مخاطر الدعوة إلى تشكيل مجلس انتقالي قبل أوانه
د.فيصل الحذيفي
د.فيصل الحذيفي

سنستبـين وظائف المجلس الانتقالي المفترضة ومبررات الدعوة إلى تشكيله، وكيف سيؤدي دوره السياسي ضمن الوظائف الثلاثة :

1- المجلس الانتقالي: هو سلطة انتقالية مؤقتة لتسيير البلاد حتى إجراء انتخابات نيابية ورئاسية ، وهذا المجلس بهذه الوظيفة لن يكون له معنى ولا تزال السلطة موضع تنازع مع الحزب الحاكم وبقايا الأسرة الحاكمة خصوصا في بعض قيادات الجيش والأجهزة الأمنية، ولن يكون لهذا المجلس بهذه الكيفية نجاح إلا إذا سقطت السلطة الحالية أو سلمت أو استسلمت بأي كيفية . قد يكون تشكيل هذا المجلس استعدادا لقيادة البلاد عندما يحين الوقت المناسب بعد استكمال الثورة مهامها في مرحلة الفعل الثوري منطقيا ومقبولا وما عدى ذلك هو جنوح لفعل لا اثر له أكثر من المخاطر التي قد يؤدي إليها ليس اقلها عدم جدواه.

2- المجلس الانتقالي: هو قيادة موحدة لجميع مكونات الثورة على امتداد الوطن اليمني ، وهذا يعد ابتلاع للثورة ومصادرة لقرار الثوار بجميع تنوعاتهم ، فالثورة هي عمل جماهيري عفوي كاسح لا يخضع ولا يتبع أي قيادة، لأن القيادة والتنظيم هي من صفات حركات التحرر والتنظيمات السياسية والأحزاب وليس للفعل الثوري وهذا هو الفارق بين الثورة وما عداها من أدوات التغيير السياسي. 

3- المجلس الانتقالي : هو سلطة ثورية بديلة تسعى إلى انتزاع السلطة من الحزب الحاكم والأسرة الحاكمة بشتى الوسائل السلمية والعسكرية، وبالتالي فان المجلس الانتقالي هو قيادة للعمل الثوري المسلح ، إذ لا معنى لتشكيل مجلس انتقالي مع وجود بقايا سلطة لا تريد التسليم للمجلس الانتقالي بقيادة البلاد دون القيام بالحسم العسكري، و إلا فما عساها تكون الجدوى من تشكيل مجلس انتقالي لا يستطيع ممارسة مهامه ووظائفه. إن المجلس الانتقالي كبديل لسلطة ترفض بالتسليم للشرعية الثورية يدفع بالثورة في هكذا حال إلى تبني الصراع المسلح كما هو نموذج الثورة الليبية. وبناء على ما سبق: فأي مجلس انتقالي نسعى إليه ؟ وأي وظيفة سيتم تحقيقها .

السؤال المطروح أمام هذه التبسيطات « الغوغائية » هو كيف يمكن أن نحافظ على سلمية الثورة وإنجاحها مع تفعيل وسائل جديدة يوميا في الميدان ؟

إن الحديث عن ضرورة إنجاح الثورة والإصرار على سرعة الحسم بفترة زمنية محدودة مع سلطة متشبثة بالحكم حتى أخر قطرة دم في البلاد، هو قفز على المعطيات الواقعية التي تشكل عوائق خطرة وصعبة أمام طريق الثورة ، وهنا نعود إلى مكونات الفعل الثوري وهي ثلاثة كما تطرقنا إليها في مقال سابق كي نذكي عنفوان الثورة وفقا لنظرية تبادل الأدوار وتصعيدها :

1-  المعتصمون السلميون في الساحات : ينبغي أن نترك لهم حرية التصعيد إلى أقصى مدى والتفكير بأي وسيلة والتنفيذ بأي كيفية يستطيعون الوصول بها إلى الهدف دون تدخل من أحد مهما كان فعلهم لا يعجبنا ولا وصاية لأحد عليهم، بما في ذلك مسعاهم إلى تشكيل مجلس انتقالي يعبر عن جهدهم دون التدخل من أي طرف.

