كيف يفهم الحاكم العربي الدستور والقانون
د. محمد معافى المهدلي
د. محمد معافى المهدلي

لله درهم ما أصدقهم ، ولله درهم ما أنقى سرائرهم ، ولله درهم ما أطيب أنفسهم ، ولله درهم ما أنبل سجاياهم ، إنهم حكام العرب ، أرأيتم كيف يتشبثون بالدستور والقانون وكيف يحمون بيد من حديد الدستور والقانون ، لا يبالون أن يبيدوا كل شعوبهم ولو فنيت عن بكرة أبيها ، أو ماتت جوعا وقهرا وعطشاً ، ولو لم تبق في الوطن قطرة دم ، كل ذلك لحماية الدستور والقانون والأمن والسكينة الاجتماعية ، فلله درهم!!.

ياه ..ياه.. كم يسر المرء أن رزق الله أمة العُرب حكاماً بهذا القدر من الإخلاص لشعوبهم والتفاني في حب أوطانهم ، لا جريمة لحكام العرب الأطهار الأبرار ، سوى أن شعوبهم لم تفهمهم ، بل لم تفهمهم كل شعوب الأرض ، ولم تفهمهم كل المنظمات الدولية والأممية والحقوقية، فلله درهم لله درهم ما أعظم إخلاصهم لشعوبهم ، وما أعظم تمسكهم بالدساتير والقوانين والأنظمة ، فما ترك حب الحق والعدل لهم صديقا ولا محباً ولا قريباً ولا شعباً ولا وطناً!!.

صحيحٌ أننا أمة متخلفة متقهقرة في كل ميدان ومجال ، لا تملك شيئا من مقومات الحياة العصرية ، لكننا ولله الحمد ننعم ونفاخر بحكام أفذاذ أطهار أتقياء أنقياء ، عباقرة لم يسرقوا فلساً ولا قطميرا ولا مليارا ولم يدمروا مدنا ولا سرقوا أوطاناً ، ولم يهتكوا عرضا ولم يسجنوا مائة ألف ولم يعتقلوا مائتي ألف ، ولا أقل ولا أكثر، فما أنبلهم وما أعدلهم وما أصدقهم ، يغبطنا عليهم وعلى إنجازاتهم كل شعوب الأرض، كأن الله لم يخلقهم إلا لحماية الدستور والقانون ، والشرعية الدستورية، كل شيء يمكن المساومة فيه وعليه وبه إلا الدستور والقانون ، وبالأخص ما يمس منها شخص الحاكم ، فلا مساومة فيه ، فيجب أن تحميه كل الجيوش والأنظمة ولو سالت الدماء أنهاراً ودمرت الأوطان وهدمت المساجد والكنائس والمستشفيات والمدارس والمدن والأسواق والمزارع والكهوف وأحرقت الأرض حرقا ودكت الجبال دكاً ، ولم يبق إلا كرسي الحاكم ، فيجب والحال هذه حماية هذا الكرسي باسم الدستور والقانون والإرادة الشعبية الحرة ، التي لا تعرف عن القائد الرمز بديلا ولا عوضاً ، إنه هبة الرب ، ومنحته الإلهية ، ياه ، مَن غير القائد الرمز يدمر ويسفك وينهب ويخرب ويبيد ويفسد ويعتقل ويكمم الأفواه ويقتل حتى الصبيان والنساء والشيوخ في الطرقات، لحماية الدستور والقانون ، من للأمة غيره مَن مَن ؟؟!!!.

سل بشاراً وصالحاً ومعمراً ومباركاً وغيرهم من هاتيك الزعامات العربية السامقة ، سلهم عن المليارات المنهوبة ، وعن السجون والمعتقلات وعن ألوان الفساد التي لم يعرف لها التاريخ مثيلاً ، ستجد الجواب جاهزاً ، كل ذلك لحماية الدستور والقانون، ولتحقيق المصلحة الوطنية العليا!!!.

كل الجرائم تهون إلا جريمة واحدة ألا وهي أن يشعر الحاكم العربي بأن أحداً يوسوس في نفسه لتغيير الحاكم أو السلطان ، فهذه أم الجرائم التي يجب لأجلها أن تباد الأمة وتقصف بكل المدافع والطائرات والصواريخ ، والأسلحة المحرمة دولياً ، وأن تسحل حتى النساء والصبيان والشيوخ في الطرقات ، على النحو الذي يجري في أرحب ونهم وتعز وحمص وحماة واللاذقية وجسر الشغور ..الخ ، ولسان حال الحكام العرب يقول : اللهم لم نفعل هذا ولم نلجأ إليه إلا لحماية الأمة ودستورها وقانونها، ومصلحتها وسيادتها، ولم ولن يصدق أي حاكم عربي الهتافات التي ترتد إليه من أعماقه – قبل شعبه - أن هذا لا يقع إلا لحمايتك أيها القائد الرمز ولحمايتك يا صاحب الفخامة والسيادة ، والدستور والقانون بريء براءة الذئب من دم يوسف.

ولعلّ من المناسب هنا أن أشير إلى طرفة عربية مضحكة مبكية ، أختم بها : في مدينة عربية شهيرة سبّ أحدهم لفظ الجلالة ، فصرخ أحد الحاضرين في السوق أن هذا الرجل سبّ الملك ، وما هي إلا لحظات حتى كبّل الرجل بالسلاسل والقيود والأغلال، واقتيد إلى التحقيق ، تحيط به الشرطة والأمن والاستخبارات والأمن الوطني والقومي والنجدة..الخ، وأثناء التحقيق تبين أن الرجل سب ملك السموات والأرض جل جلاله ، فهدأت الثورة وانتهت القضية وكأن شيئاً لم يقع!!!.

شكراً للثورات العربية التي كشفت مناهج المستبدين ، وزلزلت عروش المستكبرين ، وأسقطت حكم الطغاة والمفسدين ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.


في الأحد 11 سبتمبر-أيلول 2011 04:07:32 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=11560