العلم في إنشاء شبكة عنكبوتية عملاقة لبناء مجتمع النخبة اليمانية
بقلم/ د. محمد محمد الخربي
نشر منذ: 6 سنوات
السبت 18 أغسطس-آب 2012 02:36 ص

قراءات في النهضة اليمانية

أتطلع في هذا المقام إلى وضع تصور حداثي حضاري يفوق ما لدى الدول المتقدمة ، لأنني أرى أن بناء يمن عظمى إنما يبدأ بإعادة بناء التنمية البشرية من حيث المؤسسات والمضامين ، وكذا إيجاد رؤية متكاملة بين مخرجات العلم ومتطلبات المجتمع ، وتغذية الطاقة الاستيعابية فى سوق العمل بما يلبيها من كوادر وطنية في الحقول العلمية المختلفة ، خاصة الفنية والتقنية ، بحكم أن اليمن على المدى القريب ستشرع في رهان اقتصادي عملاق يستلزم نجاحه استقطاب ملايين الأيدي العاملة المؤهلة تأهيلاً علمياً سليماً ، ويستجيب لدوائر الاختصاصات المتنوعة في المجتمع اليماني المنشود .

إن القضية يجب أن تبدأ بالفرد قبل ولادته وأن نضع له موقعه من الحياة ، وأن نرتب لمجيئه مختلف الإمكانات التي تجعله فرداً كريماً منتجاً وناجحاً ، وهذا يعني باختصار شديد ضرورة بناء شبكة معلوماتية وطنية عملاقة ، يتم فيها فتح صفحات أسميها مبدئياً (أيقونات الحياة) ذات طبيعة تفاعلية ، في كل أيقونة شخص يماني محدد ذكراً كان أم أنثى ، سواء بسواء، مع بيانات تفصيلية عنه ضمن خانات تغطي كل احتياجاته المجتمعية من أبسط شيء إلى أعقده ، فهناك حقل التعليم وحقل الصحة وحقل العمل وحقل الحياة الاجتماعية وحقل التعليم الأكاديمي وحقل التكوين والمهارات وحقل المراقبة الأمنية وحقل الإعداد النفسي وحقل التربية الدينية وحقل الأخلاق وهكذا حتى تكمل جميع الحقول الخاصة بحياته منذ ولادته وحتى موته دون إغفال تحديث البيانات في الأيقونات أولاً بأول .

فمثلاً حينما تتزوج يمانية بيماني من أيقونتين مختلفتين ، فنقوم مباشرة بدمجها في أيقونة عائلية واحدة مع نقل تاريخهما التفصيلي معهما ، لأنهما بهذا الزواج سيؤسسان بنية عائلية جديدة سيخلق الله فيها أيقونات حياة أخرى ذكوراً وإناثاً تكون نواة لأسر مستقبلية ، يجب على الدولة المركزية أن تمنح كل فرد جديد فيها حياة كريمة في غاية الإحسان والترتيب ، إذ من الملاحظ وللأسف الشديد أن أبناء اليمن صاروا من أكثر الشعوب إهمالاً وتهميشاً من قبل دولتهم الوطنية ، بحكم وجود قصور مذهل ومخيف لدى القائمين على إدارة شؤونه بكيفية تطوير وتحسين معيشته ، ناهيك عن ظواهر الفقر والفساد وسوء الأخلاق وغياب الدولة عن قطاعات بشرية كبيرة في أرض اليمن وضعف البنية الاقتصادية التي أرهقها قلة متنفذة لايعنيها سوى الإثراء الفاحش غير المبرر على حساب إنهاك الناس في وجودهم وقوتهم وقيمهم الأصلية .

وأعتقد أن إيجاد هذه الشبكة المعلوماتية الوطنية العملاقة التي يجب أن تحتوي في أيقوناتها البشرية على كل مواطن يماني شريف أي إن كان أبناء اليمن يصل تعدادهم الحقيقي إلى ثلاثين مليون نسمة ، فينبغي أن تتضمن هذه الشبكة ثلاثين مليون إيقونة يمانية مع تعبئتها بتفاصيل حياته جميعها دون إهمال لأي بيانات ، ولو حتى الحقل النفسي للفرد.

وأعتقد أن هذه الشبكة هي أرقى نموذج حضاري في حياة اليمن كله، ولذلك فلا يجب ربطها بشبكة الأنترنت العالمية ، ولا يجوز إطلاقاً أن يتدخل فيها أي أجنبي أو حتى يطلع على محتوياتها ،لأن هذه جريمة عظمى وانتهاك صارخ للسيادة اليمانية ، يكون عقابها المحاكمة وتنفيذ أقصى عقوبة جنائية يمكن تصورها ضد هذا الجاسوس مهما كان جنسه ، وإنما تسخر في متناول اليمانيين أنفسهم جيلا بعد جيل .

ولا جرم في أن بناء هذه الشبكة سيكون بيد أمهر رجالات العلم المعلوماتي وتكنولوجيا الاتصالات ، ويتم تطويرها وتحسينها في كل حين ، لأن هناك دوماً أيقونات جديدة تلد في المجتمع وتحتاج إلى صفحات وبيانات مستدامة تمهد لها هذه الحياة الكريمة ، وتشعرهم تدريجياً بأهميتهم في بناء مستقبل اليمن الحداثي العظيم الذي لن يتمكن أي شعب على البسيطة من منافستهم إن أجدنا الأداء الكمي والكيفي في التعامل مع مدخلات هذه الشبكة ومخرجاتها ضمن كل أيقونة دون تعقيد أو إهمال لأي معلومة مهما كان حقلها .

