تركيا وإخوان اليمن .. ما وراء الأَكَمَة
بقلم/ عبدالفتاح الحكيمي
نشر منذ: 5 أشهر و 11 يوماً
الأحد 21 يونيو-حزيران 2020 10:00 م
  

 هناك غرابة في حسابات السياسة في اليمن, فحين لا يريد الغرب (الامريكوروبي) انتصار الشرعية في صنعاء بسيوف الإخوان هل يفكر حزب الإصلاح فعلاً بالاستعانة بالأتراك للوصول الى النتيجة نفسها, حسم المعركة مع الحوثيين ومليشيات عدن .. وأن لم تكن مفاصلة فتسوية قسرية ممكنة على الأقل لكسر عظم الانقلابيين..

التلويح بالورقة التركية للمناورة والضغط على ما يسمى تحالف دعم الشرعية شيء, والتهور الفعلي باتجاه وهم النصرة الاردوغانية سيضيع حزب الإصلاح وما تبقى له من وجود وقبول شعبي نسبي .. ففي سوريا سهل تماس الجغرافيا والتواطؤ المحلي والإقليمي والدولي ضد الأكراد تمرير مخطط اردوغان للحفاظ على حلفائه السوريين(ألاسلاميين) وبتغاضي روسيا نفسها كما حدث في إدلب.. وفي ليبيا استعانت سلطة شرعية بالأتراك .. ولن يبرر قرب تواجد أنقرة العسكري المحدود من البحر الأحمر في جزيرة سواكن السودانية تنادي الأتراك بانتهاك حرمات الممر الملاحي الدولي والتجارة العالمية..

وما حدث من انتكاسة لقوات حفتر في ليبيا بسبب دعم تركيا العسكري شبه المباشر لحكومة الوفاق قد لا يدوم طويلاً مع التَّحَفُّزات المصرية مدفوعة الأتعاب.

* الوضع مختلف *

الاصلاحيون ليسوا الحوثيين بكيانهم المسيطر على الأرض, وليس المتعلق بالأوهام, فليس لهم أرضية وجود جغرافي عسكرية مضمونة يديرون منها وبها مشروعهم.

عدا أنه ليس للإصلاحيين الشرعية الدولية والاعتراف الذي حظيت به حكومة الوفاق الوطني الليبي ولا العمق والحاضنة الجماهيرية والشرعية الشعبية لتخويلهم قرارات مصيرية خطيرة بهذا الحجم دون وجود ضوء أخضر وصفقات مكولسة مع قوى عظمى صاحبة قرار أو تأثير يوازي اللوبيات الكبرى. 

ستكون فكرة استعانة حزب الإصلاح بطرف خارجي أو مجرد التفكير قمة الانتحار والحسابات الغبية الساذجة..

وتجاوز كهذا لو حدث محصلته النهائية هو انقلاب أشمل وأخطر من انقلاب صنعاء الحوثي عفاشي وانقلاب عدن الانتقالي الجنوني لأنه قد يمكن الحوثيين بشكل أو بآخر بتقريبه أكثر من تحالف السعوماراتي وتسليمه الزمام ..

تظهر تسريبات هواجس ومرسومات ثنائية الإصلاح-تركيا بالفعل إن سلطة الشرعية هي حزب الإصلاح, ولن يتجاوز التدخل التركي تعز- الحديدة لو أنه تحقق بالفعل بغطاء دولي لا يتجاوز فيه الاصلاحيون دورهم المحدود وليس إلى سقطرى بطبيعة تشابك خطوط مصالح القوى الكبرى تاريخياً ألتي لا يعني الوجود الإماراتي فيها أكثر من اطاحة مشاريع قطر الاستثمارية وليست المعادلة العسكرية المحسومة, فكلاهما أدوات تنفيذ فقط.. ونجح محافظ سقطرى الذكي رمزي محروس في إدارة الأزمة الاخيرة بتفويت صراع البيت الداخلي الذي رسمه مجلس الانتقالي للاستيلاء على الجزيرة لاحقاً من خارجها بأدوات محلية في معركة لم تبدأ بعد, وإذا انتهت فلصالح تماسك النسيج الاجتماعي السقطري كما شاء لها المحافظ !!.

* ما وراء الأَكَمَة *

من المحتمل أن تكون الحملة الإعلامية الخاصة بملف العلاقات الاردوغانية الإصلاحية( الإخوانية) ضمن معركة التشويه المضادة المفتعلة لإضعاف علاقة حزب الإصلاح اليمني بالسعودية كمدخل لخلخلة مكونات تحالف (وهم اعادة الشرعية) وتسويق بدائل أخرى متاحة للرياض, أو أقل شيء صرف نظرها إلى زاوية الشكوك كما يفعل إعلام الإصلاحيين في خطابه المشكك بطبيعة العلاقات الإماراتية السعودية والخليجية.

