كفرت بمجلس الأمن ..
أ. د. صالح صواب
أ. د. صالح صواب

مجلس الأمن أحد الأجهزة التابعة للأمم المتحدة، وهو الجهاز المسؤول عن حفظ السلام والأمن الدوليين، طبقا لميثاق الأمم المتحدة، وتعتبر قراراته ملزمة للدول الأعضاء بالأمم المتحدة، ومع الأسف فإنه يمتلك صفة قانونية تجعل العالم يستسلم لقراراته وينظر إليها وكأنها تمثل النظام العالمي بأكلمه.

غير أن قرار مجلس الأمن لا يتخذ من الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولا من مندوبي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وإنما يتخذ من أعضاء مجلس الأمن، وهم خمسة عشر عضوا فقط.. تنتخب الجمعية العامة للأمم المتحدة عشرة منهم، وبقية الدول غير ممثلة في هذا المجلس، فما يصدر عنه من قرارات دولية لا تمثل سوى خمس عشرة دولة، وهي في الوقت ذاته ملزمة لجميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

ليست الغرابة أن يقتصر مجلس الأمن على خمسة عشر عضوا، يتصرفون في مصير سائر الأمم، بل الغرابة أن ثلث هذا المجلس هم أعضاء دائمون في مجلس الأمن، لا يزولون عنه بحال من الأحوال، ولا يحل مكانهم أحد، وتنتخب الجمعية العامة للأمم المتحدة عشرة مقاعد أخرى، انتخابات بدافع السياسة والمصلحة، دون مساواة بين الدول في الحصول على العضوية غير الدائمة، وهؤلاء الأعضاء الدائمون هم ممثلو خمس دول، هي: الصين، وروسيا (الاتحاد السوفيتي سابقا)، وفرنسا، وبريطانيا، والولايات المتحدة الأمريكية..

وبهذا يتضح جليا أن مجلس الأمن لا يقوم على المساواة بين الأمم والشعوب، فأعطى لحكومات وشعوب من الحقوق ما لم تنله حكومات وشعوب أخرى.

المصيبة الكبرى أن هؤلاء الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن يتمتعون بما يسمى: حق النقض (الفيتو  veto ) الذي يعطي الحق لأي عضو من هؤلاء الأعضاء الخمسة الدائمين في نقض أي قرار يصدره مجلس الأمن بمجرد رفع يده لاستخدام حق النقض (الفيتو) ولو أجمع العالم كله على هذا القرار، مهما كان يحمل هذا القرار من عدالة ونصرة للمظلوم وحفظ للأمن والسلام وتحقيق أهداف المجلس، إلا أنه لا يمكن إصداره في ظل استخدام حق النقض (الفيتو).

إن مجلس الأمن يرسخ ديكتاتورية الدول وتسلطها، وغطرستها ولكن في ثوب القانون والإجماع والقانون الدولي.

وبكل بساطة إذا كان دولة ما عضوا دائما في مجلس الأمن، فلتصنع ما شاءت من قتل وتخريب ودمار واحتلال أوطان، ولن يستطيع مجلس الأمن إصدار مجرد إدانة لها؛ لأن النهاية واضحة معلومة، بعد حشد الأصوات، والمباحثات الدبلوماسية، وتناول وسائل الإعلام، واجتماعات وخطابات ساخنة، يمكن لهذه الدولة أن تستخدم حق النقض (الفيتو) لمنع إصدار أي قرار لا تريده.

مجلس الأمن مجلس ظالم جائر، فهو يقول لأمريكا والصين وبريطانيا وفرنسا وروسيا.. مهما فعلتم في حق الشعوب من اعتداء وقتل وتدمير واحتلال، فلا يمكننا بحال من الأحوال أن نصدر بشأنكم قرارا، طالما أنكم لا ترغبون في ذلك..

بل أبعد من ذلك من كان حليفا لإحدى هذه الدول، لتقارب ديني، أو علاقة سياسية، أو مصالح اقتصادية، فله أن يقتل شعبا بأكمله، دون أن يحرك مجلس الأمن ساكنا..

