مأرب قلعة الصمود ونبض اليمن الكبير
بقلم/ سلمان العفيف
نشر منذ: شهر و 5 أيام
الأحد 09 أغسطس-آب 2026 06:27 م
 

على خريطة الوجع العربي حيث تتكسر الأمواج العاتية على صخور الشموخ تقف مأرب كأنها المعلم الأخير للكرامة والسد الحصين الذي يعصم ما تبقى من جسد الوطن المحتضر،

ليست مأرب مجرد مساحة جغرافية تحاط بالرمال وتعانق السماء بل هي فكرة عصية على الموت وفصل من سفر الخلود السبئي يعاد كتابته اليوم بدموع الثكالى وعرق الصابرين وجسارة المرابطين على ثغور الأمل،

كيف لهذه البقعة التي نامت قرونا تحت دفء أسطورتها القديمة أن تحتضن اليوم أرواح شعب بأكمله، ما هو هذا السر الرابض في رمالها الذي يجعل كل محاولة لكسرها ترتد إلى نحر صانعيها خيبة وحسرة!

إنه سر سبأ القديم، السر الذي يهمس في أذن الدهر أن هذه الأرض رزقت أوردةً من حكمة وأعصاباً من حديد فلا الانكسار يعرف في قاموسها ولا الركوع يجد له في جبالها متسعاً،

حاولوا حصارها ورموها بعيون الحقد وعميان الحروب فأطلت عليهم من فوق كبريائها لتعلمهم أن القلاع التي تبنى على التاريخ لا تهدمها زلازل الطغيان،

غير أن العظمة الحقيقية لمأرب لا تتجلى فقط في بأسها الشديد ولا في صدها لزحف الظلام بل في قلبها الرحيم الذي اتسع لوجع أمة في جوف هذه المدينة السابحة في أفق التحدي، نبضت آلاف القلوب الكليمة واستقرت ملايين الأرواح التي خنقها التشريد وشردها الظلم من شتى أرجاء اليمن، أتوها خفافاً وثقالاً يحملون خيبات المنازل المنهوبة وذكريات السقوف التي تهادت فوق أحلامهم ومرارة الطريق الذي استطال حتى صار كابوساً،

أتوها وفي هزيع الليل كان أخير الأنفاس يسمع من بعيد أنين الملهوفين الذين لم يجدوا غطاء سوى سماء مأرب ولا فراشاً سوى رمضائها التي تحولت بصبرهم وحضنها إلى بساط من خزامى، هنا في مخيمات النزوح التي ترتسم كوشم من حزن على خد الصحراء تبكي العصافير في صباحاتها المطيرة بالدمع، تبكي على أطفال نسوا شكل ألعابهم وارتدوا أحلاماً أكبر من أجسادهم النحيلة وعلى أمهات يطاردن غبار الرياح ليجمعن حطباً يدفئ أجساداً نهكها البرد وتباريح الشتات،

تلمح في عيون النازحين في مأرب تاريخاً مكثفاً من الآلام، ترى فيها الشيخ الذي غادر بيته الذي بناه حجراً حجراً ليجد نفسه تحت خيمة تهتز مع كل نسمة هواء، وترى الأم التي تدندن لطفلها بكلمات تخالطها العبرات كي لا يسمع صوت القصف الممطر في هزيع السحر، إنه أنين يشق صدر الليل، وجع لو حملته الجبال الراسيات لتداعى خشوعاً، لكن مأرب حملته في صمت الصابرين ومسحت على رؤوس اليتامى وأطعمت من جوع وآمنت من خوف،

أيها السائل عن مأرب هل ذقت يوماً طعم أن تكون الغريب الذي يجد وطنه في عيني غريب! آخر هذا هو الشفرة المأربية، لقد صاهرت هذه الأرض آلام أبنائها جميعاً ومحَت من سجلاتها مفاهيم الفئوية والمناطقية لتغدو اليمن الصغير الذي يحلم به الجميع كل خيمة على أطرافها، هي مفترق طريق بين الموت والحياة وكل صرخة طفل في أزقتها المرملة هي نداء إلى السماء لتمطر عدلاً،

لكن الغريب والأعجب أن هذه المدينة التي تكحل عينيها بالدمع لا تنسى أن تبتسم في شوارعها المكتظة وبين أسواقها التي لا تهدأ، تشم رائحة الإصرار، إنه الإصرار على أن يبقى النبض حياً، وأن تبقى الفسيلة مغروسة حتى لو كانت القيامة تحيط بها من كل جانب، تنظر إلى وجوه المارة فترى الجراح غائرةً ولكنك ترى أيضاً نوراً ينبثق من أعماق التحدي، نوراً يقول للعالم كله: نحن هنا.. نتألم نعم، نبكي نعم ولكننا لا نموت ولا نُكسر.

لقد كتبت مأرب بدم وعرق شهدائها ودموع مهجريها وموقف أبنائها الأوفياء وثيقة الشرف الأخيرة لهذا الوطن، صارت الملاذ والمنتهى، الحصن والمبدأ، وإن سدها الذي فاض بالماء يوماً ليروي جنتين يفيض اليوم بالكرم والشهامة ليروي أرواحاً صدئت من خيانات الزمان،

ستبقى مأرب كما كانت عرشاً للسلام وقلعة للصمود ونبضاً لليمن الكبير، وسيأتي اليوم الذي تتعافى فيه الجراح وتطوى فيه خيام النزوح وتعود العصافير إلى أسيجتها القديمة لتشهد الأرض كلها أن مأرب لم تكن مجرد مدينة صمدت بل كانت الممكن الأخير للروح اليمنية كي تبقى حية إلى الأبد..