الثورة في اليمن .. أسقطت ما هو أهم من نظام !
د. حسن شمسان
د. حسن شمسان

نعرف - جيد ا - أن ثورتنا في اليمن لم تتعامل مع نظام مؤسسي؛ إنما تعاملت مع لا نظام عصبوي أو مع عصابة ، وهذه الأخير ليست كالنظام المؤسسي؛ فلا تكترث ل لمسيرات و لا تعبأ با لملايين التي تخرج إلى الساحات وترفع الصيحات؛ ولا تهتم كذلك للمجتمع الدولي وما يصدر عنه من قرارات؛ وخير أنموذج لذلك أنظمة – عفوا – عصابات - (ليبيا وسوريا واليمن)؛ فالذي يسير هذه الدول هي عصابات مجرمة وليست أنظمة مؤسساتية محترمة؛ إذ فيها يبنى الجيش حتى يقتل الشعب وليس لأجل حمايته؛ وبالإضافة إلى أن ثورتنا في اليمن لم تحظ بنظام مؤسسي؛ هي أيضا حظيت بتآمر دولي وبيد إقليمية وداخلية؛ وهذا الأمر الثاني الذي ن ال من وهج ثورتنا؛ ف جعل عجلتها تمشي الهوينى، إذ كان التآمر الدولي على كامل أهبته في التآمر؛ بعدما فاته ذلك في ثورتي تونس ومصر؛ فهاتان الثورتان قد حصلتا على حين غرة من ذلكم  التآمر ؛ وبالتالي مضت عجلتاهما دونما وضع ثمة عراقيل من شأنها أن تبطئ سير أحداثهما ؛ في حين أن العراقيل أدركت وبكل مكر وتخطيط؛ عجلة كل الثورات التي تلتهما ومنذ الوهلة الأولى كما هو حاصل في ليبيا وسوريا واليمن.

صحيح إن هناك – وبكل تأكيد – تآمر دولي وبيد إقليمية وهو قد كان وراء تأجيل إسقاط النظام وحائل بين الثورة وبين ما تشتهيه في تحقق ذلك؛ بيد أنني أرجع وأقول: لقد كانت الثورة في اليمن في حاجة (ماسة) لذلك الامتداد الزمني؛ التي كانت بمدة الفترة الزمنية لحمل المولود (تسعة أشهر)؛ إذ في مثل هذه المدة يكتمل نمو المولود؛ فيلد كاملا مستوفيا غير منقوص. صحيح لقد كان لكل ما سبق ذكره - وما لم يذكر - دور مهم في إبطاء أحداث ثورتنا؛ لكن لما كانت يمننا هي يمن الإيمان والحكمة فقد استطاعت أن توظف ذلكم الامتداد خير توظيف؛ لتجعل نفسها في صورة الطالب الذكي؛ فهذا الأخير يمكنه تأجيل إجابة السؤال الأول؛ وقد يبدأ بإجابة السؤال الأخير؛ فهذا لا يحط من شأنه ولا من شأن حكمته وذكائه؛ ما دام أنه على يقين بأنه سوف يجيب على جميع الأسئلة؛ ويحصل على تقدير ممتاز؛ فثورتنا ذكية لم تفشل ولم تتأخر؛ بيد أنها أخرت شيئا ما إجابة السؤال الأول؛ لأن هناك ما هو أهم منه بتقديري وتقدير العقلاء.

صحيح الثورة في اليمن لم تسقط النظام بوقت قياسي كما حدث في تونس ومصر؛ إذ لم تصل الثورة إلى هدفها الرئيس - إجابة السؤال الأول - في وقت قياسي ولم تسقط الرئيس؛ بيد أنني أرجع فأقول: إن الثورة في اليمن كانت بحاجة ماسة إلى فترة طويلة لوضع أساسات؛ هي في غاية الأهمية للقيام الدولة المدنية؛ إذ كان هناك ما هو أهم من إسقاط نظام أو رئيسه؛ وعليه فالثورة؛ قد قامت بإسقاط منظومة قيم -كاذبة خاطئة- سعى النظام أو العصابة إلى غرسها ومن ثم إنمائها في مخيلة الرأي العام الداخلي والخارجي؛ عن الشعب اليمني؛ إذ صورته للعالم بأنه عبارة عم مجموعة قبائل متخلفة ومتناحرة؛ أو مجموعات من العصابات المسلحة؛ التي لا تجيد غير لغة السلاح وأصوات الرصاص للتخاطب والتفاهم؛ وما بثته تلك العصابة عن الرجل من ذلك التشويه؛ بثته - بالقدر نفسه - عن المرأة اليمنية؛ إذ عكست عنها صورة تلك المرأة المتخلفة المتزمتة الكامنة تحت خيمتها أو نقابها؛ فهي لا تنظر إلى العالم ولا ترى النور وما يحدث فيه من تغيير وتطوير في شتى المجالات.

فما هو إلا أن قامت الثورة في اليمن؛ فأحلت أفكار صالح المسمومة العتيقة الآسنة وأكاذيبه دار البوار وتري العالم حقيقة اليمنيين الناصعة والمشرفة؛ إذ إن الثورة قد طمست وأزالت بالكلية مثل تلكم الصور المشوهة - وكثير غيرها لا يتسع المقام لذكرها هنا، ومن كان يتخيل أن المرأة في والثورة بشكل عام ستحصد جائزة نوبل للسلام؛ حتى أن هذه الأخير بفضل الثورات لأول مرة تستضيء طريقها.

