حماية الأجواء الإسلامية من العدوان الأجنبي .. رؤية شرعية معاصرة
د. محمد معافى المهدلي
د. محمد معافى المهدلي

من القضايا والنوازل الفقهية المعاصرة، والتي تعد من المصائب العظمى التي تحل بالبلاد الإسلامية ما نجده من تدخل أجنبي سافر في الشؤون الأمنية والعسكرية للبلاد الإسلامية، حيث نرى الطائرات الأجنبية بمختلف أنواعها وأشكالها تجوب الأجواء الإسلامية، فتضرب وتدمر وتقتل .. وللأسف أنّ كثيراً من ضحايا هذه الاعتداءات جلّهم من الأبرياء والبسطاء من النساء والشيوخ والأطفال، بلا ذنب أو جريرة ارتكبوها، كما وقع في عدد من المذابح والمجازر الجماعية التي تناقلتها وسائل الإعلام المختلفة .

ما يزيد الأمر إشكالاً وتعقيداً أنّ هذه الضربات الجوية أغفلت تماماً القوانين والنظم المحلية، ولم تعر أدنى اهتمام للسلطات الوطنية، فيما اضطرت كثير من السلطات الوطنية للتعاون مع هذه القوى الأجنبية على حساب إرادة شعوبها، بل وعلى حساب الدماء والأرواح والمكتسبات الوطنية، بل تعلن غالباً مباركتها لهذه الضربات التي يذهب ضحاياها عشرات الأبرياء !!.

المشكل الأكبر كذلك أن تتم هذه الضربات خارج إطار القانون الدولي الذي يكفل –بزعمهم- للدول سيادتها وللشعوب حريتها، وللبلدان أمنها واستقرارها، ويجرم الاعتداء على سيادة الدول ( ).

ومن اللافت للنظر أنّ قوى الهيمنة الدولية تعتبر أحداث سبتمبر الأسود جريمة تستحق احتلال دولتين إسلاميتين، هما العراق وأفغانستان، وسحق جيوشها والسيطرة على كل مقدراتها وثرواتها، لأنّ مجموعة من الطائشين قاموا بتدمير برج أو برجين، وإذا بهذه القوى الاستعمارية تعيد نفس الجريمة ونفس الكارثة لكن بصورة أشنع وأكبر وأوسع، حيث تعتدي على مئات الآلاف من الآمنين في شتى أنحاء العالم بلا نظر إلى قانون أو عرف دولي، بحجة مكافحة الإرهاب، فيما الإرهاب عينه هو هذه الممارسات الإرهابية التي لا مستند لها من قانون عام أو خاص، مع شجبنا واستنكارنا وتنديدنا لكل ألوان الاعتداء والبغي تحت أي مسمى من المسميات .

لذا نود أن نعرّج على الموضوع من خلال ما يأتي :

أولاً: موقف الشريعة الغراء من حماية المستضعفين في الأرض وحماية الأجواء الإسلامية .

ثانياً: سبل ووسائل حماية الأجواء الإسلامية من الانتهاكات الأجنبية .

أولاً: موقف الشريعة الغراء من حماية المستضعفين في الأرض وحماية الأجواء الإسلامية .

من المعلوم دينياً لكل مسلم، أنّه لا يجوز بحال الإذن في قتل مسلم، سيما من عدو خارجي، بل الواجب الشرعي يقضي بوجوب الدفاع عنه ولو خاضت الدولة الإسلامية حرباً ضد العدو، دفاعاً عن رعاياها ومواطنيها، كما قرره علماء الإسلام .

ومن ذلك قوله تعالى : {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا {75} الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا {76 }( ( ).

وقد بوب الإمام البخاري في صحيحه الجامع فقال \"باب وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء \"(

قال الإمام القرطبي في تفسيره لهذه الآية :

\" وهو ـ أي الجهاد ـ يتضمن تخليص المستضعفين من أيدي الكفرة المشركين الذين يسومونهم سوء العذاب، ويفتنونهم عن الدين ؛ فأوجب تعالى الجهاد لإعلاء كلمته وإظهار دينه واستنقاذ المؤمنين الضعفاء من عباده، وإن كان في ذلك تلف النفوس، وتخليص الأسارى واجب على جماعة المسلمين إما بالقتال وإما بالأموال\"أهـ .

وقال الإمام القرطبي في قوله تعالى} وَالْمُسْتَضْعَفِينَ( عطف على اسم الله عز وجل أي وفي

سبيل المستضعفين، فإن خلاص المستضعفين من سبيل الله \"( ).

