معركة جالديران:ليتها كانت القاضية
بقلم/ احمد الظرافي
نشر منذ: 11 سنة و 9 أشهر و 16 يوماً
الخميس 07 أغسطس-آب 2008 09:42 ص

كان الأمل قد بدأ يعود من جديد للأمة الإسلامية، بسبب البشائر التي رافقت قيام دولة الترك من بني عثمان في الأناضول.. تلك الدولة السنية الفتية التي أحيت سنة الجهاد، وأعادت للمسلمين اعتبارهم ومكانتهم، بعد طول ما قاسوه من هزائم ومذابح مرع بة على أيدي عبّاد الصليب المتعصبين، وعلى أدي المغول والتتار المتوحشين، وبعد طول تشرذم وتفرق وحروب أهلية طاحنة فيما بينهم.

وبدأ ذلك الأمل يكبر شيئا فشيئا في قلوب المسلمين ، وعادت الحياة تبتسم لهم مرة أخرى بعد أن تجهمت لهم طويلا، لا سيما مع تواتر الأنباء عن الانتصارات الساحقة التي كانت تحققها الجيوش العثمانية في القرنين الرابع عشر والخامس عشر ، سواء في البلقان أو آسيا الصغرى أو شبه جزيرة الأناضول، وسواء في البحر الأبيض أو البحر الأسود . وهي الانتصارات التي كانت تشعر المسلمين بالفخر والاعتزاز ، وتذكرهم بانتصارات أسلافهم العظام خلال العهدين الراشدي والأموي.

وهل يستطيع أحد أن يتصور مدى فرحة المسلمين بفتح القسطنطينية عام 1453م على يد السلطان محمد الفاتح الذي تحققت على يديه البشارة النبوية ؟ 

وكانت هذه الانتصارات العثمانية حديث المسلمين في مجالسهم وفي أوقات سمرهم ، ونشأ لديهم نتيجة لذلك حنين جارف لدولة بني عثمان .. خاصة وأنها شغلت نفسها بالجهاد في سبيل الله، وجعلت من الفتوحات في أوروبا هدفا رئيسيا لها ، مع التزامها بسياسة حسن الجوار والتعاون مع الدويلات الإسلامية المتاخمة لها ، ولم يصدر منها أي أعداء عليها.

ولكن وبشكل مفاجئ حدث أمر لم يكن في الحسبان ..

فبينما كانت الجيوش العثمانية تخترق سهول المجر وبلغاريا ، وتدق أبواب فينا وأوروبا الغربية من جهة الشرق، وبينما كان المسلمون في ذلك الحال من الأمل والنشوة والعزائم المرتفعة، والشعور بالعزة والكرامة ، وبينما كانت أوروبا تقف مرتعبة وعلى أطراف أصابعها بسبب المد الإسلامي القادم ، حدث أمر نغص على المسلمين فرحتهم، وعكّر عليهم مزاجهم ، وأزال عنهم النشوة التي كانوا فيها.. ألا وهو قيام دولة حليفة للغرب الصليبي، ومعادية للإسلام وأهله .

وأين قامت هذه الدولة ( المصيبة )؟!

لقد قامت في خاصرة الدولة العثمانية ذات السجل الجهادي الرائع ، والسمعة الطيبة لدى المسلمين.

وتلك الدولة ( المصيبة ) ، هي الدولة الصفوية الشيعية الأثنى عشرية، سيئة الصيت، التي قامت في إيران وأذربيجان سنة 1501م، والتي أدى قيامها إلى ضرب وحدة المسلمين المعنوية في الصميم، وإلى زعزعة توازن تاريخي سياسي وديني في العالم الإسلامي لم يسبق له مثيل من قبل.

وبعد أن كان المسلمون يتابعون أخبار انتصارات العثمانيين وفتوحاتهم، أصبحوا مشغولين بمتابعة أخبار الصفويين وتحرشاتهم وأعمالهم العدوانية ضد المسلمين، وأخبار تحالفاتهم المشبوهة مع الصليبيين أعداء الإسلام والمسلمين. وكذا أخبار حالات التمرد والفتن الطائفية المزلزلة التي شهدتها المناطق الإسلامية حيث يتواجد الشيعة الأثنى عشرية الذين خرجوا من التقية لأول مرة في تاريخهم.

