خُدعة المجلس الانتقالي دعوة إلى شباب التغيير والحرية
د.خالد عبدالله علي الجمرة
د.خالد عبدالله علي الجمرة

تتسارع وتيرة المطالبة بتشكيل مجلس انتقالي بشكل غريب يثير الدهشة والريبة، جميع المطالبين بتشكيل هذا المجلس لم يحددوا بالضبط الدور الذي سيقوم بهِ، كما لم يتحدثوا عن أهدافه، ولم يوضحوا ولا حتى بالنذر اليسير الفائدة التي ستـُجنى من قيام هذا المجلس على الصعيدين الثوري والوطني وهو ما كان يجب عليهم أن يبينوه بمطالباتهم تلك على الأقل ليًمكن مناقشتها معهم....

إن إعلان قيام المجلس الانتقالي بغض النظر عن الشخصيات التي ستمثله يعني بالمفهوم البسيط أننا أمام مجلس حٌكم غرضه الوحيد قيادة للبلاد بهذا المستوى من الوضوح يجب أن نفهم دور المجلس وحقيقته، وهو ما يعني بالمفهوم السياسي انقلاب على النظام القائم الذي هدفت الثورة الشبابية إلى تقويض دعائمه وهدم عرشه، وسحل شرعيته بكل الأدوات السلمية المُمكنة!!.....

إن خطورة المضي قـُدماً بانشاء هذا المجلس وتشكيله تذهب إلى عدد من الاتجاهات الضارة أقلها ضرراً أنها ستصور أعضاء المجلس على أنهم طالبي سلطة وقادة انقلاب، وهذه الصورة لن يحتاج النظام لجهد كبير لأجل تسويقها في الداخل، فقط يقوم أصغير مذيع في التلفزيون الرسمي بقراءة اسماء أعضاء المجلس والمهام الموكلة إليهم؛ على إثر ذلك سيكون الكثير من المواطنين أمام حقيقة غير معقدة الفهم مفادها هؤلاء هم الحكام الجدد وستبدئ الحوارات المناطقية تعلو على ماعداها من حوارات، وسترتفع أصوات العصبية للسلالة والمذهبية والجهوية؛ كل هذا سيحدث بمجرد نشر وإعلان أسماء شخصيات أعضاء المجلس الانتقالي ومناطقهم وانتماءهم المذهبي والقبلي والسلالي والجهوي، وكل هذه عوامل ستبحر فيها السلطة بمهارة وتزايد عليها كعادتها لأجل تفتيت عضد الثورة وتمزيق بنيانها المتحد حتى الآن، كما أن مثل هذا العمل سيفتح داخل فئات وتكوينات الثورة في مختلف المحافظات جبهة واسعة من الخلافات التي لا تنتهي كما فعلت خطوة تشكيل مجلس التنسيق التي وإن تمت إلا أنها وجدت نكران واضح وعدم اعتراف من كثير من آتلافات وحركات الشباب داخل ميادين التغيير والحرية بكل المحافظات حتى الآن..

بنظره هادئة ومتأملة للمطالبين بانشاء مجلس انتقالي سنجدهم لا يخرجوا عن صنفين إما أنهم أصحاب مغامرات سابقة انتهت مغامراتهم بالفشل وإراقة دماء الثوار الشباب بدون ثمن، أو أنهم من أولائك البعيدين تماماً عن الواقع وعن الوطن وعن ميادين التغيير والحرية والمجتمع..!!!

لو افترضنا جدلاً القبول بفكرة إعلان قيام هذا المجلس ومن ثم تشكيله فماذا سيفعل المجلس بعد ذلك!!؟ وماهي مهامه!!؟ وكيف وأين سيباشر وظيفته التي لأجلها أنشئ!!؟ وهل سيتشكل من رموز المعارضة التقليدية التي تعترف بها المنظومة الدولية أعنى أحزاب الآتلاف (المشترك)!!؟ أم سيكون خليط بين رموز هذه المعارضة وبين الشباب!!؟ أم سيكون مشكل فقط من الشباب!!؟ وماذا عن بقية الاتجاهات المعارضة أمثال الحوثيين، والحراك الجنوبي، ومعارضة الخارج، والصامتون بالداخل، والمنشقين عن المؤتمر الشعبي العام وهم من كان لهم اليد الطولى في تحجيم الحزب الحاكم وتهشيم الروح المعنوية للنظام وأفراده، وكذا العسكر المنشقين من قوات النظام، وهل هؤلاء جميعاً متفقين على إنشاء هذا المجلس وهل سيتم النقاش معهم جميعا|ً لأجل تحقق هذا الغرض أم سيتم تجاوزهم!!؟

