إفلاس نظام الرئيس
بقلم/ ذياب عبد الواحد القبلي نمران
نشر منذ: 7 سنوات و 4 أشهر و 15 يوماً
الإثنين 28 فبراير-شباط 2011 10:58 ص

ثلاثة وثلاثون عام من حكم الرئيس صالح تزيد في مجملها على مجموع فترات حكم الإمامين يحيى واحمد حميد الدين كما إنها تزيد أيضا عن مجموع فترات كل الرؤساء الذين حكموا اليمن في الشمال وفي الجنوب منذ الثورة ناهيك عن كون فترة حكمة هي الأطول من بين كل الزعماء الحاليين على مستوى الوطن العربي والعالم الثالث إذا ما أسقطنا نظام القذافي الذي يحتضر .

بمعنى آخر أنها فترة أكثر من كافية لأي نظام فردي كان أو ديمقراطي لتقديم كل ما لديه وتنفيذ مشروعه الخاص في بناء الدولة التي يريد , إلا إذا كان لا يمتلك أي مشروع من الأساس , وهو ما ينطبق على نظام علي عبدالله صالح الذي ظل نظاماً طفيلياً يعتاش على المنح والمساعدات والقروض باستعطاف الخارج أحياناً وأخرى بابتزازه , عبر افتعال الأزمات والتلويع بتصدير نتائجها إليه .

إن أكثر من ثلاثة عقود من إدارة البلاد بالأزمات وبمحاباة مراكز القوى وانتشار الفساد وتشجيعه وغياب العدل والتنمية الحقيقية وسياسة التجهيل وشراء الولاءات وتزوير أدوات التعبير والتغيير كانت كفيلة بإنتاج نظرية حكم تطورات من طريقة أداء إلى سلوك حياتي ثم إلى ثقافة جمعية لتصبح في النهاية معتقد عزز من سيادته الإسهاب بالروح والدم التي ظل الشعب يفدي بها الرئيس إلى حد الإسراف الذي قتل فينا روح المبادرة وجفف دم الكرامة التي تنتصر للمظلوم والجائع والعاطل عن العمل وغيرهم من حملة المآسي في هذا الوطن الحزين .

وبناءاً على ما تقدم فإن من العبث مطالبة نظام مثل هذا بالإصلاح أو التغيير وبقدر ما نشفق على أولئك المعتقلون من السلطة الذين يحاولون – بدون قصد – تحميل وجه النظام المشوه بالدعوة إلى المنطق والحوار من أجل الإصلاحات بقدر ما نشفق أيضا على المعارضة الغارقة بالبحث في صيغ الضمانات الممكنة لتنفيذ مبادرة الرئيس ـ أو الأفكار المطروحة حسب تسمية المعارضة لها .

والتي لا تحمل أي جديد ولا تقدم أي تنازلات باعتبار التمديد والتوريث ليس من حقه حتى نعتبر التخلي عنهما تنازلاً .

شخصياً أعتقد بأن ليس من المنطق أو العقل الوثوق بأي ضمانات يمكن أن يقدمها النظام بل أنه ضرباً من الجنون والخيانة للشعب ان نثق بالرئيس أو بأي تغيير يمكن ان يحدث في عهده لانه قد أعطى كل ما لديه والاستمرار هكذا مطالب هي من باب تحميله ما لا يحتمل وفوق حدود طاقته واستطاعته .

منطقياً فالضمان الحقيقي للتغير هو إسقاط النظام ومحاسبة رموزه وهي حقيقة أدركها الشعب ونزل بها إلى الشارع متجاوزاً بذلك وعود السلطة ومطالب المعارضة ودوامة الحوار البيزنطي والداعين إليه .

نعم لقد أمسك الشعب بزمام المبادرة مستلهماً روح الثورة من الشعبين التونسي والمصري , فاستمرار الاعتصامات والمظاهرات والدوام عليها وأتساع رقعتها أفقيا ورأسياً على مستوى الوطن , وإنفراط عقد المسبحة التي ظلت محيطة بالحاكم هو مؤشر حقيقي على وعي الشعب وإدراكه الفكرة أنه هو صاحب الحق وصاحب الفعل وإن القدر سيستجيب لإرادته في الحياة .