وكذلك الأمر بالنسبة للعثمانيين ، فإنهم أوقفوا فتوحاتهم في أوروبا ، وجمدوا خططهم الجهادية لإنقاذ مسلمي الأندلس نتيجة لسقوط غرناطة عام 1492، واضطروا لسحب جيوشهم من المواقع الأوروبية والروسية المتقدمة ، من أجل مواجهة الاضطرابات العنيفة التي باتت تعصف بالدولة من الداخل، والتي خطط لها ودعمها الصفويون بالتنسيق مع حلفائهم البرتغاليين، والتي كان أعنفها وأكبرها فتنة شاه قولي في الأناضول – أي في عقر دار الدولة العثمانية – وذلك عام 1511.. تلك الفتنة المروعة التي أوشكت – لولا لطف الله - أن تقوض أركان هذه الدولة الفتية من داخلها وتجعلها أثرا بعد عين.

وقد أدت أعمال الإرهاب الجماعي والفضائح التي أقترفها الشيعة إبان انتفاضتهم هذه، إلى زرع البغضاء في الوسط السني . فقد قام أنصار الشاه إسماعيل الصفوي بتدمير المساجد والمدارس وإحراق القرى وهدمها على رءوس أهلها من أهل السنة، كما أحرقوا جميع نسخ القرآن (الناقصة وفق معتقدهم البغيض) ، والكتب الدينية (التي زورها الأمويون والعباسيون بزعمهم )، ومارسوا أعمال السلب والنهب، كما قام الشاه إسماعيل بمساعدة الأمير أحمد المتمرد ضد والده السلطان بايزيد الثاني ، ثم ضد أخيه السلطان سليم الأول

وفي ابريل 1512 فرضت الانكشارية على السلطان بايزيد الثاني التنحي عن السلطنة لكونه – بجانب عوامل أخرى - كان حينئذٍ قد أقترب من السبعين ، ولم يعد قادرا على تحمل ضغوط ومشقات المشاكل التي كانت تتزاحم على الدولة العثمانية في تلك المرحلة - في وقت تفاقمت فيه أخطار الشاه إسماعيل الصفوي وبلغ به الصلف حدا لا يطاق ، فاضطر السلطان بايزيد الثاني إيثارا للسلام، إلى التنازل طواعية عن مقاليد الأمور لأبنه سليم الأول ، الذي كان يتصف بعلو الهمة والجسارة، والبنية القوية والذهن الوقاد- فضلا عن كونه كان يحظى بتأييد ودعم الانكشارية – صانعة الانتصارات العثمانية -

وكان يُنظر لسليم الأول العثماني على أنه رجل تلك المرحلة الحرجة ، والأمل المرتجى في إعادة الهيبة للدولة العثمانية ولأهل السنة . تلك الهيبة التي مرغها الشيعة القزلباشيون في الوحل بخيانتهم وغدرهم ومؤامرتهم الدنيئة.

وبعد أن تمكن السلطان سليم الأول من إنجاز الإصلاح العسكري ، والتخلص من المنافسة الأسرية، وقمع تحركات الشيعة الموالين للصفويين داخل البلاد ، جمع جيشا ضخما قوامه حسب التقديرات المعتدلة [100 ألف مقاتل] ، وكان الجيش العثماني جيد التسليح والتجهيز، وكان العثمانيون يمتلكون أفضل مدفعية في العالم آنذاك فقد استخدمت جيوش سليم الأول أحدث المدافع النحاسية المركبة على عجلات يجر الواحد منها زوج من الثيران وكان هذا هو الفارق الرئيسي بين الجيشين العثماني والصفوي ، المتعادلين تقريبا من حيث أعداد الجنود . وكان الانكشارية – كما هو شأنهم - في طليعة ذلك الجيش .

والانكشارية فرقة عسكرية من المشاة مدربة تدريبا عاليا، وعلى قدر كبير من الانضباط والتماسك المعنوي، وتعتبر هذه الفرقة قوام الجيش العثماني وعماده ، وامتاز جنودها بالشجاعة الفائقة، والصبر والضراوة في ميدان القتال، والولاء التام للسلطان العثماني باعتباره إمام المسلمين، لكونهم تربوا تربية إسلامية أساسها حب والجهاد الاستشهاد في سبيل الله والطاعة ونشئوا نشأة عسكرية خالصة ، منذ نعومة أظفارهم.وكانوا العمود الفقري لقوة الدولة العثمانية وهم سر عظمتها وانتصاراتها في فتوحاتها وتوسيع رقعتها في القارات الثلاث وكانوا أكثر أهمية من سلاح الفرسان.