إن تشكيل المجلس من المعارضة الحزبية وقبول شباب التغيير والحرية بذلك يعني قبول هؤلاء أنفسهم بتسليم ثورتهم لأحزاب المشترك، ومردود هذا بالتالي سيكون قاسياً على الثورة كما سيؤكد تماماً ما تردده السلطة باستمرار أن الشباب ماهم إلا أداة للمشترك يسعى من خلالها للانقضاض على السلطة، أما لو افترضنا تشكيل المجلس من خليط تمتزج فيه رموز من المشترك وقيادات شبابية مُختارة من ميادين التغيير والحرية فإن هذا إضافة إلى انه سيدعم فكرة النظام المشار إليها آنفاً؛ فإنه سيعدم تقريباً أدوات ضغط متعددة كانت تمتلكها منظومة التغيير والثورة بكل تشكيلاتها وقطاعاتها وسيسهل على النظام التعامل مع هذا الكيان وخلخلته وضربه ومن ثم هز أركان الثورة ووأدها، فمن المعلوم أن الرئيس مافتئ ينادي ويطالب الشباب بتشكيل حزب سياسي وهو بهذا يريد جرجرة الشباب وحركات التغيير المتعددة إلى مواجهة سياسية فحسب ومن ثم تغيير صورة ومفهوم الثورة من ثورة شعبية إلى مجرد كيان يمارس عمل سياسي، وهو ذاته الذي سيتحقق لو تم تشكيل المجلس من شباب التغيير فقط في المحافظات، كما إن هذا التشكيل الأخير لو تم سيعني أيضاً فتح باب الخلافات الواسعة بين قطاعات الشباب وحركات الحرية وإتلافات التغيير؛ بل وفي ظل غياب رموز الثقل السياسي المعارض التي يحتضنها اللقاء المشترك وتعترف بها المنظومة الدولية لن يكون المجلس أكثر منه مجرد مجلس تنسيق جديد لشباب التغيير، وبدلاً من أن يتجه العمل الثوري المستند على الجهد الشعبي خطوة إلى الأمام سيكون وقتها قد تراجع خطوات واسعة إلى الخلف....

إن تشكيل المجلس يفترض كذلك ضمان تواجد ممثلين بداخله عن حركات المعارضة الأخرى من مثل الحوثيين، والحراك الجنوبي بالداخل والمعارضة بالخارج، والمنشقين عن النظام والحزب الحاكم والعسكر، بل وحتى الانفصاليين وإلا فإن المجلس حينها سيكون ناقصاً يفتقد للإجماع الوطني ولن يستطيع أن يمارس أي مهام داخل الوطن فكيف بخارجه، وهو ما سيفتح منافذ جديدة للمواجهة فيرهق الشباب في مواجهات لا داعي لها ويستهلك طاقتهم في مالا فائدة منه للشعب والوطن والثورة....

إن انشاء المجلس يفترض انه سيكون لممارسة سلطة حكم البلاد كجهاز بديل للنظام الحالي ويعني أيضاً أن أعضاء المجلس افتراضاً هم الحاكمون الجدد للبلاد، وهذا يفترض أن المجلس يسيطر على جزء من الأراضي اليمنية كما أن لديه منافذ واتصالات دولية من خلالها يوصل نشاطه للمجتمع الدولي وهذا يوجب على المجلس تعيين سفراء له بالخارج أو اختيار مبعوثين ليمثلونه أمام المجتمع الدولي من منظمات ومؤسسات إقليمية ودولية بل ودول واتحادات قارية مع افتراض أن هذه المؤسسات والمنظمات والاتحادات والدول تعترف بهذا المجلس وهو ما لا يمكن تحققه بالظروف الحالية، كما إن هذا المجلس سيتطلب موازنة ضخمة لترتيب مناشطه وتغطية صرفياته والسؤوال الذي يطرح نفسه من أين سيحصل هذا المجلس على المال لتسيير ذلك لا سيما في ظل عدم اعتراف خارجي بهذا المجلس!!!!