 وربما يقف الإصلاح نفسه ايضاً خلف شائعة استعانته بالاتراك كورقة ضغط على التحالف لإنهاء تمرد الانتقالي في بعض الجنوب كأولوية قصوى أخطر من انقلاب الحوثيين بحساب مهددات الوحدة الوطنية الجغرافية ومشاريع تقسيم اليمن المحتملة.

 ألتحالف(ألعربي) لم يستفد من خبرة تجييش الإصلاح في معركة السعودية ضد الخطر الإيراني(الحوثي) على حدودها .. وهي ثغرة كبيرة أما أن تدفع مسمى التحالف العربي بقرار حسم حقيقي أو يرسل الإصلاح فائض مقاتليه إلى بقعة أخرى مثل ليبيا, فلديهم تجربة تاريخية متنوعة في تجنيد المقاتلين .. رسالة كبيرة لم تلتقطها السعودية كما يجب منذ نداء الزعيم الإصلاحي القبلي حمود سعيد المخلافي للجنود اليمنيين في حدود المملكة الجنوبية بالعودة إلى قراهم وترك القتال.

ولن يتجاوز الدور التركي غير المباشر في اليمن أكثر من تهريب السلاح والمعدات وأجهزة الاتصالات والأموال(القطرية), تماماً كما تفعل إيران منذ سنوات من خلال استغلال تواجد سفنها الحربية قرب المياه الدولية لليمن لدعم الحوثيين بالطيران المسير والصورايخ الباليستية وغيرها.

ويفهم مدى التذمر الكبير في اليمن الذي لم يصل إليه حزب الإصلاح لوحده من تباطؤ وتذبذب نوايا التحالف الذي استولد انقلابات جديدة في الجنوب , ولكن أبعد من ذلك درجة الإحباط الشعبي العارمة بسبب يقين ما ترسخ أن تحالف ما يسمى( دعم الشرعية) تواطأ وتورط .. فتقاس مصداقية الاشقاء من خلال مباركتهم الصامتة لانقلابين متوالين جنوباً في عدن ٢٠١٨-٢٠١٩ م وقصف متكرر

متعمد بسلاح الطيران لتقدمات قوات الشرعية في الجبهات العسكرية في صنعاء والجوف والحديدة وعدن .

* انحيازيات دكم الشرعية*

إلا أن المحاذير في وجه حزب الإصلاح أو غيره كالانتقالي أكبر من التفكير والشروع باستزراع مصائب أكبر لا تنطبق على ملابسات تدخل تركيا في الحالتين السورية والليبية, ولا تدخل الروسي بوتين في سوريا .

 وربما يبرر الانحياز الإماراتي الظاهر لمجلس الانتقالي عدم حيادية التحالف( العربي) في الصراعات الداخلية الجديدة على السلطة والثروة بين القوى السياسية في الجنوب تحت يافطة( الاستقلال, فك الارتباط) , إلا أن مخاطر إغراق البلاد فوق ما هي عليه من التشظي والتطاحن لن يستعيد سلطة الشرعية المنقلب عليها بالضرورة باستقدام قوى خارجية جديدة, كما أن استمرار الرهان على الرياض وأبوظبي والإصرار عليه أيضاً محض حماقة.

** وإذا كانت مشكلة الإمارات المتحدة وضوح دعمها الصارخ لانقلابات عدن وافتعال مواقف عدائية مع الاصلاح فإن معضلة السعودية في تذبذب قراراتها ومراوحتها, أكان عدم قدرتها على أِنفاذ اتفاقية الرياض التي رعتها بين الشرعية والانتقالي , أو كما حصل قبل يومين بعد استلام قواتها للمواقع والنقاط العسكرية الحكومية في سقطرى باتفاق مع المحافظ رمزي محروس ثم التساهل مع استيلاء مليشيات الانتقالي على المواقع نفسها .. ما اعتبرته الأخيرة انتصاراً وليست حكمة رجل أراد تجنيب أبناء عشيرته ومنطقته شرور الطارئين عليها في معركة لم تبدأ بعد !!.

ويبنى على مجمل مواقف تحالف( دكم الشرعية) المتناقض مع شعاراته وأهدافه أكثر من خمس سنوات أنْ لا فائدة أو حاجة لبقائه وتواجده في اليمن , وأن لا حلول ممكنة بل تعقيدات متراكمة وعبث ودمار فائض لا يطاق .. ما يجعل خيارات الاستعانة بقوى خارجية بديلة رغبة قسرية قد لا تتحقق لكنها تدل على شرخ كبير سوف يتعمق بردود فعل غير محسوبة على الأرض بين القوى الخارجية والداخلية المناهضة للحوثيين .. فضررها على اليمنيين وتحالف الجوار بالمرارة والخيبة الكبيرة نفسها.