تركة الشيخ الأحمر
بقلم/ د. عبدالخالق هادي طواف
نشر منذ: 8 سنوات و 8 أشهر و 3 أيام
الأحد 15 نوفمبر-تشرين الثاني 2009 07:02 م

الشيخ عبدالله بن حسين الاحمر أحد دعائم الثورة اليمنية سبتمبر, وقدم واجباً وطنياً لا يمكن لأحد إنكاره, حيث أسفر نضاله عن إزاحة أعتا نظام رجعي عرفته اليمن, وليس ذلك فحسب فقد عاش حياة اجتماعية حافلة, رأس خلالها قبيلة حاشد, ولكنه لم يكن كغيره من زعماء القبائل يعيش للسهر على مصلحة قبيلته, فقد نصب نفسه أباً وزعيماً محباً لكل قبائل اليمن, ويذكر الناس علاقته المميزة بالشيخ الشائف والوالد الشيخ سنان أبو لحوم, وهم جميعاً من رجالات الصف الوطني الأول, حيث قدموا التضحيات الجسام في سبيل استقرار اليمن ووحدته وأمنه, وغلبوا في مواقف كثيرة لا تحصى مصلحة اليمن فوق مصلحة القبيلة والمصلحة الشخصية. وقد رحل الأول في ظروف غير مواتية, كان اليمن لا زال بأمس الحاجة لحكمته وجهوده وعقله الراجح, ولكنها إرادة الله وقضائه وقدره, وقد استقبل جميع أفراد الشعب نبأ وفاته بكثير من الحزن والأسى ليس حزناً على أولاده مثلا أو أسرته فهم ما شاء الله يعيشون في بحبوحة العيش, ولكن الأسى كان على أنفسهم وعلى الوطن والقبائل التي تسعى جميع القوى المعادية لليمن واستقراره وأمنه لتزييف وعيها وجعلها تنخرط في مشروع يفضي إلى تقسيم اليمن وتحويله إلى كيانات ضعيفة متنازعة, وهذه الفكرة تعد أحد لبنات مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي تطبخه واشنطن وإسرائيل, وهو ذات المشروع الذي يجعل أمريكا حليمة حلم الأحنف بن قيس مع نظام الملالي في طهران, والذين ينبشون بفتنهم نيران الكراهية في كل مكان.

ومن جهة قبيلة حاشد فهي لم تخسر الكثير برحيله, حيث إن المرحوم كان يعامل أفراد هذه القبيلة كما يعامل أفراد القبائل اليمنية الأخرى, وبعد رحيله لم يفقد أحد أفراد هذه القبيلة حظوته أو جاهه لأنه لم يكن لأحد فيها أي جاه, ويعرف الجميع إن الشيخ الأحمر رحمة الله عليه كان لا يألوا جهدا في أن يصهر القبائل اليمنية في بوتقة وطنية واحدة, وأن يحولها من قبائل مختلفة إلى قبيلة اليمن, وقد نجح إلى حد بعيد, تعينه على ذلك حكمته وفطنته وفهمه العميق لتفاصيل التفاصيل.

ولا يمكن لأحد أن ينسى موقف الشيخ الأحمر الصلب في مواجهة مشروع على سالم البيض الانفصالي, حتى أنه وفر ملايين الدولارات لدعم المجهود الحربي والشعبي المساند للقضاء على الانفصاليين وعدم التفاوض معهم على مصير الوطن الواحد مما أعطى للرئيس على عبدالله صالح قوة إضافية في القضاء على ذلك المشروع الذي هدد بتقسيم اليمن.

وقد أبدى الشيخ الأحمر في مواقف كثيرة دهاءً عظيماً, وفي مواقف أخرى أبدى شجاعة عز على أبناء هذه الأيام أن يتحلى بها, وهذا أمر طبيعي, فهكذا صفات العظماء وهكذا يدخلوا التاريخ.