ولما علم الشاه إسماعيل الصفوي بزحف العثمانيين - وكان ذلك في المحرم سنة920هـ، الموافق مارس 1514م – لم يبد حماسا للمعركة في بداية الأمر، ومع تقدم الجيوش العثمانية أراد الصفويين خديعتها بالتراجع المخطط حتى إذا أنهك الجيش العثماني انقضوا عليه، وأمر الشاه بحرق المحاصيل وبتخريب الطرق والقرى الواقعة في طريقهم ، وكان الهدف من ذلك تعطيل تقدم الجيش العثماني ، وإنهاك قواه ، وحتى لا يجد جيش العثمانيين من المؤن ما يساعده على التوغل في بلاد فارس ، من جهة ، وكسبا للوقت وتأخير موعد النزال ، إلى أن يحل الشتاء ، حتى يهلك العثمانيون برداً وجوعاً من جهة أخرى .

 

 بيد أن ذلك لم يحل دون تقدم الجيش العثماني ، كما أن جميع خدع الشاه إسماعيل الصفوي قد منيت بالفشل الذريع ولم تنطل أي منها على السلطان سليم الأول الداهية – كما انطلت خديعته السابقة على شيباني زعيم قبائل الأوبك السنية والتي أوقعت به وبجيشه خسارة فادحة في مرو على أيدي الصفويين في سنة 916هـ - 1510م - فكان أن واصل السلطان سليم الأول استفزازهم والضغط عليهم - مستغلا نقاط ضعفهم - حتى أجبرهم على الخروج للقائه ، إلى ميدان المعركة والذي كان قد اختاره في صحراء "جالديران" في شرقي "تبريز". وكان جيش الإيرانيين مؤلفاً جميعه من الخيالة ومنهم فرق تلبس الزرد وفرق من طوائف الفداوية المشهورين وكان بمعية الشاه كثير من الأمراء والأعيان والمشايخ وغيرهم بما فيهم كتيبة من عرب العراق الشيعة الخونة ولم يكن بجيشهم أسلحة نارية.

والتقى الجمعان في يوم 2 رجب 920هـ/ 23 من أغسطس 1514 م ، فانقض سليم الأول بجيوشه كالصاعقة على جيوش الصفويين فمزقها شر ممزق، وقتل منها مقتلة عظيمة ، وجرح الشاه إسماعيل فسقط عن جواده وكاد يقع في قبضة العثمانيين لولا مبادرة غلمانه لإنقاذه ، ثم فر ناجيا بجلده إلى أذربيجان، ووقعت خيمته وحرمه وخزائن أمواله في قبضة العثمانيين، ووقع عدد كبير من قواده في الأسر، ودخل السلطان سليم(تبريز) متوجا بالنصروالظفر وانتصر العثمانيون نصرا باهرا– وذلك بفضل مدفعيتهم المتفوقة ودقة تنظيم جيشهم، وبسالة جنودهم .

وهكذا نجح العثمانيون في تكسير أنياب الغول الصفوي لأجل مسمى، ورد محاولة الصفويين للتوسع والتمدد على حساب الدولة العثمانية، والبلاد الإسلامية السنية، وفي محاصرة التمدد الصفوي في حدوده الحالية، وأزاحوا الصفويين عن المنافسة في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، وإن لم يتمكنوا من القضاء عليها تماما حيث ظلت كالورم المزمن الخبيث في الجسد الإسلامي.

وقد استقبلت أخبار انتصار سليم الأول في مرج تشالديران في عام 1514 بمظاهر الابتهاج في أوساط جميع المسلمين باستثناء الشيعة، والذين اغتموا لذلك أيما غم.

وقد كشفت هذه المعركة عن وجود علاقة وثيقة وتنسيق كامل بين الصفويين والبرتغاليين ألد أعداء الإسلام الذين تحركوا مستغلين انشغال العثمانيين بقتال الصفويين وأحكموا سيطرتهم على كافة الطرق القديمة بين المشرق والمغرب وهو ما أدى إلى نهوض العثمانيين لمواجهتهم فيما بعد.

وأما بالنسبة للشاه إسماعيل الصفوي فعلى الرغم من هزيمته الساحقة، وإبادة معظم جيشه، في هذه المعركة، إلا أنه لم يرتدع، ولم يتخل عن عنصريته وطائفيته البغيضتين.

ومن هنا فقد استمر الصراع بين السنة في الدولة العثمانية، والشيعة في إيران بعد معركة جالديران، بل إن العداء قد أزداد حدة، وازداد الصراع ضراوة. وشغل الشاه إسماعيل الصفوي نفسه بالتفكير في طريقة الانتقام من غريمه سليم الأول، واتشح بالسواد وكتب على أعلامه السوداء كلمة "القصاص" وزاد حقده على أهل السنة ، وتنكيله بهم لتعاون بعضهم مع العثمانيين، وعند ما استعاد تبريز عاصمته ، قام أتباعه بارتكاب مجزرة جماعية اقتلعت أهل السنة منها تماما.