2-  الجيش الثوري والقبائل المسلحة: ينبغي أن يؤدي هذا المكون أدوارا مختلفة تخصهم ويتمثل في تفعيل دورهم العسكري في النزول إلى الميادين بلباسهم الرسمي تحت إمرة قيادة مركزية موحدة ليقوموا بحماية المعتصمين وحماية مداخل المدن ومخارجها والانتشار في نقاط عسكرية في المواقع الحساسة ومنها حماية المؤسسات والمنشآت ومنع كل العاملين فيها من مزاولة أعمالهم باعتبارهم يأتمرون بسلطة غير شرعية، ويتم السماح فقط لمن يتم إعلان ولاءه للثورة ، وكذلك التواصل مع زملائهم العسكريين المواليين للسلطة العائلية الممسكة بالحكم واستمالتهم وإنذار الرافضين بالمحاكمات العسكرية إن هم استمروا في تصويب سلاحهم على المواطنين العزل.

3-  قيادات الأحزاب: وهي المخولة حزبيا وسياسيا في تنشيط الحركة السياسية الفعالة على المستوى الإقليمي والدولي وكذلك على المستوى المحلي في إقناع الشخصيات الأكثر تأثيرا في الانضمام إلى صفوف الثورة، ونحن بحاجة إلى تخفيف جلدهم على سلوكهم السياسي الذي نراه غير مجد فان نجحوا في مهامهم فذلك نجاح للثورة وان فشلوا ففشلهم لأنفسهم ولا يلزم الثوار في شيء وكفى الله المؤمنين شر القتال. إذ أن إضعاف طرف لأخر هو إضعاف للثورة .

إن العلاقة المفترضة بين هذه المكونات ينبغي أن لا تتجاوز حدود التنسيقدون الاندماج فيما بينها حتى يبقى للثورة حضورها الثوري ودون الوقوع في فخ إشاعة الاستيلاء من أحد على أحد وحتى يصعب على طرف معين من التفاوض مع أي كان باسم الجميع ومصادرة حضوره الثوري.

واقعية التغيير في اللحظة الراهنة

إن الفرصة المتاحة أمامنا للتغيير الآن هو الضغط على الرئيس بالنيابة عبده ربه هادي منصور بتكليف شخصية توافقية ومقبولة من الجميع بتشكيل حكومة كفاءات من جميع الأطراف ويفضل أن تتوارى الأحزاب في هكذا حكومة، وعلى الحكومة أن تتولى التغيير العسكري والأمني والإعلامي وإعادة السلم الاجتماعي ومن لا ينصاع إليها يعد خارجا على الشرعية، علينا الضغط في هذا الاتجاه إلى أقصى مدى حتى إذا وصلت المحاولة إلى طريق مسدود بعدم الاستجابة لمطالب الشعب فان إدراجه ضمن أعداء الثورة الشعبية يصير حتميا للمطالبة برحيله وترحيله حتى ينتهي أي وجود سياسي للنظام الذي لم يبق له من تواجد سوى نائب الرئيس في ظل غياب الرئاسة والبرلمان ومجلس الشورى والحكومة.

في الواجهة الأخرى عند من يريد الحسم قبل هذا المسعى عليه أن يعلن للملا خطته الفعالة والأكيدة ونحن وراءه جنود مجندة لكن دون انتحار ثوري قد يهدد الثورة إلى الأبد إذا أصابها الفشل لان حجم الضحايا قد يكون أثره ارتداديا على الصمود الثوري في الميادين وهي أقوى مؤشر لإنجاح الثورة عاجلا أم آجلا.