كما أن الثورة في الوقت نفسه - الذي أزالت فيه كل ذلك التشويه من مخيلة الرأي العالمي والإقليمي - قد أثْرت - وبدرجة عالية - فكر الشعب اليمني بكثير من جوانب المعرفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ فطول أمد الثورة كان عاملا إيجابيا ومهما ولم يكن عاملا سلبيا؛ فقد أفادت منه الثورة في اليمن أيما إفادة ؛ فمن خلاله قد حصل للشعب اليمني نضج معرفي ونمو فكري ما كان ليحدث في سنوات عديدة أو أزمنة مديدة ، وما كان لي كفي القيام به أ لآلاف الدورات والندوات التوعوية، و ما كانت لتغطيه الملايين من ال دولارات؛ حتى نصل بهم إلى مثل ذلكم النضج الذي أوصلتهم إليه الثورة - وبكل بسهولة ويسر – مستغلة امتداد عمرها؛ وهذا النضج الذي حصل لليمنيين - وفي تسعة أشهر؛ هو مؤذن بولادة جديدة وبمولود جديد مكتمل السمات والمؤهلات؛ ولم يبق أمامه إلا فترة وجيزة جدا؛ هي فترة الميلاد والمخاض بعد فترة الحمل الشاقة؛ فهذه الأخيرة أصبح لا بد لها من ميلاد، والميلاد لا بد له من مخاض، والمخاض لا بد له من آلام.

إن الذي يجادل وينكر على الثورة قيامها بذلك العمل العظيم وذلك النضج المعرفي والفكري الذي حصل لليمنيين؛ إنما هو للمنطق مخالف وفي الثورة – جدا - مرجف ؛ و عليه يمكنن ا القول : أن هذا النضج الذي حصل للشعب اليمني جراء امتداد زمن ثور ته؛ هو ما كان يفتقده أول مشروع مدني؛ كان يحمله الحمدي على كاهله وكان يود إنجاحه وهو مشروع قيام دولة مدنية لا مكان فيها للفردية؛ لولا أن مشروع الحمدي افتقد تلكم الأساسات التي هي في غاية الأهمية لقيام الدولة المدنية التي كان الحمدي يأمل أن تتم ؛ لكنه ساعتها لم يكن قد أوجد الأساسات ؛ إذ لم تمتلكها الثورة في ذلكم التوقيت؛ إذ لو حصل ل لشعب اليمني ساعتها هذا النضج المعرفي والفكري والسياسي بأهمية قيام الدولة المدنية والذي قد وهبته الثورة الحالية؛ لما كان استطاع المتآمرون أن يلتفوا على أهداف الثورة السابقة؛ ولما كانوا سكتوا إطلاقا على قتل صاحب المشروع؛ بل كانوا سوف يصرون أكثر أن يبلغ المشروع تمامه ويأتي أكله بغير الحمدي؛ لكن الجهل بأهمية مثل ذلك مشروع هو من قتل الحمدي وقتل مشروعه معه؛ إذ استغل المتآمرون الأمية السياسية وعدم فهمه أو إدراكه بأهمية وقيمة الدولة المدنية ؛ بجانب أمية القراءة والكتابة التي حرص النظام أن تبقى في الشعب اليمني ما بقي (اللا نظام)؛ فكان أن التفوا على ذلك المشروع ب كل سهولة ويسر؛ وبالسهولة نفسها استطاعت الأيدي المتآمرة الآثمة أن تنال من صاحب المشروع ؛ فقتلته وقتلت المشروع معه قبل أن يولد .

فالشعب اليمني إذا كان بحاجة ماسة إلى وضع أساسات متينة (معرفية وفكرية) حتى تقوم الدولة المدينة على أصولها وحتى تؤتي أكلها؛ ف كان بحاجة ماسة لمعرفة كثير من المفردات الاقتصادية والسياسية والقانونية التي كانت غائبة أو بتعبير أدق مغيبة بفعل اللا نظام عن ذهنه عقودا من السنيين ؛ وعندما قامت الثورة بعملية تَخْلٍيَة تمثلت في طمس الصورة المشوهة التي كانت قد استقرت في ضمير ومخيلة العالم عن الشعب اليمني؛ وفي الوقت نفسه قامت بعميلة توعية بعد أن نزعت كل عوامل الفرقة التي كان قد أجهد اللا نظام نفسه في تعميقها؛ في فترة تسعة أشهر، لتحمل الثورة في رحمها مولودا قد غذته غذاء متكاملا ومتوازنا؛ ما كانت الثورة لتستطيعه - لو ابتدأت الثورة بهدفها الرئيس بإسقاط الرئيس مثلما حصل في تونس ومصر - إلا بنفقات باهظة ومذهلة ووقت كبير وجهد أكبر؛ ناهيك عن الآلاف من القتلى لو غلبت لغة القوة على لغة الحكمة، ثروتنا عظيمة وقد عرف العالم عظمتها وبل وسوف تكون الأنموذج المشرف لكل الثورات؛ اللهم احفظ ثورتنا واحفظ حكمتنا وإيماننا (آمين).


في الخميس 20 أكتوبر-تشرين الأول 2011 05:37:14 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=12019