زيارة للدبلوماسي السعودي المختطف
عبدالرحمن عبدالله السقاف
عبدالرحمن عبدالله السقاف

طلب مني المشاركة في مهمة إنسانية تقتضي الوصول إلى موظف السفارة السعودية في صنعاء سعيد المالكي, المختطف في قبيلة بني ظبيان, والاطمئنان على صحته والمشاركة في إيجاد حل لهده المسألة.

انطلقت سياراتنا نحو أرض بني ظبيان متسلقة جبالها الوعرة حتى وصلنا إلى وادي ذنه المعروف تاريخيا بوادي أذنه والذي ترفده عشرات الأودية لتجتمع في الوادي الكبير الذي يصل هضبة اليمن بالربع الخالي.

وادي سحيق وعميق على جانبه جبلين منيفين بامتداد الوادي وعند السفح الجنوبي يجري الماء بشكل مستمر وبدونه لم يكن ليقوى أحد على الحياة هناك.

انقضت ساعات ونحن نسير في ذلك الوادي ثم سلكنا طريقاً فرعياً عندما رأينا شخصاً يجلس في ظلال شجرة, تعرف عليه بعض الأخوة من نفس المنطقة والمتطوعين ضمن مجموعتنا, وبعد أن عرف طبيعة مهمتنا طلب الانضمام لنا وإرشادنا إلى الطريق.

بعد تسلق المزيد من الجبال اقتربنا من هدفنا ونصحنا الدليل الجديد بعدم التوجه مباشرة إلى حيث يحتجز الخاطفون سعيد المالكي لتجنب أي التباس قد يحدث, وبدلا من ذلك الانتظار في منزل قريب حتى يتم إبلاغهم بقدومنا ويتم السماح بذلك.

المعروف عن قبيلة بني ظبيان أنهم أهل كرم لولا آفة الاختطافات, فلم تكد سياراتنا المنهكة تتوقف أمام المنزل القريب الواقع على قمة جبل حتى ارتفعت أصوات أهله بالترحيب شبابا وشيبا.

لم يتأخر وصول رسول الخاطفين لاصطحابنا إلى احد الشعاب حيث يقيمون.

توجهنا إلى وكر الخاطفين, شعب محاط بقمم عالية وله مدخل ضيق مسدود عمداً بالحجارة والأخشاب, وبعد أن تأكدوا من هويتنا أزاحوا العوائق من طريقنا سامحين لنا بالدخول.

مجموعة من الرجال كانت تنتظرنا في نهاية الشعب وخلفهم بعض الأكواخ, توقفنا فعلت أصوات الترحيب من جديد.

كنت أتفرس الوجوه مخمناً أيهم الخاطف الرئيسي صاحب المطالب ومتبني العملية, وحين تأكدنا أيهم يكون كانت دهشتي حقيقية, فالخيال يرسم صورة نمطية لمن يوصف بالخاطف لكن هذا شخص مختلف عن الصورة المتخيلة , شاب هادئ لا تشي ملامحه بأي ميل للعنف. كان هذا هو المظهر أما المخبر فاظهر الأدلة عليه سعيد المالكي الذي شعرت أننا على بعد أمتار منه.

بدأ الخاطف في شرح موقفه محاولا تبرير ما لا يبرره قانون أو عرف أو منطق, وانقطع الكلام بسبب قدوم أحدهم لينقل له أن الضيف سعيد المالكي يرغب في بعض التفاح والرمان..

بالتأكيد أن اقرب مكان تتوفر فيه هده الطلبات تصله السيارة بعد ساعات من السير المستمر بين الجبال. وكانت الإجابة قاطعة بتوفير طلبات الضيف...المخطوف !.

بعد أن أكمل شرح وجهة نظرة سمع منا الخاطف وجهة نظر أخرى, وكان من ضمنها انه لو سلمنا جدلاً بمشروعية مطالبك إلا أن هدا الرجل المحجوز وسط الجبال لا يربطه بكل هذه المشاكل شيء , وأن له أسرة تعيش قلق متواصل على سلامة أبنها, ثم ماذا كان سيكون شعورك لو كنت في ذات الموقف منتهك الكرامة مسلوب الإرادة ؟

 

 خصوصاً أننا سمعنا أن سعيد المالكي يعاني من مرض في الكبد.

بدا التأثر واضحاً في صوت الرجل وهو يتحدث, وبعد أخذ ورد شعرت أن القرار ليس في يد شخص واحد وأن هناك تعقيدات تحيط بالموقف في ذلك الشعب القصي من جبال بني ظبيان, وقد يكون من الأسلم للموقف ترك تفاصيلها لأوان لاحق.

طلبنا رؤية سعيد المالكي, فسمح لثلاثة منا بمقابلته, واصطحبونا إلى المكان المقصود والغير بعيد. كان المالكي جالسا حين دلفنا من الباب وقدمونا له وهو ينهض بنشاط لمصافحتنا , تبدو صحته جيده وبرغم القلق الأكيد إلا أنه بدا صلباً ومتماسكاً ونحن نتحدث معه , أخبرناه أن هناك جهوداً متعددة لإطلاق صراحة. وقبل أن نخرج قلت له بأننا سمعنا أنه يعاني من المرض وأن ما عليه إلا أن يخبرني عن اسم العلاج فيما إذا كان يحتاجه, فكان رده أن ذلك المرض لا يأتيه إلا أحيانا وأنه في الوقت الراهن لا يشكو من شيء.

عدنا إلى المنزل الذي قصدناه قبل النزول لشعب الخاطفين على أن نعود له في اليوم التالي , وفي الصباح وبينما كنا في الطريق إلى الموعد رأينا مجاميع من بني ظبيان تتوافد إلى مدخل الشعب , وكانوا جميعاً في حالة من الغضب شديدة بسبب حادثة الخطف التي اعتبروها إهانة وعار, وأن عليهم تطهيره بشكل يضمن عدم تكراره. ثم علا صوت العقل ليحول دون تفجر الموقف, ويقول أن التوقيت ليس الأنسب.

لا تزال الجهود مستمرة من أجل حرية سعيد المالكي. وفي ظل هده الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد بسبب الأزمة السياسية القائمة التي أرجو أن يجتازها شعبنا بسرعة لكي تكون الفرصة متاحة لإقامة دولة سيادة القانون, التي تستطيع ضمن ما تستطيع وضع حد لهده المهازل السوداء أمنياً وتنموياً وثقافياً, فإني كذلك أتمنى أن يكون سعيد المالكي حراً ومعافىً بين أهله حين تكتمل أحداث القصة وينسدل ستارا لفصل الأخير.

وأن تكون النهاية سعيدة لأزمة سعيد.. وأزمة اليمن السعيد.

saqqqaf@yahoo.com

  
في الخميس 28 إبريل-نيسان 2011 06:28:33 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=10053