ودفعت الشاه هزيمته القاسية وتصميمه على الانتقام إلى الحرص الشديد على توثيق عرى تحالفه مع البرتغاليين - أشد القوى الصليبية خطراً على العالم الإسلامي حينذاك. وبموجب اتفاقية 1515م بين الشاه إسماعيل الصفوي والبرتغاليين، تمكن ديالبوكركي مقابل تحالف عسكري ضد العثمانيين، من الحصول على اعتراف الصفويين بحق السيطرة البرتغالية على هرمز . وتنازل الصفويون للبرتغاليين عن حق تقاضي الرسوم الجمركية في مرافئ شرق شبه الجزيرة العربية وأعطوا موافقتهم على نشاط البرتغاليين في الخليج الفارسي . وقد أدى ذلك إلى تقوية التسلط البرتغالي على الخليج ، وزيادة خطرهم على مقدرات الأمة ومقدساتها.

بيد أن الشاة إسماعيل الصفوي ما لبث أن مات بحسرته في رجب 930هـ- مايو 1524م، دون أن يحقق أيا من مشاريعه وحل محله ابنه طهماسب، وكان سليم الأول قد مات قبله بسنوات دون أن يحقق أمنيته في القضاء على الدولة الصفوية.

وقد تولى دولة الخلافة العثمانية بعد سليم الأول ابنه السلطان سليمان القانوني وفي عهده وصلت الدولة العثمانية إلى قمة قوتها، وكان لزاما على هذا السلطان أن يتكفل بهمة القضاء على الصفويين.

بيد أن السلطان سليمان القانوني ظل لأكثر من بضع عشرة عاما منشغلا بالحرب في أوروبا أي في المجر وألمانيا حيث كانت تتقرر حدود دار الإسلام في نظر الباب العالي . ولم يستطيع التحرك بحرية في الشرق إلا بعد عقد اتفاق سلام مع آل هابسبورج حكام النمسا عام 1533

وقام السلطان سليمان القانوني بعد ذلك ، بتوجيه ثقل قواته لسحق الدولة الصفـوية وتدميرها، ولوضع حد نهائي للاضطراب في أقاليم فارس ( إيران )، وتولى هذا السلطان قيادة الجيوش العثمانية بنفسه في أربع حملات كبرى، بين عامي 1533و1553 ، وجهها ضد الدولة الصفوية في إيران.

ومع ذلك إلا أن تلك الحملات العسكرية والاجتياحات المتكررة لإيران وأذربيجان وأرمينيا ولتبريز عاصمة الدولة الصفوية، لم تفلح في القضاء على الصفويين، نظرا لاستماتتها ولاسترتيجية: التقهقر والهروب من المواجهة الحاسمة، وسياسة الأرض المحروقة اللتان انتهجهما الصفويون بعد هزيمتهم القاسية في " جالديران"، فقد كانوا يهربون من أمام الجيش العثماني في كل مرة ، ويدمرون كل شيء في طريقه، ويلجئون إلى مناطق وعرة وغزيرة الأمطار وشديدة البرودة، في الداخل، بحيث لا تستطيع المدافع العثمانية الضخمة وعربات النقل المرور إليها ، ثم يعودون ليسترجعوا أراضيهم حال عودة القوات العثمانية في الشتاء إلى استانبول ، هذا من ناحية.

وقد ظلت الدولة الصفوية بجميع تلويناتها- على مدى أربعمائة عام باستثناء فترات قليلة من الهدوء– تحارب دولة الخلافة العثمانية السنية – العدو اللدود للغرب الصليبي وحامية حمى الحرمين الشريفين.وأظهرت عنادا وحرصا كبيرا وحماسة شديدة ، في مناوئتها، والحرب عليها ووقفت ضدها باستماتة منقطعة النظير. وقد استمر ذلك حتى حلول القرن التاسع عشر والذي شهد بدايات التنافس الغربي في إيران وفقدت إيران في الحرب مع روسيا بعض مناطقها بما فيها مقاطعات القوقاز ، والأدهى فرض روسيا الامتيازات التي مست حقوق إيران كدولة ذات سيادة واشرت مرحلة جديدة في العلاقة بين إيران والدول الكبرى، إذ سارعت أقطار أخرى للأخذ بخط روسيا.

والعجيب الغريب أن ذلك العناد والإصرار وتلك الحماسة والاستماتة التي عُرف بها الإيرانيون أثناء حروبهم مع دولة الخلافة الإسلامية، قد اختفت لدى شيعة بلاد فارس عند تعرض إيران للغزو الروسي، والغزو الانجليزي، في القرن التاسع عشر، وكأن حماستهم فقط هي ضد أهل السنة.