إن تشكيل المجلس سيمنح النظام هدية مجانية ليعلن للجميع أن الثورة الشبابية ماهي إلا وسيلة للانقلاب على الشرعية الدستورية، وسيعطي له مبرر دولي وقانوني لمواجهة هذا المجلس بعنف شديد وهو ما يعني مزيداً من سفك الدماء، ولن يخرج تعليق أقل المراقبين المحايدين داخلياً وخارجياً وقتها لهذه المواجهات سوى انه صراع على السلطة بين مترادفين أحدهما سلطة قائمة والأخر يعلن نفسه كنظام وسلطة بديلة ومن هنا ستفتقد الثورة لتلقائيتها وتذوب شعبيتها داخل كيان مؤسسي يرفضه كثيرون ولما تفقد الثورة سندها الشعبي فإنها ستطفى بكل تأكيد.....

إن الفكرة بكل تأكيد مستوردة ومستنسخة من التجربة الليبية المُرة وهي وفقاً لهذا المنطلق فكرة فاشلة وغير واقعية؛ فما زال لدينا نظام يحكم سيطرته على الجيش وتتنتشر وحدات الأمن التي تدين له بالولاء المطلق وفرق القوات المسلحة في كل المحافظات، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوربي قد بينت موقفها من البداية عندما لم تلتفت حتى مجرد التفات لفكرة انشاء المجلس هذه، فهي مازالت تعتقد تماماً بإن الرئيس علي عبدالله صالح قد يقبل التنحي من الحكم وهي محقة في توجهها هذا لأن الرئيس على الأقل حتى الأن وبمكر شديد لم يعلن مطلقاً انه لن يتنحى عن الحكم، كما أن الرئيس في كل لقاءاته بسفراء أمريكا والاتحاد الأوربي ووسائل الإعلام المختلفة يؤكد تماماً انه يريد التنحي وتسليم السلطة، وعدم التفات هذه الدول لهذه الفكرة يعني أن المجلس وإن تم تكوينه لن يستطيع أن يترجم الغاية من تكوينه وهو سحب شرعية النظام القائم، كون أهم أسس ومبادئ الشرعية الدستورية التي يجب أن تتمتع بها التكوينات الحاكمة هي الشخصية الدولية، بل إن الشباب بهذه الخطوة سيهدمون شخصية كياناتهم الشعبية ووحدتها الوجدانية وسيربطون مصير حركاتهم المستقلة بكيان ركيك وهمي لا يعترف به أحد تلفظه الكثير من قطاعات المعارضة بالداخل والخارج..

فالشخصيات الدولية لن تستطيع التعامل مع المجلس باعتباره كيان غير شرعي والتعامل معه يعني اغضاب الحكومة التي تسيطر بالواقع على الوضع بالداخل كاملاً، وترتبط مع الجميع بعلاقات تتظافر فيها المصالح المشتركة بتنوعها، وهو ما يجعل هذه الشخصيات تغض النظر عن مطالب الشباب على اعتبار أنهم من يكونون قوام هذا المجلس والتعامل معهم يعني التعامل مع المجلس وهو ما سترفضه الشخصيات الدولية من دول ومنظمات وهذا سيحرم شباب التغيير حتى من كيانهم وشخصيتهم السياسية المؤثرة حالياً في المشهد السياسي الحاصل الآن؛ فتفقد الثورة الشعبية الشبابية التعاطف الدولي وتخسر الضغط الإقليمي الذي صنعته تضحياتها ودماء الشهداء ولم يصنعه سلاح المناوئين للنظام أو صيحات اللقاء المشترك؛ وهي ملاحظة مهمة يجب أن يتنبه لها كل الشباب في مختلف ميادين الحرية والتغيير أن تضحياتهم هي من ضربت النظام وقصمت ظهره وليس أي شيئ أخر؛ ومن هنا يجب الابتعاد عن الدعوات الماكرة التي هدفها الأساسي إضعاف الثورة وتفتيتها وسلب شخصيتها الشعبية والزخم الجماهيري الهائل الذي تستند إليه وتحويلها إلى مجرد كيان يمارس عمل سياسي ليس إلا هذا والله الموفق وهو حسبنا ونعم الوكيـل....


في الإثنين 13 يونيو-حزيران 2011 06:27:29 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=10615