وبينت السنة المطهرة وجوب حماية المسلم ووجوب نصرته والدفاع عنه، فمن ذلك حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أخبره أن رسول الله قال (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه من كان في حاجة أخيه كان الله كان في حاجته ..)( ).

وعن سالم عن أبيه أن رسول الله قال (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه )\"( ).

قال الإمام ابن حجر في الفتح :

\" قوله (ولا يسلمه) أي لا يتركه مع من يؤذيه ولا فيما يؤذيه بل ينصره ويدفع عنه وهذا أخص من ترك الظلم وقد يكون ذلك واجباً وقد يكون مندوبا بحسب اختلاف الأحوال \"( ).

وقال الإمام أبو محمد ابن حزم :

\" علمنا أنه لا ظلم للمسلم ولا إسلام له ولا خذلان له ولا تضييع لحاجته ولا أتم لكربته ولا فضيحة له ولكل مسلم ولا أشد خلافاً على الله تعالى وعلى رسول من ترك المسلم والمسلمة إلى المشرك \"( ).

وقال أيضاً عليه رحمة الله تعالى، باعتبار مجرد تعريض المسلم أخاه المسلم للجوع أو العري أنه من الإسلام له فضلاً عن أن يسلّمه لأعدائه يهينونه ويؤذونه، فقال رحمه الله تعالى :

\" من تركه يجوع ويعرى - وهو قادر على إطعامه وكسوته - فقد أسلمه \"( ) .

بل ذهب الإمام ابن حزم إلى وجوب نصرة المسلم لا بل الذمي إن كان الحق معه فيجب نصره وعدم خذلانه ولو لم يكن من طريق لنصرته إلا القتل أو القتال، ولو كان الظالم له هو أحد الأبوين فقال – رحمه الله تعالى -:

\" إذا رأى العادل أباه الباغي , أو جده , يقصد إلى مسلم يريد قتله , أو ظلمه , ففرض على الابن حينئذ أن لا يشتغل بغيره عنه , وفرض عليه دفعه عن المسلم - بأي وجه أمكنه - وإن كان في ذلك قتل الأب , والجد , والأم، برهان ذلك : ما روينا من طريق البخاري ..عن الأشعث بن سليم قال : سمعت معاوية بن سويد بن مقرن يقول : سمعت البراء بن عازب قال :( أمرنا النبي بسبع ونهانا عن سبع - فذكر - عيادة المرض , وإتباع الجنائز , وتشميت العاطس , ورد السلام , ونصر المظلوم , وإجابة الداعي , وإبرار المقسم) وقال رسول الله  ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما , قيل : يا رسول الله هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالماً ؟ قال : تمنعه , تأخذ فوق يده ) وقال رسول الله  ( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه) فهذا أمر من رسول الله أن لا يسلم المرء أخاه المسلم لظلم ظالم , وأن يأخذ فوق يد كل ظالم , وأن ينصر كل مظلوم , فإذا رأى المسلم أباه الباغي , أو ذا رحمه - كذلك - يريد ظلم مسلم , أو ذمي , ففرض عليه منعه من ذلك , بكل ما لا يقدر على منعه إلا به من قتال أو قتل , فما دون ذلك على عموم هذه الأحاديث \"( ).

وقال في تحفة الأحوذي :

\" ولا يسلمه ..أي لا يخذله بل ينصره، قال في النهاية: أسلم فلان فلاناً إذا ألقاه في التهلكة، ولم يحمه من عدوه وهو عام في كل من أسلمته إلى شيء لكن دخله التخصيص وغلب عليه الإلقاء في الهلكة \"( ).

إن نظام الحماية في الإسلام ليس محصوراً مقصورا على مسلمي الدولة الإسلامية بل هو يشمل كل رعايا الدولة الإسلامية من الذميين والمستأمنين والمعاهدين، لا بل الحربيين إن طلبوا الأمان في ديار الإسلام، فيجب صيانتهم وحمايتهم وعدم التعرض لهم بالأذى كما قال الإمام الجصاص رحمه الله تعالى في تفسيره قال :

\" على الإمام حفظ الحربي المستجير وحياطته ومنعه الناس من تناوله بشرٍ لقوله ]فأجره [ وقوله ]ثم أبلغه مأمنه[ وفي هذا دليل أيضا على أن على الإمام حفظ أهل الذمة والمنع من أذيتهم والتخطي إلى ظلمهم \"( ).

فكل هذه دلائل تبين وجوب حماية المسلمين والدفاع عنهم، لا بل كل من عاش أو قدم إلى دار الإسلام ولو كان من غير ملة المسلمين .

