العنق) من قناصة غير "بلاطجة" تمركزوا في متاريس على اسطح المنازل ومداخل الشوارع الفرعية خلف سحب الدخان المتصاعد من وراء الجدار الإسمنتي الذي بناها "بلاطجة صالح " في محيط الساحة لوقف تمدد خيام المعتصمين السلميين الى ما بعدها وبالذات الجهة الجنوبية والشرقية ..

عشر دقائق فقط،وبدأ الثوار بملحمة صمودهم الأسطوري في وجه القتلة في "جمعة كرامة" بعدما ايقن الجميع بأنها المفاصلة المؤلمة والمتوقعة من نظام دموي مدجج بأدوات القتل رافض للرحيل الطوعي من السلطة في حق شعب خرج في ثورة سلمية ينشد الحرية والكرامة من فعل ثوري سلمي مستمر استعصى على القمع والقتل والحرب حتى اللحظة ...

يعجز الحرف عن وصف المؤلم والمشهود في لوحات الفداء التي سطرها شباب الثورة في ساحة التغيير بصنعاء وفي مقدمتهم الشهداء الذين انطلقوا كالأسود بصدورهم العارية غير مكترثين بالرصاص وكأنهم ارواحهم كانت على موعداً مسبقاً بالصعود الى الفردوس ..

بدورنا هبطنا من برج التصوير،واتجهنا مع موج بشري هادر الى المكان في اجواء ثورية ممهورة بالفداء وعلى اصوات وتكبيرات الشهادة وأغاني ايوب طارش وأصوات سيارات الإسعاف وحنين الدرجات التي كانت تقل الشهداء والجرحى الى المستشفى الميداني وبقية مستشفيات الثورة ،تصاعدت فعل الارادة السلمية في مواجهة التحدي الدامي للسفاح الذي توعدنا كثيراً بالمذابح على مقاصل وجدران الشرعية الدستورية التي استخدمها لسفك الدماء بهدف وأد الثورة وسحق شبابها ومن يشاركها فيها انجازها ،فأرتدت مذابحه و مجازره وبالاً عليه وعلى نظامه ومنها جمعة الكرامة ..

جموع تموج ورصاص تهطل لأكثر من ساعة ،بعدها شرع الثوار بهد الجدار البلطجي وآخرين يجلبون الماء من كل اتجاه لإطفاء عشرات من الإطارات التي جلبت الى المكان بهدف احراقها للتمويه على مصادر اطلاق الرصاص الحي ،وفي اقل من نصف ساعة ،سقط الجدار،واندفع طوفان من الثوار نحو القتلة المتمركزين على اسطح النازل المنتشرين في الشوارع والمداخل ومن خلفهم عربات ومصفحات وأطقم الأمن المركزي ..

كان منزل محافظ المحويت السابق على احمد الأحول الوكر الإجرامي الذي سقط بيد الثوار بعد تمكن الشهيد الطفل "انور الماعطي" من التسلق على البوابة وفتح قبل ان تصيبه رصاصات قاتلة ،تلاها اندفاع جماعي للثوار في ملحمة بطولية شارك مئات في اقتحامه وتطهيره ممن القتلة ذوي الوجوه المرعبة الذي تبين لنا بعدها بأنهم جنود يتبعون لوحدات متخصصه بالقنص والتصفيات ..

وفي اجواء ثورية لم اشهد لوقعها نظير ،واصل الثوار زحفهم السلمي الذي ادخل الذعر في نفوس القتلة المسوخ المنتشرين في شارع الدائري والمداخل والشوارع المؤدية اليه ،فلاذوا بالفرار كالفئران بمساعدة قوات الأمن المركزي التي ساعدتهم على الهرب ،قبل أن تتوقف في جولة "الضبيبي" ودخولها بشكل علني لإتمام النصف الثاني من الجريمة المرعبه ...

وبحماس ثوري سلمي تصدى شباب الثورة لقوات الأمن المركزي بقناصتهم وقنابلهم الغازية وعربات المياه التي عجزت عن وقف زحفنا وصولاً الى الجامعة القديمة في مواجهة غير متكافئة في مقاييس المواجهة بين قوات قتالية وشباب اعزل يحمل علب "البيبسي،الخل " و قشور "البصل" لزيادة مناعة العيون من فضاعة قنابل الغاز التي رشقنا بها حتى ساعات متأخرة من الليل،والأروع في المواجهة فرار القتلة بمختلف اشكالهم امام الشباب الذي تداولوا صدارة المواجهة في انضباطهم في تلك اللحظات المصيرية للمتصدرين والمفصلية للثورة المنصورة والمستمرة حتى اللحظة ...