ندرك جيدا أن الثورات لا بدل لها من تضحيات وهي ضريبة يجب أن نستعد لدفعها , ولكننا ندرك أيضاً أنها في أسوأ الأحوال لن تكون أكبر من هذا النزيف الدائم لكل مقومات الحياة ولكل مقدرات وثروات الوطن ,

فمنذ ثلاثة عقود وأرواح اليمنيين الطاهرة تزهق ودمائهم الزكية تسيل هنا وهناك وثروات البلد تنهب وتباع بأبخس الأثمان , والعبث بحقوق ومظالم الناس أصبح ظاهرة يومية يكتوي بنارها الجميع , وما حركة التمرد الحوثي في الشمال والحراك السلمي والمسلح ومطالب الانفصال في الجنوب إلا نتائج منطقية وطبيعية لممارسات النظام الفاسد وطريقته في إدارة البلاد , فمن الطبيعي في غياب المشروع الوطني أن تظهر المشاريع الصغيرة ولا بد من ظهور وحركات احتجاجية بأجندات وأساليب متعددة نتفق او نختلف معها .

غير أن الحقيقة الأكيدة هي أن هذا النظام مثل بيئة خصبه وحاضنه لنمو هذه الحركات , ناهيك عن دعمه لها واستخدامها كأوراق لاستمرار حكمه , وابتزاز الخارج بها عبر فزاعة القاعدة والمتطرفين والإرهاب كبديل لنظامه وتهديد الداخل بالصوملة والتشظي وتفكيك الوطن الواحد , لإن الرئيس هو الوحيد الذي (( يجيد الرقص فوق رؤوس الثعابين )) .

ولكنه وصل إلى مرحلة من الإفلاس بإن يستنسخ فيها الفشل دون بصيرة فاستخدام البلطجية لقمع وترويع المتظاهرين هو نسخة مكررة من ممارسات اللحظات الأخيرة للنظامين التونسي والمصري والتي كانت أحد الأسباب في تعجيل رحيلهما , ناهيك عن مجموعة إجراءات الترغيب وخطب وممارسات الترهيب والوعيد ولن تكون آخرها كلمته أمام الاجتماع الموسع لقادة القوات المسلحة والأمن التي ذكرهم فيها بأنهم اقسموا على الدفاع عن الوحدة وحماية النظام الجمهوري حتى آخر قطرة من دمائهم متناسياً بأن الكل يدرك بأن النظام الجمهوري ليس علي عبدالله صالح وأن دعاة التغيير لا يريدون الانقلاب على النظام الجمهوري بل أنه إذا كان هناك ثمة من أنقلب على النظام الجمهوري فهي ممارسات الرئيس نفسه من تسليم مفاصل الدولة العسكرية والأمنية والاقتصادية لأبنائه وإخوانه وأبناء أخيه وأقاربه وأنسابه على معايير الولاء لا الكفاءة والاقتدار .

سيدي الرئيس :

البطالة ليست مؤامرة خارجية والجوع ليس مؤامرة خارجية وكذلك القهر والمظالم ليست مؤامرة خارجية وكل ذلك وما عداه لا يمكن ان يكون (( عقد من مخلفات الاستعمار )) .. أنها جميعاً نتائج حتمية لطريقة إدارة نظامك للدولة , وبوضوح أنها حصاد ما زرعت ومن يزرع الشوك لا يمكن ان يحصد رضى الجماهير وتأييدها .

خلاصة القول كما أنه لا خيار أمام الرئيس يبقيه في عتبة (( التاريخ الباهت )) الإ أن يفكك نظامه الأسري سلمياً ويعيد السلطة المسلوبة للشعب ليختار حكامه بنفسه , فإن لا خيار أمام الشعب إلا الاستمرار في النضال السلمي بكل أدواته من أجل إسقاط هذا النظام الذي أجزمَ بأن استمراره هو الخطر الحقيقي على الوحدة الوطنية وعلى السلم الاجتماعي وأن لا عافية لليمن إلا بالتغيير وقيام المشروع الوطني لبناء الدولة الحديثة الذي تذوب في حضوره كل المشاريع الصغيرة ولعل تحول شعارات المظاهرات في الجنوب إلى إسقاط النظام بدلاً من فك الارتباط , وارتفاع صوت المظاهرات في صعدة بدلاً من صوت البندقية ولغة الدم , لعل ذلك أمضى الأدلة على ان الشعب اليمني الواحد بجميع مكوناته المدنية والقبلية شمالا وجنوباً وصل إلى مرحلة بات يعرف معها مصلحته جيداً ويشق طريقه نحو حياة حرة وكريمة متجاوزاً كل أصحاب المصالح والأصوات النشاز في الداخل والخارج ...