إذا ما العمل في تطوير الفعل الثوري إزاء هذه التعقيدات ؟

التصعيد الذي لا يسمح بالتقاط الأنفاس: الحل الأكثر نجاعة وفاعلية وليس لنا حيلة فيما ندركه من وقائع بين أيدينا هو: أن يسعى كل طرف من مكونات الثورة للتصعيد المضطرد بحسب إمكانياته وقدراته والنهش في بقايا النظام الحالي وإضعافه يوما بعد يوم حتى يحين وقت سقوطه، إن من سيحدد وقت السقوط هو درجة التهالك والضعف الذي سيصل إليه النظام الحالي بفعل التصعيد المضطرد.

إننا مجبرون على استعمال نظرية « الجذام السياسي ». إن المصاب بالجذام لا شك ستتآكل أطرافه وتخور مفاصله وسيصبح أشلاء لا يقوى على الحراك ، إن هذا الخيار يقتضي منا تسريع التآكل وانتشاره في جسد السلطة المتهالكة يوما بعد آخر سواء من الأطراف ( = المحافظات) آو من المركز وأماكن تمركز القوة وأدواتها( العاصمة صنعاء ) وان نأتيه من كل صوب وحدب. إن السعي إلى التصعيد والتنسيق بين مكومات العمل الثوري كل حسب دوره ومجاله وقدراته سيفضي حتما إلى التمشيط الاجتماعي في رصد دقيق لمن هو مع الثورة ومن هو ضدها وبالتالي اتساع رقعة العمل الثوري وتقليص السلطة المضادة وإبطال فاعليتها.

إن ضمورا وفتورا نلمسه في نفوس البعض لكن ذلك لن يثنينا عن مواصلة المشوار وهذا هو جذوة الثورة التي لن يقدر أجد على إخمادها ، لكن شيئا غير مرئي لا نلتفت إليه وهي لا يقل عن الساحات الثائرة وهو انتشار الثورة في نفوس الناس جميعهم أطفالا ونساء وشبابا ومدنا وريفا وكسر جدار الخوف يجعل من الثورة أكثر حضورا من القوى المضادة المسنودة بالمال العام والكذب في وسائل الإعلام ، إلى جانب ما ترتبه القوى العسكرية في دهاليزها لما لا نعلمه عنها. إن من يمتلك حلا سحريا غير هذا الخط الثوري فليسعفـنا به حالا ولن نتردد بقبوله .

حتى فكرة الزحف إلى القصر لن تؤدي نتيجة حاسمة إن قام الشباب بها ، فالثورة المصرية قامت بالزحف على القصر الجمهوري غير أن من جعل الزحف ذو فاعلية هو موقف الجيش وليس الزحف بحد ذاته، فلو لم يـتـدخل الجيش المصري لكان الثوار في مصر لازالوا مرابطين أمام القصر حتى يومنا هذا. إن التوجه نحو إسقاط مؤسسات الدولة الواحدة تلو الأخرى أكثر فاعلية من الزحف إلى القصر الجمهوري، والزحف إلى المؤسسات السيادية الغرض منه إبطال مفعولها ومحاصرتها وتعطيلها وليس اقتحامها أو تخريبها كما يشيع الإعلام السلطوي المعادي للثورة.

عدم التعويل على الطرف الخارجي

إن تفسير ميوعة الموقف الخارجي من الثورة اليمنية مرتبط بضبابية الحسم في الداخل الذي لم نصل معه بعد إلى درجة الإقناع بان القوة تميل إلى الثورة بصورة لا تهزها الشكوك لدى الآخر وليس لدينا، حينها سيقف الخارج مع الطرف الأكثر حسما وحضورا بحكم الأمر الواقع ولو كرها وفقا لقناعته هو وليس لما نتصوره نحن عن أنفسنا، وبالتالي فلا تعولوا أن يأتيكم الدعم من الموقف الخارجي قبل أن يتبين الخيط الأبيض (= الثورة) من الخيط الأسود (= السلطة العائلية) وهذا يقتضي أيضا تجنب الاستعداء لهذا الخارج مهما كانت قناعتنا بدوره السلبي تجاه الثورة.

hodaifah@yahoo.com


في الجمعة 10 يونيو-حزيران 2011 05:50:40 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=10579