وأن تصوموا خير لكم
بقلم/ د. محمد معافى المهدلي
نشر منذ: 10 سنوات و 5 أشهر و 22 يوماً
الإثنين 02 أغسطس-آب 2010 06:31 م

صحيحٌ بل أكيدٌ، أنّ الصيام كُتب على أمم وشعوب كثيرة، قبل أمة الإسلام، كالمصريين القدماء والبراهمة والبوذيين، وحتى النصارى، كما قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة183، إلا أنّه فيما يبدوا لم تنل أمة من الأمم على مرّ التاريخ الحظ الأوفر من عبادة الصيام، وبركته ورحمته وهداه وتقواه وخيريته، ما نالته أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كانت أمة الإسلام كغيرها من الأمم فُرض عليها أصل الصيام كما فُرض على من قبلها .

من منحِ الصيام الربانية وفوائده الصحية والنفسية، أنّ الجسم والمعدة منه بشكل أخص تتخلص في شهر الصوم مما فيها من المعادن والمواد السامة نتيجة الأكل والشرب المستمر، طوال العام، وهو ما أكده البروفيسور \"بيلوي\" في كتابه الجوع من أجل الصحة، سنة 1976م، حيث قال: \"الإنسان وخاصة سكان المدن الكبرى، بحاجة في كل عام إلى الصوم، وذلك بالامتناع مدة 3-4 أسابيع، كل سنة، كي ينعموا بالصحة التامة طوال حياتهم\".

ويؤكد الأطباء المسلمون فوائد مذهلة ومدهشة للصوم وأثره الإيجابي على الجهاز الهضمي والتناسلي والقلب والعظام، بل باتت بعض المصحات النفسية والطبية في أوربا وأميركا تعالج كثيراً من زبائنها عن طريق الصوم على الطريقة الإسلامية.

وجد أيضاً أنّ إنتاج الهرمون الجنسي يكاد ينعدم مع الصيام، وهذا فيه ما فيه من الإعجاز الخبري وسر من أسرار الصيام، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنّ في الصوم وِجاءً، كما في المتفق عليه، والوِجاء هو رض عروق البيضتين، فيكون الصائم أشبه بالمخصي، فلا يشعر بعذابات العطش الجنسي وآلام الغريزة، نتيجة انعدام إنتاج هذا الهرمون الجنسي الذي يفرزه الجسم، إلى غير ذلك من المنافع الدينية والدنيوية في الصيام والتي جمعها الله عز وجل في قوله تبارك وتعالى: {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} البقرة 184، ومقتضى هذه الآية الكريمة أنّ هذه الخيرية شاملة عامة ولله الحمد والمنّه .

وأما خيرية الصيام اجتماعياً فمعلوم أنّ شهر الصوم هو شهر صلة الأرحام والتزاور والبر والصدقة والإحسان إلى عموم الناس، فضلاً عن الأقارب والأرحام، وقد كان صلى الله عليه وسلم أجود ما يكون في رمضان، فكان كالريح المرسلة، وفي رمضان يتزاور الجيران والأهل ويعطف الأغنياء على الفقراء والأقوياء على الضعفاء والحكام على المحكومين، ويعم الإخاء والسلام أرجاء المجتمع المسلم، وما نراه في ديار المسلمين من ممارسات منافية لحقيقة الصيام، من الفتن والصراعات والغلاء الطاحن خلال شهر رمضان، إنما هو بسبب عدم فقه أحكام هذه العبادة، حيث يعتبر البعض هذه العبادة ضمن ثقافة العادات والتقاليد وحسب، ولا يعتبرها عبادة لله وقربة إليه، ذات شروط وواجبات وأركان مخصوصة، مما جعل كثيراً من أهداف الصيام وغاياته تغيب عن بعض الصائمين.

ومن الجدير بالذكر هنا في هذا المقام الإشارة إلى كلام الإمام الغزالي في إحيائه حيث قال: \" فأي جدوى لتأخير أكلة وجمع أكلتين عند العشاء مع الإنهماك في الشهوات الأخر طول النهار ولو كان لمثله جدوى فأي معنى لقوله صلى الله عليه وسلم، كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش، ولهذا قال أبو الدرداء يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم كيف لا يعيبون صوم الحمقى وسهرهم ولَذَرّة من ذوي يقين وتقوى أفضل وأرجح من أمثال الجبال عبادة من المغتربين، ولذلك قال بعض العلماء كم من صائم مفطر وكم من مفطر صائم\" الإحياء: (1/236).