لحظات لم تكن تخطر بال احد منا في اسوء الإحتمالات ،حيت تأكد للقتلة وزعيمهم المخلوع ومن شاركهم الجريمة ذلك الصمود الثوري في وجه مخططهم المرعب اعداداً وتجهيزاً والموحش تنفيذاً من قبل معتصمين سلميين خُيل لمخططي الجريمة سهولة ترويعهم واغتصاب ساحتهم ضمن مخطط مكشوف هدف منه صالح وأجهزته برئاسة ابنائه وأد الثورة باقتحام الساحات وتطهيرها من الشعب الثائر،فقوبل تعنته ذاك ، بصمود شعب وشباب مؤمن بحقه بالحرية والكرامة ،مُني صالح ،وتهاوى نظامه العجيب بعار ما اقترف قتلته يومها من مذبحة شنيعة ...

بعد يومين من الآن ،تحل علينا اولى الذكريات الأليمة لأحد ابشع الجرائم المروعة التي هزت العاصمة صنعاء وكل محافظات الجمهورية ،والمؤلم في هذه الوليمة الدامية للسفاح وقواته وبلاطجته توقيها المفصلي من عمر الثورة ،وكيفية تنفيذ الجريمة من قبل فرق تم تدريبيها تدريبا عاليا لتنفيذ مهمتهم القذرة بوحشية المنفذ ونازية المخطط الذي هوى الى جحيم الرحيل ،وها هو يتمرغ في برك الدم التي هدد بإراقتها في اكثر من مكان وزمان ....

يا لها من مشاهد ولحظات تتذاكى تفاصيلها المثيرة والمؤلمة في لحظة سردي لهوامش عريضة من تفاصيل غزيرة من لحظة هبوطنا بطريقة مرتبكة مع مصوري القنوات والوكالات من اعلى البرج الحديدي و تدفقنا مع الثوار جنوبا في بحر من البشر هب لمشاركة المصلين والشباب في اقصى الجهة الجنوبية للساحة .

فمن شهد او شارك ثوار ساحة التغيير بصنعاء محلمتهم في "جمعة الكرامة" لا يستطيع اختزال تلك المذبحة مهما اختزل ، ولو كان "النفري" كأخلد داعية للاختزال اللغوي عبر التأريخ ،ويكنني القول،بأن ما اسلفت سرده لا يعد سوى لمحات عن هوامش في ملحمة الفداء الثوري الشبابي الشعبي لجيل اراد الحياة ،ومستمر على عهده ومبدأه حتى تحقيق كافة اهداف ثورثه المستمرة والمتواصلة على الرغم من تكالب الظروف وطول الزمن في ثورة الكرامة للشعب والخلاص من السفاح الجاثم على صدر الوطن وان غادر الدار وترك الكرسي للرئيس هادي بفعل شعبي ثوري خالص ..

في نهاية الأمر تلك المذابح المروعة انتصر الشعب في منازلاته المتعددة مع السفاح المخلوع ،الذي عاود الهجوم على الثورة والثوار بخطابه مشين مطلع الأسبوع الجاري ،مؤججا مشاعر المطالبين برحيله النهائي ومحاكمته بعدما منحته المبادرة الخليجية حصانة من الملاحقات مع بقية مجرمي نظامه الذين امتصوا دماء الأبرياء وبنو مجدهم من جثث الابرياء طيلة 33 عاما ..

وعلى الرغم من انتخاب عبدربه هادي خلفا له ودخول البلد في مرحلة وفاق ،تمهيدا لدخول البلد الى المرحلة الإنتقالية الثانية وفقا للآلية الأممية المزمنة لمبادرة الخليج الذي يبدوا أن صالح وبنيه يهدفون الى اعادة انتاج وجودهم من العدم على حساب الرئيس الجديد ،وهذا ما يهدد بفشل حالة الوفاق السائد ،سيما وان ممارسات صالح وأبنائه الهادفة للهروب من هيكلة الجيش يزيد من تأجيج الحماس الثوري لدى كثير من شباب الثورة ومن بينهم شباب وقواعد احزاب اللقاء المشترك ،وهذا الاجماع الثوري تجسد في اعلان اللجنة التنظيمية للثورة لمرحلة تصعيد جديدة لن تنتهي قبل تحقيق بقية اهداف الثورة مهما كانت التحديات ....


في الخميس 15 مارس - آذار 2012 11:13:43 م

تجد هذا المقال في مأرب برس | موقع الأخبار الأول
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=14557