توفي الشيخ الأحمر ولكن قلبه لم تخمد نبضاته بحب هذا الوطن ووصيته لأولاده من بعده تظهر هذا الحب, ورغم الخلافات الجانبية التي ظهرت بين الشيخ الأحمر وبين الرئيس فإنه لم يطعن أحد من الخلف ولم يتآمر ضده كونه يعلم ان ذلك يطعن استقرار البلد وأمنه, ولم ينكص يوماً ما عن مبادئه وقيمه التي آمن بها سواء كان في السلطة أم كان في المعارضة, فنقطة الخلاف دائماً كانت تدور حول أسلوب إدارة الأزمات وليس حول إدارة الأزمة ذاتها, وتعتبر حياة الشيخ الأحمر ونضاله وعلاقته المتميزة مع رئاسة الجمهورية, ووضع خبرته وقوته وعلاقته في خدمة اليمن بمثابة علامة فارقة بين المعارضة التي تحب اليمن وتلك التي تحب الثمن.

ويتفق الجميع على أن علاقته بالعربية السعودية كانت قوية حيث كان الأشقاء في السعودية يحترمون له مكانته في الأوساط القبلية والاجتماعية في الوقت الذي كانت مشكلة الحدود بين البلدين مستعرة, ولكنهم حينما كانوا يريدون منه خدمة تفضي إلى ضياع الحق اليمني كان ينبري للدفاع عن هذا الحق وعدم التفريط به حتى لو كان ذلك على حساب العلاقة الإستراتيجية التي تربطه بهم, وليس أدل على ذلك من موقفه إبان حرب صيف 1994 حينما ضحى بعلاقته بالشقيقة الشمالية بعد أن لمس منهم عدم تأييدهم لوحدة الوطن وهي تلك السحابة التي انقشعت بين اليمن والسعودية, وأفضت إلى حل النزاع التاريخي بتغليب المصلحة الوطنية والإسلامية على ما سواها من ترهات, ولا ينكر أحد أن حكمة الرئيس على عبدالله صالح والشيخ عبدالله بن حسين الاحمر كان لها الدور الأكبر في التوصل إلى اتفاق الحل, ولا يمكن اتصاف احد بالحكمة إلا عبر استعراض المواقف العملية والتاريخية ومنها يتبدى لنا قدر الحكمة التي كانت بين ظهرانينا دون أن نشعر.

والآن ونحن دون مظلة الشيخ الأحمر ونظاراته التي تميز الغث من السمين وعصاه الحنونة أصبحنا نعيش بين مشايخ يدعون حميد الصفات والأخلاق ولكنهم والوطن على طرفي نقيض والمواقف فقط من نحللها ونخلص إلى ذلك منها, حيث إن الوطن يعيش في أيامنا هذه أزمة كبيرة في الشمال والجنوب, وهي أزمة سياسية واجتماعية واقتصادية وإنسانية ودولية كارثية, ولكن أصلها الأزمة الاقتصادية التي أحالت ملايين القوة المنتجة إلى صفوف العاطلين أو بالأصح إلى مقايل القات, وقد تفجرت هذه الأزمة في المحافظات الجنوبية حينما كانوا يتوقعون من الوحدة أن تنقلهم من الواقع البائس الذي كانوا يعيشونه إلى حياة كريمة ورغد من العيش, ولكنهم اكتشفوا شح الإمكانيات الهائل, وأن الحالة المعيشية التي كان يعيشها الشعب في الشمال لم تدم, وتلاشت آثار الحياة الكريمة التي كانوا يتخيلونها حتى طالت الشمال نفسه, وتفجرت الأزمات.., وقد استغلت عصابات التمرد والرجعية الحوثية هذه الأزمة الاقتصادية في الشمال وجذبت إلى صفوفها كل من لم يحصل على وظيفة أو يلتحق بالعسكرية وهم كثر, ناهيك عن التغرير الذي مارسته في ظل غياب قيادات قبلية وطنية تجذب هؤلاء الشباب والعاطلين وتتصل بهم بكافة الوسائل وتحتفظ بهم ذخيرة لهذا الوطن, فقد انشغل هؤلاء بإدارة الأعمال التجارية والسيطرة عل الوكالات التجارية العالمية والدخول في شراكات اقتصادية على المستوى الدولي والوطني والسيطرة على حصص سوقية أكبر, كل ذلك حدث والتربة التي أودعناها جثمان الشيخ الأحمر لم تجف.

