تمكين الانتقالي تقويض للشرعية وبداية تقسيم اليمن
بقلم/ محمد مصطفى العمراني
نشر منذ: أسبوعين و يومين و 21 ساعة
الأربعاء 29 يوليو-تموز 2020 07:31 م
 

ما حدث من إعلان سعودي عن آلية مقترحة لتسريع تنفيذ " اتفاق الرياض " بين حكومة معين عبد الملك والمجلس الانتقالي وقبول الحكومة لهذه الآلية وإعلان الانتقالي التخلي عن " الإدارة الذاتية " التي أعلنها في 24 أبريل نيسان الماضي وصدور قرارات بتعيين محافظا لمدينة عدن ومديرا للشرطة فيها من قيادات الانتقالي ، كل ما حدث هو شرعنة جديدة لتحركات الانتقالي السابقة وخطوة جديدة لتمكينه من تحقيق أهدافه المتمثلة بتقويض ما بقي من الدولة اليمنية وتفكيكها من الداخل وإعلان دولة الجنوب بقيادة الانتقالي وبإشراف سعودي إماراتي وهذه هي الأدلة على ما نقول :

1- إعلان الانتقالي التخلي عن " الإدارة الذاتية " ليعطي فرصة لتنفيذ اتفاق الرياض هو تصريح إعلامي للاستهلاك لا أثر له على أرض الواقع في المناطق التي يسيطر عليها الانتقالي وخصوصا في العاصمة المؤقتة للشرعية مدينة عدن وبعض مناطق أبين إذ ستظل تحت سيطرة الانتقالي ولكن بقرار من الشرعية ، حين أعلن الانتقالي الإدارة الذاتية بعدن لاقى هذا القرار رفضا محليا واسعا وسارعت السلطات المحلية في محافظات الجنوب إلى رفضه وإعلان التمسك بالشرعية كما لاقى القرار معارضة التحالف والجامعة العربية والأمم المتحدة ولكن ما حدث فجر اليوم هو شرعنة لهذه الخطوة ، ستظل الحكومة حكومة تصريف الأعمال بعيدة عن عدن وستظل قيادات الانتقالي ومليشياته هي من يدير عن ويتحكم بالمؤسسات فيها وكأن شيئا لم يكن ، باختصار ستظل عدن وبعض مناطق أبين تحت " الإدارة الذاتية " للانتقالي ولكن بدون لافتة هذه الإدارة وإنما تحت لافتة الشرعية دون وجود حقيقي للشرعية .

2 - ما حدث هو رضوخ الشرعية للضغوط السعودية الاماراتية وموافقتها على البدء بتنفيذ الشق السياسي من اتفاق الرياض قبل الشق العسكري ، إذ سيظل الانتقالي يحتفظ بكل مليشياته وكافة أسلحتها الثقيلة والمتوسطة والخفيفة في مدينة عدن وفي أبين ولن يخرج منها مسلحا واحد ولن يسلموا رصاصة واحدة ، وسيقول الانتقالي في المستقبل : "هؤلاء هم من أبناء عدن ولن يغادروها وإلى أين سيذهبون وهذه مدينتهم وهذه أرضنا " ،وإذا حدثت ضغوطات سيوعز لهؤلاء المسلحين بالتظاهر ورفض الخروج من مناطق عدن وأبين وفي الأخير سيشارك الانتقالي بنصف الحكومة وسيظل يحتفظ بقواته الخاصة وخارج المؤسسة العسكرية الحكومية وهو وضع أشبه بوضع حزب الله في لبنان وهذا بالطبع مرحلة حتى يتمكن من خلال مليشياته وسلطته في الحكومة من تحقيق بقية أهدافه .

عمليا هذا سقوط للشرعية التي تحولت إلى واجهة للشرعنة للمليشيات وإضفاء الشرعية على انقلاباتها وتحركاتها وإلا في النهاية ما الفرق بين المجلس الانتقالي وجماعة الحوثي ؟!