ومن المفيد هنا أن أشير إلى أنّ بعض أهل العلم ذهب إلى تحريم نقل رؤوس الكفار من بلد إلى بلد، لأنّ فيه مثلة بهم، والمثلة منهي عنها، فكيف يقال بجواز أن تعتدي الطائرات الأجنبية على الآمنين في أوطانهم فتقتلهم وتدمر بيوتهم ومساكنهم وتقضي على وسائل وسبل معاشهم، وتقتلهم أشنع قتلة، بقتل نسائهم وذراريهم ودوابهم !!.

قال الإمام ابن قدامة :

\" يكره نقل رؤوس المشركين من بلد إلى بلد والمثلة بقتلاهم وتعذيبهم لما روى سمرة بن جندب قال كان النبي يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة .. وعن شداد بن أوس عن النبي قال (إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح) ( ) وعن عبد الله بن عامر أنه قدم على أبي بكر الصديق برأس البطريق فأنكر ذلك فقال يا خليفة رسول الله فإنهم يفعلون ذلك بنا قال فاستنان بفارس والروم لا يحمل إلي رأس فإنما يكفي الكتاب والخبر وقال الزهري لم يحمل إلى النبي رأس قط وحمل إلى أبي بكر رأس فأنكره \"( ).

تبين مما سبق وبجلاء واضح وجوب حماية المستضعفين في الأرض، ويلزم لهذا حماية الأرض والجو والبحار الإسلامية، لأنها مظنة إتيان العدو منها .

ثانياً: سبل ووسائل حماية الأجواء الإسلامية من الانتهاكات .

أرى وأقترح لحماية الأجواء الإسلامية من أي عدوان خارجي يستهدف الديار الإسلامية ويستهدف الأبرياء فيها ما يأتي :

1) ضرورة إنشاء قوات إسلامية مهمتها الدفاع عن البلاد العربية، جواً وبراً وبحراً، سيما وأنّ الوثيقة العربية للدفاع المشترك، باتت حبرا على ورق، ومدعاة للسخرية والاستهزاء، كونها لم ينفذ منها حرف واحد، كما أنّ الأخطار الأمنية والعسكرية تحيط بالبلاد الإسلامية من كل مكان، وباتت كثير من الدول العربية مهددة بالعدوان الخارجي، وغير قادرة على حماية نفسها، على أننا يجب أن نشير هنا إلى ضرورة أن تكون هذه القوات التي ننشد إنشاءها لحماية الديار العربية والإسلامية مهمتها حماية البلاد العربية من أي عدوان خارجي فقط، وليس لقمع الحركات الوطنية الداخلية التي تروم التحرر من الظلم والانعتاق من الاستبداد .

2) يجب أن تخرج الدول العربية عن سياسة دس الراس في التراب، بدعم ومساندة وتأييد هذه الضربات الجوية الأجنبية، لأن في هذا التأييد والمساندة تفريطا بالسيادة الوطنية وتدميرا للمكتسبات وهتكاً للحرمات وإراقة للدماء البريئة .

3) إعادة النظر في السياسة الإعلامية العربية تجاه ما يسمى بمكافحة الإرهاب فثمة تهويلاً إعلامياً كبيرا لحجمه في البلاد العربية لأهداف استعمارية خبيثة، ولذا يجب أن تعاد الساسة الإعلامية العربية فيما يتعلق بمواجهة ما يسمى بالإرهاب، وأن تتولى الدول العربية مواجهة الجماعات الإرهابية بقدرها وحجمها الحقيقي، بلا تهويل ولا تضخيم، كما أنّ الأمن الوطني والجيوش الوطنية قادرة بإذن الله على مواجهة هذه الجماعات، ولا حاجة لأي تدخل أجنبي، باختراق الأجواء والأراضي الإسلامية لتنفيذ مهام عدوانية، وإذا كانت الجيوش العربية عاجزة عن مواجهة جماعات هنا أو هناك، فكيف دربت هذه الجيوش، ولمن إذن أعدت هذه الجيوش؟ !!.

4) ضرورة تفعيل القضاء العربي وأن يتولى مهامه بعيداً عن السلطة السياسية، وأن تخضع كل الجرائم لسلطة القضاء، في البلدان العربية، بما فيها جرائم التطرف والإرهاب، وأن تخضع لمحاكمات عادلة وشفافة وعلنية .

وبالله تعالى التوفيق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،،

المصدر: مجلة البيان .


في الثلاثاء 18 أكتوبر-تشرين الأول 2011 04:45:46 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=11995