الثورة اليمنية.. بين مخاوف السعودية ومخططات أمريكا
رياض الأحمدي
رياض الأحمدي

قد يكون صحيحاً أن الجوار والعالم حريص على أمن واستقرار اليمن وخائف أيضاً، لكن خوفه ليس فقط من الأسوأ، إنما مما يريده اليمنيون أيضاً.. بالإضافة إلى أن ما يحدث من مبادرات ومماطلات ليس معزولاً عما تمر به المنطقة فليس من المعقول أن الولايات المتحدة الأمريكية والصهاينة سيظل مكتوف الأيدي تجاه هذه الثورات التي تقودها الشعوب العربية ضد حراس الاحتلال..

والتفاصيل قد تختلف من ليبيا إلى اليمن وغيرها، لكن الواضح أن هناك أطرافاً خارجية دخلت أحداث الثورات العربية بعد نجاح ثورة مصر ، وأصبح الغرب طرفاً حاضراً عسكرياً في المشهد الجاري بين الشعوب وسلاطينها..

في ليبيا، وعندما بدأ القذافي بالمجازر الإجرامية كان العالم كله ينتقد الصمت الأمريكي تجاه القذافي، إلى أن أصبح الغرب والنيتو طرفاً عسكرياً يدافع عن المواطنين في ليبيا، مع أن المسألة لم تكن تحتاج من الغرب سوى عملية عسكرية تستهدف القذافي في قصر العزيزية في حال فشلت الضغوط السياسية وغيرها.. هذا إذا كانوا يريدون الحياة للشعب الليبي.

أما في اليمن ، كان المفترض أن لا يصمد نظام الرئيس علي عبدالله صالح أمام الطوفان الشعبي الهادر حتى لأسابيع، وها نحن في الشهر الثالث، وجزء كبير من الحزب الحاكم قد أصبح في صف الثورة بالإضافة إلى الجزء الأكبر من الجيش... لكن صالح لا يزال صامداً رغم انهيار نظامه عملياً وانعدام خيارات البقاء!

السيناريو الليبي لم يكن ممكناً في اليمن بذات التفاصيل، لاعتبارات عدة بينها أن الجيش اليمني أغلبه مع الثورة، ومن تبقى مع صالح هم يمنيون وقد لا يقدموا على القيام بما تقوم به كتائب القذافي، لذلك كانت الخيارات في اليمن أغلبها مماطلة ولعب على الوقت وتناقضات الثوار، والجوار المؤيد للثورة اليمنية كثورة، والخائف من الثورات العربية..

من هنا جاءت المبادرة الخليجية، وفي صيغتها الأولى، عبرت عن الرأي الخليجي الصادق الحريص، لمعرفته بالوضع اليمني واستحالة استمرار صالح.. لكن صالح استعان بالأمريكان لتعديل المبادرة، ولعب بمخاوفهم من الإسلاميين ليقتنع الخليج برأي صالح ويعدلوه ويقدم مبادرته الأخيرة.. وهي عملياً مستحيلة التنفيذ فالشعب اليمني الذي خرج من أقصاه إلى أقصاه لن يعود بأقل من تنحي صالح.. لكن ضغوطاً أمريكية وأوروبية وخليجية على المعارضة بقبول المبادرة جعلتها ترحب وتتحفظ مع علمها بعقبات ليست بالبسيطة في التنفيذ..

ولا خلاف الخليج وبالذات المملكة العربية السعودية حريص كل الحرص على أمن واستقرار اليمن، لكن حسابات اللحظة والتاريخ والمخاوف، وضعتهم في موقف جرح.. فملاحظات أمريكا لابد أن يستوعبها مجلس التعاون الخليجي، ودول الخليج بشكل عام تخشى المزيد من النجاح لثورات الشعوب خوفاً من أن تصل إليها.. وللسعودية حسابات خاصة مع الوضع اليمني، فهي غير راضية عن صالح، وحلفاؤها من رجال القبائل وغيرهم هم في صف الثورة بالإمكان الضغط عليهم بطريقة أو بأخرى.. فحاولت التوفيق بين الطرفين عن طريق تقديم المبادرة التي يتم عن طريقها التغيير، وفي نفس الوقت جعل ما يحدث وكأنه أزمة سياسية بين الحاكم والمعارضة وليس ثورة شعبية، فالأخيرة يخشى منها خليجياً..