يقول الشاعر: إِذا رأيتَ الهوى في أمةٍ حكماً ... فاحكمْ هنالكَ أن العقلَ قد ذهبا

قد يقول قائل إن جميع رجالات الأعمال هؤلاء استغلوا غياب العملاق الأحمر لكي يتفرغوا لمشاريعهم الصغيرة بعد أن فرض الشيخ الأحمر عليهم مشروعه الوطني الكبيرة فترة طويلة من الزمن بدون تحقيق أي هامش ربحي, ولكن غياب المرحوم أضر حتى بهؤلاء من حيث لا يشعروا, فقد فقدوا أرواحهم وباعوها بالريال حيناً وبالدولار حيناً وبالدينار حيناً آخر, ولو كان الشيخ الأحمر بين ظهرانينا ما تجرأ إبليس الشرق الأوسط على الغواية.

وقد يقول قائل إن جميع رجالات الأعمال هؤلاء استغلوا غياب العملاق الأحمر رحمه الله لكي يتفرغوا لمشاريعهم الصغيرة ولكنهم لم يحققوا مشاريع صغيره بقدر ما أضروا بتركة الشيخ الأحمر, فقد عمدوا إلى تشويه مواقف الشيخ الأحمر والدخول في المنزلقات التي كان يتجنبها ومصافحة أعداء اليمن ومقارعة أبنائه, وهو ما يعد نكوصاً واضحاً عن مبادئ وقيم ووطنية الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر, الذي كان يفرق بين الخلافات في الرأي والمصلحة الوطنية, وكم من مواقف أداها في خدمة الوطن حتى لو كان في خلاف مع المؤسسة الرئاسية.

ولكن لا خلاف على أن المعارضة الموجودة في الساحة أصبحت تتخذ الابتزاز للحاكم أسلوباً والتهجم مبدأ والتشويه للحقائق أساسا لمعارضتهم وتزييف وعي الشعب وسيلة, وأظهروا في مواقف كثيرة أنهم في سبيل فوزهم بالحكم مستعدين للسير طويلاً في طريق أحمد الجلبي.

ولذا فقد بكى الجميع الفقيد بالدموع سواءً كانوا في صفوف الشعب البسيط الباحث عن المسؤول المتواضع والمتواصل معهم, أو كانوا في المعارضة التي كانت ترى في الشيخ الأحمر الصورة المثالية للمعارضة والتي تتمنى أي معارضة في العالم أن تكونها, أو كانت السلطة التي رأت في انطفاء شمعة المرحوم الأحمر دخولاً في النفق المظلم, حيث استلم المعارضة رجالات الأعمال, ومشروعهم التجاري يتمثل في الفوز بأكبر حصة سوقية من الوطن, أملنا كبير في أبناء الشيخ الأحمر أن يحافظوا على تركته ويحافظوا على القيم والمبادئ التي آمن بها ويضعوا أيديهم في يد الرئيس الصالح من يريد لليمن الأمن والاستقرار, وأن يكونوا صمام أمان لهذا الوطن الذي افتقد لمحبيه, التركة كبيرة وهائلة ولا يستطيع أن يحملها إلا رجال أقوياء يحبهم الشعب ويحبوا اليمن.

وفي الحقيقة فإن الشيخ صادق بن عبدالله بن حسين الأحمر خليفة والده معني أكثر من أي وقت مضى بالحفاظ على تركة والده من خلال الدعوة لاجتماع الكلمة وإسكات الأصوات النشاز التي تنبعث من هنا وهناك تشوه سيرة والده بل والد كل الشعب, وليتذكر أن تاريخ والده كتب بالنضال والتضحية والبأس وليس بالتجارة والصفقات وهو خير من يعلم ذلك, فالمرحلة ساخنة, والأعداء تتربص, مع تأكيدنا أن الإيثار وحب الوطن والاصطفاف الوطني وخوض المواقف الصعبة وتقديم التضحيات كلها عوامل تصنع الرجال وتؤثر في الشعوب وفي التاريخ.

abdtwaf@hotmail.com