منازلة فردية
بقلم/ د.مروان الغفوري
نشر منذ: أسبوعين و 5 أيام و 10 ساعات
الجمعة 08 مايو 2020 12:47 ص
 

الهلع يتمكن من الناس، ويدحرهم قبل الوباء. الناس بحاجة لأمرين: الحقيقة والمعرفة. أن يسمعو، بشكل رسمي وشفاف، أن هناك وباء، وأن يعرفوا ما الذي عليهم فعله.

هذه معركة شعوب، تحضر فيها الدولة كواعظ ومسير. هي معركة البطل الشائع، أنت المفرد بصيغة الجمع، أن يهزم كل فرد الفيروس في منازلة مباشرة. حتى ميركل، قيل، لم تفعل أكثر من الوعظ.

خذوا هذين المثالين اللافتين: قبائل الأمازون، البرازيل، وزعت نفسها في فرق صغيرة وانتشرت في الغابة. يحتاج الوباء إلى الكثافة السكانية، مثل أي وباء. التباعد والتشتت (إنهاء مظاهر الحياة الجماعية) يحرم الفيروس من وسائل الانتشار. تدرك قبائل الغابات هذه الخصيصة من خلال خبرة متراكمة مع الأوبئة. لقد دحرته حتى الآن وأوقفته عند حدود الغابة.

قرى في كندا، تبعد مئات الكيلومترات عن المدن، وضعت كمائن ومسلحين عند مداخلها، ضد القادمين من المدن (حيث الوباء)..

في القرن الرابع عشر ضرب الطاعون أوروبا، وكانت أفضل النصائح: اهربوا إلى القرى، أو اعتزلوا في منازلكم. اختلطت الميثو بالحقيقة، اختار بعضهم الصلاة وبعضهم الأعشاب، ونجا فقط الذين منعوا الوباء من الاصطدام بهم. الذين فهكوا أن الوباء يريد الجماعة.

بمقدورك أن تدير المعركة مع كورونا وتكسبها. الهلع والإنكار سيهزمانك، يحتاج الفيروس إلى قناة للوصول إليك: التقارب والاتصال المادي. اخلق مسافات، غادر الحياة الجماعية، التزم بالنظافة والكمامة، اذهب للشراء، إلى السوق .. لكن داخل نفس الاستراتيجية: التباعد، الكمامة، النظافة. كبار السن لا بد من عزلهم، وكذلك ذوو الأمراض المزمنة. لا تخضع للهلع.

شخصيا، في قمة الموجة هنا، كنت أذهب إلى العمل وقد تحررت من أشياء كثيرة سوى الخوف، تحول كل الطب إلى طب كورونا. يغلق القسم الأول، بسبب الإصابات ويذهب الأطباء إلى الحجر. يغلق القسم الثاني ويذهب أطباؤه إلى الحجر، دفعة واحدة تقرر الإدارة الطبية إرسال ١١ ممرضة من قسم القلب إلى الحجر. تتحسس نفسك. تحدث مفاجآت: حالات سالبة خادعة، نكتشف أنها موجبة بعد إعادة الفحص. تسأل نفسك: هل اتصلت بالمريضة تلك، هل فحصتها؟.

تتداخل عليك الأسماء أحيانا. تظهر عليح تلك الأعراض التس لم تعان منها متذ سنين. حتى إنك تدخل قي نوبة سعال مستمر وأنت الذي يسعل نادرا. مكيدة اللحظة، يتواطأ صدك المجهول والجسد. الجدران، الأرض، الهواء، كل شيء ممكن أن يكون قد تلوث بالفيروس، أعود إلى المنزل، إلى الحمام الخاص عند الباب الرئيسي: أتحمم لعشرين دقيقة. أترك الماء الدافى يتدفق، قبل مغادرتي للمشفى أغسل ذراعي، رأسي، عنقي، نظارتي، وأمسح جزمتي بالمعقم، فجأة تصاب هيلين بحرارة مفاجئة، ٤١.

أحممها بماء فاتر منتصف الليل. في اليوم التالي تتحسن حالتها.

في اليوم الثالث كل شيء يعود كما كان. يرسل إلي صديق: هل أنت بخير؟ سؤال مريب. ما الأمر؟ يقول: كنت أنت آخر شخص التقيته قبل إصابتي بالفيروس، بعد ذلك عانيت من التهاب حاد لأسبوعين، بدأت أتعافى. تتحسس نفسك، تنظر إلى ماضيك، يفقد العمل كل متعته ويصير المشفى إلى فخ. الجميع في المنازل، الأطباء فقط عليهم الذهاب إلى بيت الداء كل يوم. ألمانيا تحتل المركز الثالث، ثم الرابع في قائمة أكثر الدول موبوئية في العالم. أيام عصيبة، السلطة تفقد الحيلة وتقدم فقط المواعظ، معهد روبرت موخ يحذرنا من ملايين الإصابات ومئات آلاف الموتى. أعمار الوفيات تنخفض، تصل إلى ٢٦ عاما هنا في المدينة، السؤال الأهم: كيف سنخرج من المأزق؟ لا إجابات، النصائح المستمرة: عرقلوا الموجة، ثم خفضوها، لا تدعوها تصعد إلى الأعلى.

الفيروس جديد ومراوغ، قاتل وغير قاتل. أنت تخرج ك يوم لمواجهته. هلع، خوف. قابلناه بالنكات والسخرية..

ثم مع الأيام: نجحنا. لقد أوقفناه بطريقة ما. الموجة استوت، ثم هبطت. وقبل يومي فتحت المدارس أبوابها بالتدريج، ثم ملاعب الأطفال، وها هو الدوري الألماني يتحضر للعودة، المتاجر، والمحلات متوسطة الحجم. أصدرت السلطات قانونا يلزم كل مواطن بارتداء الكمامة قبل دخول أي متجر، وبالتباعد، هانحن نعود للحياة وقد غيرنا شكل منظومتنا الاجتماعية: المسافة بين شخص وآخر متران، في كل مكان. الكمامات على كل الوجوه (من عمر ست سنوات)، المطهرات والمعقمات في الجيوب وعند مداخل البيوت والمحلات. عادت الحياة بشكل مفكك ومتباعد، حياة جميلة وحذرة. تنبأ فاوتشي باختفاء بعض العادات الاجتماعية إلى الأبد، في مقدمتها المصافحة. قالت رئيسة الحكومة في نيوزيلاندا: لقد فعلناها وانتصرنا. نعم، لقد انتصرت نيوزيلاندا. لم تنتظر دواء ولا لقاحا. فهمت الفيروس، عرفت احتياجاته وحرمته منها. مجتمعات كثيرة تخرج مظفرة.

انتصروا أنتم.

لا تنتظروا الحكومات ولا اللقاحات، لن يأتي أي منهم في القريب. خيطوا كمامات من الأقمشة. اهزموه، هذه معركة فردية وجماعية. لا تمكنوا الوغد منكم. جمدوا الحياة الجماعية برمتها، دعوه ينتظر ولا يجد أحدا.