كيف تنامى تنظيم القاعدة في جنوب اليمن؟
محمد العبسي
محمد العبسي

Absi456@gmail.com

هناك أكثر من سبب لتنامي تنظيم القاعدة في اليمن. لا يعتمد اليمني في حياته على الدولة ورعايتها. فلا التعليم ولا الصحة مجانيان. وما يدفعه من مال للحكومة على هيئة ضرائب لا يسترده منها كخدمات أساسية. وخارج العاصمة والمدن الكبرى تكاد تكون الدولة غائبة كلياً ولا تحضر إلا على هيئة جندي ونقطة تفتيش ومجمع حكومي ترفع عليه سارية العلم الوطني وصور الرئيس. بل إن الدولة وموظفيها، في ذهن المواطن الريفي، تحضر بوصفها سبباً للمتاعب والابتزاز اليومي الذي يتجنبه ما استطاع ولا مناص منه.

في الجنوب الأمر أكثر تعقيداً. فالجنوبي يعتمد على الدولة بالأساس بخلاف المواطن الشمالي ولم يتبدل حاله ويزداد سوءاً، بصرف النظر عن المسببات، إلا بعد الوحدة التي صارت مضرة له ومنفعة لغيره (لا للشماليين على التعميم -وإن اعتقد جنوبيون كثر- بل للنخب الحاكمة فعلياً)، وبالتالي فمشاعر الجنوبيين تجاه الدولة (أو النظام) أكثر استثارةً وحساسية. وشعورهم بالظلم والقهر ليس على أساس وظيفي فحسب بل ومناطقي وثقافي. إن الحقد على الدولة وصولاً إلى مقاومتها يغذيه في مأرب أو الجوف أو صعدة غياب الدولة الخادمة للمواطن ووجود نقيضها: الدولة القاهرة له والمبتزه لماله، والمستنزفة لثروات منطقته من أجل نخبة حكم فاشلة. بينما في الجنوب الحقد مضاعف: فنفس الدولة القاهرة في الشمال موجودة جنوباً مع اقترانها بصفة إضافية: الدولة الغاصبة شئنا أم أبينا، وافقنا هذه النظرة أم عارضنا، إلا أنها في صميم اعتقادهم.

فشل نظام علي عبدالله صالح، والأنظمة التي سبقته شمالاً وجنوباً، في خلق هوية وطنية جامعة لكل اليمنيين. وعندما يفشل المركز في صياغة ذات جمعية تزدهر الهويات الصغيرة: الهوية المذهبية، الحزبية، القبلية، السلالية وهكذا.. إن عدم انتماء الفرد للمجموع يجعله يبحث عن انتماء آخر ربما في نسبه الهاشمي، أو ماضيه كفرد من سلالة السلاطين، أو بانتمائه إلى علم الجنوب وقضيته كماض عاطفي يراد استعادته، أو بانغلاقه على حزب أو قبيلة أو مذهب. أو ربما بتفجير نفسه من أجل الفوز بالجنة (بوسعه الفوز دون تفجير!!) إن كل تلك الأعراض نتيجة لسبب أو مرض واحد: المشكلة في الرأس. في مركز الحكم وطريقته السيئة في إدارة البلد.

عملت جماعة أنصار الشريعة في أبين وما حولها على التمدد الاجتماعي التدريجي مستفيدة من أخطاء النظام ومحاولة سد فراغات الدولة. استفادت أيضاً، وبشكل كبير، من تجربة جماعة الحوثي في صعدة في التمدد الاجتماعي. فرض الحوثي نوعاً من السيطرة الانسيابية في صعدة خلال الأعوام الماضية وأخذ يمسك بقضايا المواطنين ساداً الفراغ الذي أوجده غياب الدولة الخادمة للمواطن لا المخدومة منه والمتسلطة عليه. وحتى وقت قريب قبل أحداث دماج حظي الحوثي بسمعة طيبة ذاع صيتها حتى أن سكان العاصمة في الأوقات الحالكة التي افتقدوا الكهرباء والوقود والأمان كانوا يندبون صنعاء ويمتدحون صعدة في جملة واحدة.

في هذا المربع تحديداً اشتغلت جماعة أنصار الشريعة محاولة احتواء وحل مشاكل المواطنين وقضاياهم اليومية. كان الطريق من أبين إلى شبوة مفتقداً للأمان، بشكل لافت، بسبب الحرابة وعصابات سرقة السيارات وكان المستهدفون، أول الأمر، الغرباء والسيارات الحكومية وذات أرقام المحافظات الشمالية. سرعان ما تزايدت الظاهرة –لغياب الدولة وأسباب إضافية-فصار أبناء شبوة ذاتهم ضحية عصابات النهب. ما الذي فعله "أنصار الشريعة"؟ استثمار فشل الدولة وسد فراغها ولا شيء أكثر. هذا ما أحسنوا القيام به. علمنا التاريخ أنه متى غابت الدولة أفسح المجتمع الطريق للقوى الأكثر جاهزية. إنه الدور التاريخي الذي مارسه المتطوعون مرتين عند سقوط بغداد في 219 هجرية بانتصار المأمون على الأمين، وفي 2003 عند غزو العراق. وهو نفس الدور الذي مارسته جماعة الحوثي في صعدة سادةً فراغ الدولة ومسوقة نفسها اجتماعياً وإعلامياً. لقد قام "أنصار الشريعة" بالقبض على أبرز عصابات السرقة ونفذت بحقهم أحكام قطع أيدي علناً أمام الملأ. وبهذا حققت هدفاً ذاتياً يبرر نشوءها كحركة وهو "تطبيق الشريعة" التي توانت عنه الدولة (العميلة لأمريكا في صعدة)! وفي الوقت نفسه أسدت للسكان المحلين خدمة بإراحتهم من أشرار لم تردعهم الدولة (الفاسقة التي لا تطبق الشريعة في أبين)!

