النكبة الكبرى للمشروع الصفوي الإيراني في العصر الحديث
بقلم/ د. محمد معافى المهدلي
نشر منذ: 8 سنوات و 3 أشهر و 12 يوماً
الثلاثاء 09 أكتوبر-تشرين الأول 2012 04:39 م

لم ينتكس المشروع الإيراني الصفوي على مر التاريخ الإسلامي، كما انتكس هذه الأيام، ولم يواجه مخاطر تهدده وتكاد تحيط به من كل جانب وتستأصله، كما هو وضع المشروع الإيراني هذه الأيام، لدرجة أنّي أحسب فيما أحسب أنّ الشيعة في عيد الغدير لهذا العام، لن يبكوا الحسين هذه المرة، بل سيبكون ويلطمون الخدود ويشقشقون الرؤوس، ويهيلون التراب على أجسادهم، لما وصل إليه المشروع الإيراني من نكبات ومحن فظيعة ومتوالية، في كل أنحاء العالم، بدءً بسوريا وانتهاءً باليمن، فلم يعد للمشروع الإيراني من حليف مخلص، أو صديق حميم، إلا الشيطان الرجيم، وإلى حد ليس بمضمون.

هاهي ثورة الشعب الإيراني المسلم ضد \"الآيات\" في طهران تحاول أنْ تظهر على السطح، تحت وطأة تأثير الانهيار المريع والمفجع للعملة الإيرانية، وعجز الميزانية، والتضخم الاقتصادي، والكساد والبطالة، الأمر الذي جعل الشعب الإيراني يتململ بين الحين والحين، لولا آلة القمع وسياسة المعتقلات والإبادة التي تمارس على كل الأحرار والشرفاء من علماء ومفكري إيران، على أنّه من المؤكد أنّ لثورات الربيع العربي ظلالها الممتدة بالتأكيد التي لن تستثني الشعب الإيراني، الذي سئم ولاية الفقيه بعد أن سئم ولاية الإمام المعصوم، وبالتأكيد سينتفض هذا الشعب المغلوب على أمره، يوماً ما وسيطيح بمن يمارس عليه صنوف التضليل وألواناً من الإفساد والتدمير والتخريب والنهب باسم الدين والمذهب الاثنا عشري، ولعقود طويلة من الزمن، وهاهي بوادر هذه الانتفاضة الشعبية تبدوا ظاهرةً جلية لكل ذي عينين.

قبل ثورات الربيع العربي كان المشروع الإيراني يعبث في كثير من البلدان العربية، لعلّ من أبرزها اليمن وسوريا والعراق وبعض دول الخليج العربي والجزيرة، وبفضل الله ثم بفضل ثورات الربيع العربي التي أعادت الحق إلى نصابه، والحكم والسلطة إلى الشعوب المستضعفة، تكشّفت أوراق هذا المشروع وتنبّه الساسة والحكام والحكماء للخطر الإيراني ومشروعه التوسعي.

فهاهي اليمن على سبيل المثال، تدرس مسألة قطع العلاقات الدبلوماسية مع طهران بعد أن تبين لها عدداً من شبكات التجسس الإيراني والدعم الإيراني اللامحدود للمتمردين في صعدة، بل وامتد هذا الدعم الصفوي الإيراني إلى بعض أطراف وأجنحة ما يسمى بالحراك الجنوبي، لتجزئة اليمن وتشطيره، وهو ما جعل الرئيس اليمني عبد ربك منصور هادي يقف هذا الموقف الحازم والقوي من المسألة الإيرانية، ويكشف أوراق المشروع الإيراني في اليمن في كثير من المحافل الدولية التي زارها مؤخراً، وهو ما أدى إلى ذلك التمعر الإيراني الشديد من الرئيس هادي، بعد سنين طويلة من الصفاء والسمن والعسل مع النظام السابق الذي سمح للشيعة الرافضة بالتغلغل والتمدد في أرض اليمن شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً وبراً وبحراً، وبالتمدد والانتشار في الجيش والأمن والشرطة، سيما في الحرس الجمهوري والقوات الخاصة، والأمن والوزارات ومصادر القرار، ولعلّها إحدى الجرائم الكُبَر للسفاح علي عبد الله صالح، تضاف إلى سجله الأسود في التفريط والتآمر على السيادة الوطنية اليمنية.