مجلس الأمن أثبت أنه عاجز عن نصرة الضعفاء والمظلومين، عاجز عن دفع الاعتداء داخليا أو خارجيا، لأن هناك من لا يخضع للعدالة، هناك من هو فوق القانون، بسبب هذا النظام العالمي الجائر.

تدخل الاتحاد السوفيتي (سابقا) في أفغانستان .. وقتل ودمر وشرد، وأهلك الحرث والنسل، ولم يستطع مجلس الأمن أن يصنع شيئا؛ لأن الاتحاد السوفيتي يملك حق النقض (الفيتو).

احتلت أمريكا العراق وقبلها أفغانستان، وأخذت تعيث يمينا وشمالا، وتقتل المدنيين رجالا ونساء، شيوخا وكبارا، دون أن يستطيع أحد محاسبتها؛ ولم يستطع مجلس الأمن أن يقول شيئا في حقها، لا لأنه متواطئ معها، أو متحالف، أو لأنه غض الطرف عنها، لكن نظام مجلس الأمن لا يعطيه الفرصة أن يصدر كلمة واحدة ضد أمريكا، لأنها تملك العضوية الدائمة وحق الفيتو.

ضرب اليهود بكل المواثيق الدولية عرض الحائط، ودنسوا المسجد الأقصى، واحتجزوا الآلاف من الأبرياء في سجونهم، وتوسعوا في الاستيطان، وشردوا أصحاب الأرض، وقتلوا النساء والأطفال بكل الوسائل، لم يتركوا وسيلة إلا استخدموها، وضج العالم أجمع من وضع الفلسطينين في غزة ورثى لحالهم، غير أن مجلس الأمن لم يستطع استصدار قرار إدانة أو شجب، بسبب الفيتو الأمريكي، ولن يستطيع ذلك مطلقا..

واليوم يقتل بشار شعبه، ويقصف حمص بالطائرات، بأسلحة روسية صينية، ويمارس الاعتقالات، والتعذيب، والقتل في السجون، وخارج السجون، للشيوخ والنساء والأطفال، وأسر بأكملها، يقتلون بأبشع أنواع القتل، ولا يستطيع مجلس الأمن أن يصدر قرارا بشأن سوريا، بسبب الفيتو الروسي الصيني الداعم لبشار الأسد.. مقابل صفقات سلاح وعقود نفط، فافعل ما شئت يا بشار؛ لأن مجلس الأمن لن يصدر أي قرار.

إن مجلس الأمن يمارس الإجرام بفعل نظام الفيتو، وبفعل أعضائه الدائمين، ولا يحكمهم إلا المصالح والمصالح فقط، لا يحكمه عقل، ولا عدالة، ولا قانون، بل تحكمه المصلحة.

وما نراه من مواقف إيجابية لبعض الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن إنما هو من باب السياسة والمصلحة فقط، فهل بعد هذا يعترف عاقل بمجلس الأمن؟ وهل حفظ مجلس الأمن أمن العراق، أو فلسطين، أو أفغانستان، أو سوريا؟؟

إنه مجلس الدول المتسلطة وحلفائها على الدول المستضعفة فقط، والواجب نزع الاعتراف من هذا المجلس الذي صنعته الدول الخمس فلحقت بهم سائر الدول، وهم ما بين قوي علم أن له حلفاء من هذه الدول فلا يمكن أن يتخذ قرار ضده، أو ضعيف لا حول له ولا قوة..

فهل آن للعقلاء في هذا العالم أن يعيدوا التفكير في بنية هذا المجلس ونظامه، وماذا حقق للإنسان في هذه الأرض..

إنه مجلس لا يستحق البقاء، ولا الدعم، ولا الاعتراف به، ولا احترام قوانينه وقراراته مطلقا.. ولا اللجوء إليه، فتبا لمجلس أمن يحمي القاتل، ويدافع عنه باسم الأمن، وهو لا يجني إلا الخوف والقتل والدمار والتشريد.

* جامعة صنعاء

salehsawab@hotmail.com

facebook.com/salehsawab
في الإثنين 06 فبراير-شباط 2012 03:26:40 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=13617