بل إن شرعنة انقلاب الانتقالي وتحركاته تعد مقدمة لشرعنة الانقلاب الحوثي في صنعاء ومليشياته والاعتراف بسلطة الأمر الواقع في الشمال مستقبلا وتشكيل حكومة ائتلافية يشارك فيها الحوثيون ، إذ لا فرق بين انقلاب وآخر والشرعية التي شرعنت بالأمس لمن ترى أنهم " انقلابيين بعدن" لمجرد إعلان تراجعهم عن " الإدارة الذاتية " وستشاركهم الحكومة في الغد القريب ستشارك وستشرعن في المستقبل لمن ترى أنهم " انقلابيين بصنعاء" لمجرد إعلانهم قطع صلتهم بإيران إذ صارت ((الشرعية)) عمليا لا تمتلك قرارها ومجرد واجهة ديكورية ودمى يحركها السفير السعودي محمد آل جابر الذي يتحكم بالمشهد اليمني بشكل كامل ومن وراءه بن سلمان وبن زايد .

3- تم اغفال الحديث تماما عن الانقلاب الأخير الذي قام به الانتقالي في أرخبيل سقطرى بتخطيط وتمويل إماراتي وبتسهيل سعودي بتاريخ 21 يونيو حزيران الماضي وهذا يعني أن " الشرعية " رضخت للأمر الواقع في سقطرى ومن يدرك ما يحدث في أرخبيل سقطرى من تحركات اماراتية تسعى لتحويلها إلى جزيرة إماراتية تماما يدرك أن الإمارات لن تتخلى عن سقطرى بأي حال من الأحوال إلا بتحرك ثوري كبير من الداخل أو بقوة عسكرية كبيرة ولن تخرج منها الا بالقوة العسكرية وهذا أمر بعيد على المدى المنظور ، لقد كانت الشرعية إلى الأمس القريب ترى أن عودة الأمور في سقطرى إلى ما كانا عليه قبل الانقلاب هو شرط أساسي للشراكة مع الانتقالي ولتنفيذ اتفاق الرياض ثم مع مرور الوقت تنازلت عن سقطرى عمليا وصمتت عنها وتخلت عن أهلها وهي خيانة وطنية كبرى تضاف إلى خيانات وكوارث هادي وحكومة معين عبد الملك وما أكثر هذه الخيانات والكوارث .

4- قبيل إعلان هذه المقترحات والقرارات بساعات فقط استولت مليشيا الانتقالي على ملياري ريال من البنك الاهلي بعدن - بحسب مصادر إعلامية - وكل هذه الأموال تم اضافتها إلى المليارات التي نهبتها مليشيا الانتقالي في وقت سابق ورفضت إعادتها للبنك المركزي بعدن وتنازلت عنها حكومة معين عبد الملك عمليا بعد أن كانت تعتبر إعادة هذه الأموال شرط أساسي للشراكة مع الانتقالي وتنفيذ اتفاق الرياض ثم تنازلت عن

ها الآن وسوف تصمت عنها مستقبلا رغم أن الجيش الوطني التابع لحكومة معين عبد الملك له اكثر من 8 أشهر بلا رواتب ويخضع لعملية تجويع ممنهجة بإيعاز سعودي إماراتي لكي يترك مواقعه ويتفكك من الداخل ليتم اعتماد المليشيا التابعة للانتقالي والموالية كبديل جاهز له وللأسف يحدث هذا وسط صمت مطبق من حكومة معين عبد الملك التي صار كل هم رئيسها وزرائها هو استلام رواتبهم واعتماداتهم وتنفيذ أوامر وتوجيهات السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر .

5- عمليا حقق الانتقالي كل أهدافه ولم يقدم اي تنازل حقيقي بل ونجا من العقاب والمساءلة عن كل كوارثه وجرائمه التي ارتكبها في الانقلاب على الحكومة الشرعية ومواجهة الجيش الوطني وقد بدأت السعودية والإمارات رحلة تمكينه منذ التوقيع على اتفاق الرياض بتاريخ 5 نوفمبر تشرين الثاني وقد قلنا حينها أنها خطوة نحو شرعنة الانتقالي والاعتراف به ككيان سياسي وتيار شرعي وتنصيبه ممثل للجنوب وحاملا لقضيته وتحويله من مجموعة من الانقلابيين المتمردين إلى طرف يمني فاعل وشرعي ، حيث صار رئيسه يحظى باعتراف إقليمي ودولي ويقابل السفراء والدبلوماسيين والمسؤولين بدلا من كونه متمردا فارا من العقاب ومن وجه العدالة .