في هذه الأثناء كان نظام صالح منشغلاً بالحرائق المشتعلة في كل مكان، بينما كانت المعارضة تردد تهمتها الغبية: "هؤلاء عناصر القاعدة التابعة لقصر الرئاسة" دون محاولة فهم ودراسة الظاهرة بشكل أعمق. وفي ذلك الوقت أيضاً كان الإعلام الحكومي والمستقل والمعارض –بطبعه المكتبي لا الميداني- ينقل صورة مبتورة وغير أمينة عما يجري هناك متوهماً أن خبراً وصورة عن قطع يد مواطن قادران على تشويه صورة الجماعة ونبذها لدى السكان المحليين. بينما على أرض الواقع حصل العكس: كان تنظيم أنصار الشريعة يتمدد في محافظة شبوة وجوارها يشجعه القبول الاجتماعي وتأييد المواطن الذي غابت الدولة فوفر له "أنصار الشريعة" الأمان المفقود عند سفره، والعدل النسبي عند ذهابه إلى المحكمة دون ابتزاز أو رشوة التصقت في الذهنية العامة بالدولة ومؤسساتها. إنها لعبة سد الفراغات لا أكثر.

بعد شهر من إفادة مدير المخابرات المركزية الأمريكية CIA الجنرال ديفيد بيترايوس أمام الكونجرس وقوله "إن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب ومقره اليمن هو الأخطر في العالم أكثر من باكستان وأفغانستان" سقطت زنجبار بيد أنصار الشريعة. على الفور قالت المعارضة "إن صالح وقواته سلموا أبين للقاعدة" موحيةً أنهم موظفين لديه، ومستبعدة خياراً آخر هو أن القاعدة أرادت مثل اللاعبين المؤثرين في البلد اقتطاع جغرافيا للمرحلة التالية لعلي عبدالله صالح!!

بعبارة أخرى: إنه الاستعجال على الغنائم قبل سقوط العدو (الذي هو نظام صالح) تماماً كمعركة أحد. وإلا لكان بوسعنا، وفق منطق المعارضة الغبيّ هذا، القول: إن صالح سلم الجوف للإصلاح، وسلم حجة بعد صعدة للحوثي، والحصبة لأولاد الأحمر ونصف العاصمة لعلي محسن؟ فإن أخذ ذلك بالقوة فتنظيم القاعدة أقوى وأقدر منهم جميعاً، وبشهادة أقوى مدير مخابرات في العالم، على القتال وانتزاع قطعة أرض يفاوض عليها، وينطلق منها، في المرحلة الانتقالية.

على أن السؤال الأهم الذي غفلنا عنه جميعاً هو: هل هؤلاء المقاتلين في أبين أو رداع تنظيم قاعدة فعلاً؟ كلا. بل أجزم أن من هم على صلة تنظيمية بالقاعدة عدد محدود جداً، لكن مؤثر، بينما السواد الأعظم هم أتباع ومريدين من أبناء تلك المناطق ممن وجدوا حاضناً عطوفاً عليهم أكثر من الدولة والمجتمع. شخصياً أفضل أن أسمّيهم بما سموا أنفسهم به: "أنصار الشريعة" وحسب. إنهم حركة محلية يمنية مثلها مثل أنصار الله، أو أنصار الثورة، أو أنصار الشرعية. جماعة عقائدية مسلحة تأثرت بالكثير من أدبيات وأبجديات تنظيم القاعدة الأفغاني لكنها، على أية حال، ليست النسخة اليمنية من القاعدة. وإذا أردت حكومة الوفاق، والولايات المتحدة الأمريكية، إيقاف نزيف الدم في أبين والخروج بحلّ، غير باهظ الثمن، فعليها أن تتعامل معها على هذا الأساس محاولةً فصل النتيجة عن السبب والقادة عن الأتباع. على حكومة باسندوة -وإن لم يكن قرار الحرب بيدها- أن تعي أن استمرار المواجهة العسكرية تزيد "أنصار الشريعة" قوة وتمنحهم مظلوميةً سوف تسوقهم في اليمن كلها كأصحاب قضية. عدا ذلك قدرتهم اللامحدودة على الاستفادة من أخطاء الحرب وما أكثرها. إن كل غارة يقتل فيها مدني واحد فقط عن طريق الخطأ، كما حدث في جامع جعار وفي المعجلة وأماكن أخرى، سيُكسب الجماعة ألف تابع بين مقاتل ومؤيد ومتعاطف. وقد آن لمنظمات المجتمع المدني أن تقود حملة ضغط شعبية إنسانية لوقف الحرب في أبين تماماً كحملتها لوقف حرب صعدة. تغمد الله بواسع الرحمة الجنود الذين فتك بهم في أبين وعلى الحكومة التي أقرت موازنة بزيادة 600 مليار عن موازنات حكومات "النظام" السابق أن ترفق بذويهم بما هم أهله.


في الإثنين 12 مارس - آذار 2012 05:53:24 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=14479