إن صناعة المستقبل اليماني يعتمد اعتماداً كبيراً على أدائنا المبكر والكفء في رعاية الإنسان وإحاطته باحتياجاته وإلغاء كل عناصر التهميش المتعمد في حقه الوطني والكوني ، لأن أي مواطن في الدولة اليمانية المعاصرة هو بنية نوعية لايستغنى عنها في تجسيد حلمنا القادم وتنفيذه ،وسيكون من شأن هذه الشبكة العنكبوتية العملاقة خلق مجالات علمية جديدة في كيفية التعاطي مع متطلبات العصر واحتياجات أبنائنا منذ بدء تكوين عائلاتهم والحمل بهم في بطون أمهاتهم ، ثم أخيراً ولادتهم ليشعروا بعزتهم وأنهم محل اهتمام وترحيب من قبلنا ، وليؤدوا تدريجيا جميع المهام والواجبات المطلوبة منهم وفق ميولهم الفكرية والعلمية ، وبناءً على تكوينهم وتدريبهم في مراحل المعرفة المختلفة ، ولذلك فنحن نؤسس لليمانيين حياة على أرقى الأنماط الإنسانية والمعايير العلمية، وبذلك أيضاً نحصل على أفضل الكفاءات والكوادر البشرية دون جدال.

فاليماني – وفق هذا التطور – هو مشروع عملاق من الحب والإنسانية والرعاية والتعليم والشراكة المجتمعية والمعرفة الكونية ، وهو عنصر بناء ومميز لايحق لأي أجنبي أو أي بلد آخر ممارسة أي ضغط أو امتهان أو تدخل في صياغة حياته وفق أنبل المقاصد الأخلاقية المستمدة من جوهر ديننا الإسلامي الحنيف .

إن علينا على قدر الضياع والتهميش الذي نعيشه ونعانيه منذ مئات السنين أن نتوق إلى أرقى صور الحياة والمشاركة والتفاعل مع بني جلدتنا من البشر ، وأن نمنح الشعوب الأخرى جرعات مماثلة من العزة و الكرامة ، ولكن دون التواء على وجودنا و كرامتنا و عزتنا ، وإلا فالويل لمن سولت له نفسه أن يسرق أقدارنا أو حتى يكرر هذه المأساة التي وصلنا إليها بسبب طغيان مجموعة من أبنائنا علينا ، وهم لا يدركون أنهم بذلك يحرمون أنفسهم من مقومات الحياة الطبيعية ، حينما يتأمرون على أرزاقنا و تنميتنا المستدامة .

إن كل يماني له الحق أن يحظى بأقصى مستوى من الرعاية و التكوين و العلم من قبل الدولة الوطنية ، و بتوظيف هذه الشبكة المعلوماتية نستطيع التواصل معه و نحن ندرك أدق احتياجاته ، لأننا سنعمل على دمجه مع جميع أبناء جلدته في الوطن الكبير، بل و الأمة بأسرها إن كتب الله نهضة لأمتنا و يصبح لدينا شبكة عملاقة تتضمن أيقونات الحياة لمليار و نصف مليار مسلم ، إذ ماهو صالح لليمانيين فهو صالح لجميع البشر

أسأل الله تبارك و تعالى أن يوفق الله أصحاب الشأن في اليمن إلى الخروج من الأطماع و المتاهات الراهنة للتفرغ لبناء هذا المشروع العظيم في سبيل مؤسسة حقيقية لبناء دولة يمانية عظيمه لا مثيل لها في صفحات التاريخ ، لا في الماضي ولا في المستقبل ، و قد جعل الله لكل شيء سببه و قدره و ربطه بعزم الإنسان و إرادته في البناء و التحول و التغيير .

ولعلي لا أذهب بعيدا- في حال نجاحنا في هذا الأمر- إن قلت : إن الله تبارك وتعالى كان يريد تكوين مثل هذا النموذج الحضاري المعلوماتي المنظم في خدمة البشر ، حين نص على إرادته : " إني جاعل في الأرض خليفة " ، فهذا الإنسان ذكرا أو أنثى هو جوهر الخلافة وموقع التكريم الدلالي ، ويقتضي استكمال دورة خلافته الإلهية أن تخدمه جميع مدونات المؤسسات في الدولة منذ ولادته حتى موته ، وأن تمنحه كل حقوقه الأساسية عبر هذه الهياكل نفسها التي تدخل في تواصل مباشر و آن في الشبكة العنكبوتية الوطنية كلا وفق وظائفه واختصاصاته : فوزارة الصحة تعالجه ووزارة التربية والتعليم تعلمه ووزارة الاقتصاد تعيشه ووزارة الداخلية تحميه وهكذا هلم جر...

  لأن وجود هذه الهيئات السيادية إنما يستمد شرعيته من الفاعلية والجدوى التي توفرها في صالح هذه الأيقونة اليمانية النفيسة ، في إطار التواصل التفاعلي الفوري معه ، وكل هذه الأجواء العملية تجعل منه كادرا متزنا ومشاركا ومبدعا في بناء مجتمع النخبة اليمانية المأمول في ضوء المقاييس والمعايير الاستخلافية الإسلامية التي يحتل العلم والعلماء محل الصدارة وبامتياز في أدبياتها وتشريعاتها الدنيوية والأخروية .

*أستاذ علم اللسانيات بكلية اللغات – جامعة صنعاء –

*مندوب اليمن المساعد في منظمة ( اليونسكو )