باختصار : هناك يمن آخر يتشكل الآن ، يمن يجري تقيسمه لكيانات وكنتونات ضعيفة متناحرة تدار من السعودية والإمارات حيث تشرعن هذه الدول للمليشيا اليمنية وتعترف بها كيانات شرعية و تعمل على تصفية ما بقي من الدولة اليمنية بعد أن تآكلت " الشرعية " بافتقادها لقرارها ورضاها بالبقاء كدمية تحركها السعودية والإمارات وتعمل على جر اليمن إلى المجهول تحت صيغ وعناوين شتى ولا فتات عديدة.

6- مثلما لم ينفذ الانتقالي بندا واحدا من البنود التي وقع عليها اتفاق الرياض في 5 نوفمبر تشرين الثاني 2019م حيث رفض وجود الحكومة بعدن ورفض إدماج مليشياته بعدن وأبين ضمن المؤسسة العسكرية ورفض الانسحاب من عدن وأبين وتسليم مؤسسات الدولة كما رفض السماح لطائرة رئيس الحكومة بالهبوط في عدن وقام بالتصعيد وإعلان الإدارة الذاتية ثم السيطرة على سقطرى بتخطيط وتمويل وإشراف إماراتي وبتسهيل وتواطؤ سعودي مثلما فعل كل هذا ورفض تنفيذ اتفاق الرياض وقياداته تقيم في قصور الرياض وأبو ظبي ولم توجه السعودية والإمارات له اي لوم وعتاب بل وتغاضت عن كل كوارثه وممارساته وواصلت مخططها لتمكينه عبر هذه الآلية وفرض هذه القرارات وفرض شراكته في الحكومة وهو محتفظ بكل مكتسباته ولذا لن ينفذ الانتقالي ايا من التزاماته الجديدة مستقبليا كما لم ينفذ ما وقع عليه سابقا فالانتقالي يتعامل مع هذه الخطوات والتحركات بشكل تكتيكي فهو يراها خطوات ليحقق أهدافه بشكل مرحلي نحو تحقيق هدفه النهائي وهو قيام دولة الجنوب بقيادة عيدروس الزبيدي ، إذ سيسعى عبر الشراكة في الحكومة لتحقيق أهدافه بسلطة الحكومة بعد عجز عن تحقيقها بقذائف المدافع ورصاص البنادق .

7- لا يوجد أية ضمانات لتنفيذ الانتقالي لاتفاق الرياض المعدل والجديد وهذا ببساطة لأن السعودية والإمارات تريد من وراء فرضة شريكا في الحكومة أن يحقق أهدافه لا أن يقدم تنازلات وينفذ هذه الاتفاقات واذا افترضنا جدلا أو تخيلنا أن الانتقالي ألتزم بأي بند فسوف تأتيه التوجيهات الصارمة والانذارات الغاضبة من الرياض وأبو ظبي ورسائل الشتائم والتهديد التي مفادها : " نحن فرضناك شريكا لتحقيق أهدافك واهدافنا لا لتنفذ ما هو مكتوب فما هو مكتوب هو أكذوبة ومسرحية نضحك بها على الآخرين " ، أما من لا يزال يعتقد أن السعودية والإمارات يريدون استقرار اليمن ووحدته وأمنه واستقراره ويعملون على تحقيق مصالح أبناء اليمن فهذا ليس واهما فحسب بل أعمى البصر والبصيرة ولا يرى الواقع كالذي لا يرى الشمس في عز النهار وفي يوم صحو .

 

باختصار ما حدث فجر اليوم خطوة جديدة لتمكين الانتقالي ونهاية لما كانت تسمى ب" الشرعية" ونحن أمام يمن آخر يتشكل من مليشيات وكنتونات يجري شرعنة انقلاباتها وممارساتها لما فيه مصلحة السعودية والإمارات وأدواتها وعلى حساب وحدة أبناء اليمن وأمنهم واستقرارهم ومصلحتهم وحاضرهم ومستقبلهم .

والأيام بيننا.