رحلة البحث عن الموت
بقلم/ معاذ الجلال
نشر منذ: 4 سنوات و 11 شهراً و 23 يوماً
الأربعاء 26 يونيو-حزيران 2013 04:27 م

السفر ، والهجرة من بلدٍ إلى بلد آخر لها فوائدٌ عديدة فقد هاجر سيدنا إبراهيم عليه السلام من القدس إلى مكة ، وهاجر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة ، وهاجر المسلمون الأوائل من مكة إلى الحبشة .. الخ فالهجرة في أرض الله مستحبة وفيها الفرج لمن ضاقت عليه الأرض ..

وللهجرة أسباب عده : فنراء من يهاجر من أجل الدراسة ، وهذا من أجل العمل ، وآخر هروبا ًمن وباء ، وذاك هروباً من ثار ، والأغلب هروباً من الجوع فالجوع كافرٌ كما وصفه سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه .

وهجرة اليمنيين من عهد آبائنا وأجدادنا إلى اليوم وانتشارهم في شتى بقاع الأرض وهجرتهم بكثرة إلى الجارة السعودية بالذات هو في الأصل هجرة من أجل لقمة العيش يبحث المهاجر عن الأفضل له ولأسرته بعدما انعدمت كل الوسائل التي تجلب له لقمة عيش كريمة وحياة أفضل ..

فخرج الكثير من اليمنيين فرادا وجماعات بصورة نظاميه وغير نظاميه ، ومن ذلك العهد والرحلة إلى السعودية مستمرة وتسمى رحلة البحث عن القوت ، ولكنها اليوم في عصرنا الحاضر قد تغير مسماها وأصبحت ( رحلة البحث عن الموت )

نعم إنه الموت بأبشع صوره وشتى أنواعه ولا ننكر ذلك .. إنه موت العواطف ، والمشاعر ، والأحاسيس ، والقيم ، والأخلاق إنه موت الإنسانية عند الأغلب في مملكة اللاإنسانية .. فكما أن البلدة الطيبة لم تعد طيبه ، واليمن السعيد لم يعد سعيداً فإن مملكة الإنسانية أيضاً لم تعد فيها إنسانية إلا ما رحم ربي ..

أنا هنا كمغترب يمني لا ألوم حكومة المملكة ابداً بما تشرع من قوانين وأنظمه قسرية تصب في مصلحتها في الدرجة الأولى فأي بلد يبحث عن مصلحته وهذا من حق المملكة ، وهي في الأساس لم ترغم أحد ولم تضربه على كفه لكي يغترب أو تبوسه على جبينه لكي يبقى ، ولولا واقع بلادنا المر ما بقيت لحظه واحده .. أنا من هنا ألوم حكومتنا الهزيلة .. ألوم سفارة ميتة وكل من فيها ميت .. نعم ميت !!

ماتت فيهم الأمانة أولاً ثم ماتت النخوة ، والشهامة ، والرجولة ، والاحترام والذوق ، والأدب ، وكل القيم .. ماتت ضمائرهم وابتلينا نحن بموتها ، ماتت مشاعرهم وانجرحت مشاعرنا ، ماتت قلوبهم وتعذبت قلوبنا ، امتلأت أرصدتهم وتصفرت جيوبنا تماما ..

تذهب إلى السفارة في الرياض تطلب النجدة والعون والمساعدة والحماية لكنك تجد عكس ذلك تماماً .. تجد الذل والهوان والمماطلة والعبث والهمجية والابتزاز بكل أنواعه . إنه القهر الذي هربنا منه آلاف الكيلوهات لكي نتجرعه موتاً حقيقاً في مكاتب المسئولين في سفارتنا عندما نذهب بأرجلنا إليهم وقت احتياجنا لأبسط شيء .. سفارة بلدك هي في الأصل الممثلية الوحيدة والشرعية لك هي الحامية والمدافعة عنك هي بلدك في المهجر ولك الحق أن تطلب وتطالب وتسأل لك فيها كامل الحقوق والحريات ، ولكنها في الرياض عكس ذلك تماماً .. سفارتنا في الرياض موت حقيقي ، وإرهاب مخيف ، وفساد منظم يبتدأ من البواب وينتهي بمكتب السفير .. ولا تصلي على أحد منهم فلا استثناء لأحد .. أنا مسئول عن كلامي فأنا أتكلم عن واقع مرير وتجربة مؤلمة عشتها بنفسي وأنا أجري من مكتب إلى آخر لأحصل على خدمة بسيطة جداً لا تستغرق من الوقت 5 دقائق لكنها استغرقت يوما كاملاً ولم احصل عليها ..

فـإلى من نشتكي ؟ وإلى من نلجأ ؟ في ضل قرارات لا ترحم ، وسفارة لا تساعد في بلدٍ أعطانا مهلة 3 أشهر لتصحيح أوضاعنا ولكن سفارتنا في الرياض تحتاج إلى 3 سنوات أو إلى العمر كله لكي تعاملنا بآدميه ، وتنظر إلينا بعطف ، وتقدم لنا لو القليل القليل فلسنا طماعين يا سيادة السفير ..

ختاماً : متى يعي السفير أو المسئول أو الوزير أو رئيس مجلس الوزراء أو رئيس الجمهورية بحجم الكارثة لو تم ترحيل المغتربين اليمنيين ؟؟ متى يلتفتون إلى معناة أكثر من نصف مليون مغترب أكثرهم باع ما تحته وما فوقه وما نقص وفاه بالدين لكي يشتري تأشيرة موت كان يضنها جهلاً منه أنها تأشيرة قوت ؟؟ ثم اني أتساءل من يتم ترحيله أي مصير مجهول سوف يلاقيه ؟؟ وخاصة أصحاب العائلات .. حيث أن أغلبهم لا يملك في اليمن مسكناً يأويه ولا حولاً يتعهده ، ولا زرعاً أخضراً يسقيه ، ولا سبولة ولا جهيشاً يقتات منها لو القليل .. فقد باع بيته وأرضه وهاجر هروباً من واقع البلاد وإن كان له سبولة فقد التهمها كبار مسئولين الدولة أو شيخ المنطقة بلا رحمة ولا رادع .. وأنا متأكد عند حدوث كارثة لاسمح الله بان الحكومة الموقرة ستتخلى عنا وتغني وقتها ( مهلنيش ) كما عودتنا دائماً.

عودة إلى كتابات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
مصطفى أحمد النعمان
ما بعد «الميناء»
مصطفى أحمد النعمان
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
مشاري الذايدي
الحديدة ولا شيء سواها
مشاري الذايدي
كتابات
د. عبدالواسع بن يحي المعزبيأنوار في طريق الحوار
د. عبدالواسع بن يحي المعزبي
د. محمد حسين النظاريجديد الامتحانات هذا العام
د. محمد حسين النظاري
مشاهدة المزيد