الملاحظات الأمريكية واشتراطات صالح قدمت تعديلاً على المبادرة جعلها في موقع المستحيل، ومن ذلك سحب الاعتصامات، وأوقعت المعارضة بين ضغط الجوار الإقليمي المؤثر ومن ورائه العالم الذي أيد المبادرة، وكذلك بين الواقع الذي لا يقبل المساومة وميادين الثورة التي قدمت مئات الشهداء.. حتى أن ضغوط السعودية على حلفائها في صف الثورة قد لا تجدي نفعاً، لأن أي موقف لا ينظر للواقع لن ينقذ البلاد ولن ينصرهم .. وفي ذات الوقت الرفض للعالم لن يجعلها في موقف أفضل.. على الأقل من بوابة الدعم الاقتصادي المعول عليه من هذه الدول. وموقف الخليج حتى الآن متردد ومتأثر وخائف.

علي عبدالله صالح من جهته لا يعرف ما الذي سيحدث غداً بالضبط، والمؤكد أنه لن يتردد في خلط الأوراق ومعاقبة خصومه والانقلاب على أي اتفاق إذا وجد ما يمكنه من ذلك، ما يجعل الثقة فيه معدومة داخلياً، أما خارجياً فهو يلعب على مخاوف الغرب والجوار من الثورة والانفلات... كما أنه لن يستمر في السلطة في كل الأحوال. فهو اليوم قادر على التدمير ويخشى منه، وليس قادراً على البناء ولو للحظة..

وإذا كان الشعب اليمني، والمجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قد اقتنع بتغيير صالح وانسداد خيارات بقائه، لماذا يتمسك هذا الرجل بالسلطة، ولماذا الغرب لا يقف موقفاً حازماً من أجل تنحيه؟

مختصر ذلك حسب بعض التفسيرات، هو أن الولايات المتحدة تريد استخدام ما تبقى من قدراته التخريبية للتحكم بنتائج الثورة، وليس من أجل بقائه، فهم يخافون من الإسلاميين، ويخافون من القوى الوطنية الشابة الصاعدة التي تحمل موقفاً فطرياً تجاه الاحتلال الصهيوني وتريد حياة أفضل للأمة.. فهم بالتالي أمام التغيير كخيار حتمي، ولكنهم يحاولون التحكم التغيير بما يجعل هذا التغيير يخدم مصالحهم، أو على الأقل لا يهددها.. فهم يتعاملون مع الثورات العربية كواقع فرض نفسه سلمياً لا يمكن التعامل معه عسكرياً بما يجعلها لا تؤدي إلى قوة عربية تهدد إسرائيل، وتحقق أحلام الشعوب قدر ما ينتج عنها التغيير بطريقة صعبة ومملة تضعف الشعوب وتتحقق عندها المطامع والمصالح الأمريكية والصهيونية قدر الإمكان.. ونلحظ ذلك من خلال المبادرة الخليجية التي لا تحقق التغيير الشامل وإنما تقاسم السلطة وإبقاء أسباب التوتر.

ولنعد إلى ليبيا سنرى أن الغرب تواطأ مع القذافي في الجرائم لكي يتم ضرب الثورة وضرب ليبيا بشكل عام، ليتدخل في الأخير ويجهز على نظام القذافي، ويكون صاحب الفضل في انتصار الثورة الليبية وبالتالي سيتدخل في بناء الدولة الليبية القادمة، وضمان ولائها وعدم خروجها عن أجندته التي تنفذها الأنظمة العربية المستبدة في العادة.. ويبدو أن ذلك المخطط المتمثل في إفساد الثورات والتحكم بها بدأ بعد نجاح الثورة المصرية..

حالياً، نظام صالح سقط عملياً ولا يحتاجه الغرب مستقبلاً، ولم يعد سوى أداة مسلحة يمكن استخدامها في حرف مسار الثورة وجعلها مكلفة، وضرب الإسلاميين ومختلف القوى الوطنية بها، ليتم إدانتها بعد ذلك، وتكون أمريكا قد أضعفت تلك القوى وحصلت على ما تريده هي، ويقوم نظام جديد لا يحقق التغيير الجذري لصالح الشعب، بقدر ما يحقق التغيير.. ويكون الناس قد ملوا الثورات وغيرها.. وأصبحوا على استعداد للتسليم بالأمر الواقع الذي تدخلت به أمريكا.

وبين واشنطن والرياض وصالح والمعارضة هناك اللاعب الأهم الذي يعول عليه في تحقيق أهدافه وهو الشعب اليمني وشباب الثورة، القادر بإذن الله على تعدي كل العقبات وقلب أوراق اللعب الدولية والإقليمية، للوصول إلى بلده المنشود بإصراره وتضحياته، وعندها سيحترمه العالم أجمع وسينصاع لخياراته، فقط المزيد من الصمود، للوصول إلى الغد المنشود.


في الخميس 28 إبريل-نيسان 2011 12:07:15 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=10039