ما يجري في سوريا كذلك ليس مأزقاً فقط للفاشي بشار الأسد، وحزبه وأسرته الدموية، بل هو مأزق بالدرجة الأولى لآيات إيران التي ضخت وتضخ إلى النظام النصيري في دمشق الأموال والسلاح والرجال، وألقت بكل ثقلها ومقدراتها لنصرة النظام الفاشي في سوريا، فسقوط هذا النظام الحليف لطهران إنما هو سقوط للمشروع الصفوي برمّته في المنطقة ، وتحول الشيعة الرافضة إلى أقليات لا تملك من القرار شيئاً، وبالتالي تقهقر المخطط الإيراني في التوسع والانتشار، وانحسار المد الرافضي وانكشاف كل سوءاته، وربما أودى هذا التقهقر الصفوي في المنطقة إلى ثورة شعبية أخرى في طهران، وفي أنحاء من العراق، تأتي على الأئمة المعصومين والآيات، فلا تبق ولا تذر منهم أحداً، سيما مع زيادة تردي الوضع الاقتصادي والمعيشي وتدهور العملة .

تزداد نكبة المشروع الصفوي الإيراني تعاسةً وبؤساً بعد تربع الإسلاميين على كرسي السلطة في مصر وتونس وليبيا والمغرب وتركيا والكويت واليمن، وفقدان طهران لعدد من عملائها الأوفياء في المنطقة، مما أفشل بدوره المخطط الإيراني الذي يستهدف كل الدول العربية بلا استثناء.

لقد أدرك الرئيس المصري المنتخب د. محمد مرسي من جانبه الخطر الإيراني على مصر، فلم يسمح باستمرار العبث الإيراني بأمن مصر واستقرارها، ولم يسمح بالتبشير بالمذهب الصفوي في أوساط الشعب المصري، على غرار سياسة الرئيس اليمني عبد ربك منصور هادي، الذي بدوره يقف بالمرصاد للزحف الإيراني في اليمن، ويلقى هذا التوجه دعماً كبيرا إقليميا ودولياً.

بالمقابل فشل المخطط الإيراني في البحرين للاستيلاء على بوابة الخليج العربي، لتحويله إلى خليج فارسي، وتمكن السلطة في البحرين من زمام الأمور، وعجز المعارضة الشيعية في البحرين عن إنجاز شيء يذكر على صعيد الاستيلاء على السلطة، رغم الأموال الإيرانية الطائلة والدعم اللامحدود، للمعارضة البحرينية، إضافة إلى تشتت المعارضة البحرينية نفسها، التي تغذيها العمائم السوداء في طهران، الأمر الذي غيّر مسار الثورة في البحرين، لتتحول إلى زوبعة وفوضى شيعية، لا ثورة شعبية، لم يكن لهذه الفوضى الشيعية من حسنات إلا اللهم أنها نبّهت حكام الجزيرة والخليج إلى بعض نقاط الضعف والوهن، فتمكن حكام الخليج من معالجة هذه النقاط وتجاوزها إلى حد كبير.

لقد مني المخطط الصفوي الإيراني بضربة قاصمة في الخليج والجزيرة بعد أن تمت السيطرة على الوضع الأمني في البحرين، سيما مع انشغال عمائم طهران بعدد من الجبهات الأمنية والعسكرية الإقليمية والدولية، أهمها الشأن السوري.

ما سبق يجعلنا نصل إلى خلاصة مهمة، وهي أنّ النظام الإيراني يعيش أبئس أيامه وأكدر أحواله وأردأ أوضاعه وأتعس وأحلك وأضيق ظروفه، وسوف يزداد الوضع الصفوي تدهوراً كلما تمكنت الشعوب العربية من التحرر والانعتاق من حكامها المرتزقة والظلمة والعملاء، الذين لا يحسنون سوى المتاجرة بقضايا الأمة ومشكلاتها، في سوق النخاسة الدولي، لتزيد أرصدتهم وملياراتهم في بنوك أوربا وسويسرا، وكلما استطاعت الشعوب العربية عبر قياداتها المخلصة من رص الصفوف وجمع الكلمة وتعزيز التعاون، والتوجه نحو الاتحاد والألفة، ونبذ أسباب الفرقة والشتات، كلما ازداد النظام الصفوي في إيران بعداً عن قاعدته الشعبية، وازداد عزلة إلى عزلة وشتاتاً إلى شتات، وباءت كل مخططاته التوسعية والاستعلائية في المنطقة، بالفشل والسقوط.

Moafa12@hotmail.com