إنّ استشعار رسالة الصيام وفهم مقاصده - والتي في مقدمتها نشر الإخاء والسلام وتوطيد عرى التكافل والتضامن الاجتماعي- هو الكفيل بغياب كل المظاهر المشاهدَة والمألوفة في كل رمضان، من البذخ والترف والظلم والتسلط، والاحتكار التجاري والتسيب الوظيفي، والاحتقان الاجتماعي، والقلق السياسي، وغيرها من المظاهر المنافية والمصادمة لفقه الصيام .

فهل يعي المسلمون اليوم هذه الغاية السامية من فريضة الصيام، فيجعلون من رمضان شهرا للود والإخاء والسلام الاجتماعي، والألفة والمحبة، والرحمة والتكافل والتضامن، والهدنة فيما بينهم، أم نستقبل رمضان بإزهاق الأنفس والأرواح وقطع الطرقات والفجور والعهر عبر الفضائيات..!!.

للأسف أن البعض يتعامل مع هذه العبادة الفاضلة كما يتعامل النصارى مع أعيادهم ومناسباتهم الدينية، على حد تعبير عميد الصحافة العربية فهمي هويدي، وذلك حين يجعلون من هذه المناسبات الفاضلة التي القصد منها سمو الروح وطهارة القلب وإصلاح النفس والمجتمع، مناسبة للعربدة والفجور، والفساد في الأرض.

أما خيرية رمضان سياسيا، فشهر الصيام هو شهر السلام مع النفس ومع المجتمع ومع البيئة والحياة والأحياء، وفي المتفق عليه (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم).

ولا يعني هذا أنّ رمضان هو شهر الخنوع والمهادنة للباطل والفساد في الأرض، بل على العكس من ذلك، فشهر الصوم هو شهر الانتصار على هوى النفس الأمارة بالسوء، وشهر الانتصار على القيم والعادات الفاسدة، وشهر الانتصار على الأعداء المحاربين لله ورسوله، ومن خلال الاستقراء لمعارك الإسلام الخالدة وانتصاراته التاريخية، وجدنا أنّ أغلبها إنما وقعت في رمضان.

فيا ترى هل يجعل المسلمون من رمضان هذا العام شهراً للنصر والمجد والرفعة والعزة، من خلال جمع كلمتهم ووحدة حركتهم ومواقفهم، والالتفات إلى قضاياهم المصيرية.

بربك هل سيجعل القادة العرب من ليالي رمضان ليال للقاءات العربية العربية لتدارس سبل نهضتهم ووسائل قوتهم وطرق وحدتهم وأطر تعاونهم واتفاقهم، وهل يجعل القادة العرب من رمضان هذا العام شهراً للتصالح مع الذات والتصالح مع الأمة والتصالح مع الله، والتصالح مع منهج الإسلام، هل يجعل القادة العرب رمضان هذا العام شهراً لفك الحصار عن غزة وتسيير قوافل الدعم والمساندة للمرابطين على ثرى فلسطين الطاهر.

في رمضان هذا العام هل ستتوقف الفصائل الصومالية والعراقية ولو في هذا الشهر الكريم عن ثقافة التفجيرات والأشلاء المتطايرة والدماء المسكوبة.

في رمضان هذا العام ترى هل ستتوقف الصراعات الدموية على أرض اليمن، وتغلب الحكمة اليمانية منطق الفوضى وشهوة القتل والإبادة، وهل ستتوب الحكومة اليمنية توبة نصوحاً عن ثقافة الجرع السعرية وإثارة الفتن القبلية.

أسئلة كثيرة نطرحها بين يدي رمضان هذا العام، وكل عام، عسى أن تجد طريقها إلى أرباب القرار السياسي في أمتنا وعسى أن تجد جواباً عليها، من أرباب الحكمة والعلم والمعرفة والثقافة في أمتنا، ولو في شهر رمضان .

تلكم أيها الأعزاء إشارات سريعة لبعض غايات الصيام وأهدافه، نسأل الله الكريم أن يبلغنا وإياكم شهر الخير والبر والطاعة والصيام والقيام، وأن يجعل شهر رمضان شهر خير وعز ونصر للإسلام والمسلمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،،