معركة أبين .. هل يحسمها الجيش؟!
بقلم/ د. محمد معافى المهدلي
نشر منذ: 8 سنوات و 8 أشهر و يوم واحد
الإثنين 21 مايو 2012 03:56 م

المشهد اليمني في هذه الآونة أكثر من معقد، وأكثر من صعب، وأكثر من مؤلم، خصوصاً في ملفه القاعدي، وبالأخص منه في ما يتعلق بحسم المعركة على أرض أبين، سيما إذا ما علمنا أنّ بعض دول الجوار خاضت حرباً لا هوادة فيها ضد تنظيم القاعدة، غير أنّ التنظيم لا يزال مستمراً ولا يزال حيا يرزق، بل ويتكاثر كل يوم، رغم ما تمتلكه هذه الدول من إمكانيات هائلة وضخمة، إلا أنها لم تستطع القضاء على هذا التنظيم السرطاني المنتشر في جسد الأمة، ورغم أيضاً إمكانية التنظيم المتواضعة والبدائية، وهو ما يجعلنا لا نطمئن كثيراً إلى القول بإمكانية حسم الجيش اليمني للمعركة في أبين .

يزداد الملف القاعدي في اليمن خطورةً حين نجد الدولة بكل قواتها وأمنها وجيشها وعتادها العسكري، بآلافها المؤلفة وألويتها العسكرية الضاربة، تطارد مجموعات من الصبية في جبال أبين، ورغم هذه القوات البرية والجوية والبحرية إلا أنه وإلى يومنا هذا يعجز الجيش اليمني عن حسم المعركة، بشكل نهائي، وهو ما يجعلنا نضع العديد من علامات التعجب وعلامات الإستفهام وعلامات التساؤل والحيرة والقلق.

إننا نفزع كل صباح لما نقرأه من عناوين صحفية عن المواجهات الدامية ضد تنظيم القاعدة، غير أنّ ما يفزعنا أكثر وأكثر هو ما بات يمتلكه هذا التنظيم من عتاد عسكري وأسلحة فتاكة لا تمتلكها إلا دول وجيوش نظامية ..ومع هذه الخطورة وشدتها إلا أننا لا نرى تحركاً وطنياً بحجم الكارثة، من أجهزتنا القضائية والنيابية والتشريعية والحقوقية والصحافية في كشف خيوط المؤامرة، ومن هو وراء دعم هذا التنظيم ومساندته حتى بات بهذا القدر من الخطورة والانتشار والتمدد والقوة.

ولعمرك لكأن ما يمتلكه هذا التنظيم من أسلحة وعتاد عسكري، إنما نزل من السماء أو أنبتته الأرض .. فلا تجد صوتاً يرتفع فيما يسمى مجلس النواب أو المجلس التشريعي أو القضائي أو النيابة العامة، ولا غيرها من أجهزة الدولة، فلا أحد يسعى لكشف وفضح خيوط المؤامرة القذرة، ويسعى لتقديم المتورطين في دعم هذا الجيش المتمرد على الوطن والأمة والدين والقيادة، أو يسعى لإنهاء المجازر اليومية، في صفوف الجيش والأمن وحتى صفوف أنصار الشريعة على حد سواء.

في تقديري أنّ الإرادة السياسية الجادة في مواجهة تنظيم القاعدة غير كاف لمواجهة وصد هذا التنظيم عن التوسع والانتشار، فضلاً عن القضاء عليه وملاحقته، ما لم تعزز هذه الإرادة بجملة من العوامل والأسباب نحصرها فيما يأتي:

أولا: يجب أن يرافق الحرب العسكرية على هذا التنظيم سياسة إعلامية راشدة، تكشف منهج هذا التنظيم وتعريه وتفند أسسه الفكرية والعقائدية، وأن يكون في مقدمة هذه الحملة العلماء المعروفون بالحكمة والحيادية والموضوعية، والإنصاف والفقه والرأي.

ذلك أنّ هذا التنظيم إنما يقوم على جملة من الأسس الفكرية الواهية والواهنة تحتاج إلى كشف وبيان من علماء الأمة ومفكريها وكتابها ومثقفيها .

وعلى سبيل المثال لا الحصر، يعتمد ما يسمى ب \"أنصار الشريعة\" على حديث مشهور وهو : \"يخرج من أبين عدن جيش ينصر الله ورسوله، هم خير أهل الأرض\" هذا الحديث يعتمد عليه القاعديون في معركتهم ضد الجيش اليمني، رغم أنّ هذا الحديث لم يرد في أي من كتب الصحاح ولا السنن، وهذا الحديث مع ضعفه وعدم وروده في كتب الصحاح والسنن كما أسلفنا فإنه لا ينتهض كذلك لمعارضة أو مغالبة أو محاجة محكمات النصوص الشرعية المتواترة المجمع عليه مثل قوله تعالى : ) ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيم).

أيضاً اعتماد التنظيم على فكرة الجهاد في سبيل الله، ومجاهدة الصليبيين واليهود والنصارى، هذه فكرة شيطانية في أصلها المجرد وفي نتائجها، لأنه في واقع الحال لا نرى جهاداً وقتلا إلا للمسلمين والأبرياء، فيما اليهود في مأمن وسلام، رغم أننا أيضا نرى أن الاعتداء حتى على اليهود والنصارى المسالمين بلا مبرر شرعي أو قانوني، أمر لا يجوز، بل هو حرام كحرمة إيذاء أو مخاصمة رسول اهائ صلى اه أ عليه وسلم .

لعلّ من أهم أسباب انتشار هذا الفكر القاعدي السقيم هو غياب أجهزة الإعلام، وغياب دورها في التوعية والتثقيف، بل إننا لنلمس أن ثمة ضعفاً كبيراً حتى في متابعة الحرب في أبين، ومستجداتها، ولا نجد تغطية إعلامية وطنية موضوعية أو شبه موضوعية إلا عبر القنوات الأجنبية .

بحق نشكر وزير الإعلام اليمني الأستاذ/ علي العمراني، للسياسة الإعلامية الجديدة التي ينتهجها الإعلام الرسمي، إلا أنّ ثمة ضعفاً واضحاً لا يزال موجودا في وسائل إعلامنا المختلفة، من أبرز ملامح هذا الضعف ضعف التوعية الدينية والشرعية والقانونية والفكرية.

ثانياً : يخوض الجيش اليمني حرباً شاملة وواسعة وكبيرة ضد هذا التنظيم، على مدى عام كامل أو يزيد، إلا أنّ الخسائر في الطرفين نلحظها كبيرة جدا وبالأخص في صفوف الجيش اليمني، فالقتلى بالمئات، خلا المأسورين والمختطفين، وما ذلك إلا بسبب الخيانات المتكررة وتجارة بيع الدماء، وبيع الأسلحة والذخائر وتسليم المعسكرات، من قيادات عسكرية موالية للرئيس المخلوع، وهو ما ولّد حالة من اليأس والقنوط لدى الجندي المرابط على جبهات القتال، وهو ما يحتم على وزارة الدفاع أن تعزز من رفع الروح المعنوية للجيش، وبالمقابل أن تكشف عن القيادات العسكرية المتواطئة مع تنظيم \"أنصار الشريعة\"، وأن تحيلهم إلى محاكمات عسكرية عاجلة، أو على الأقل اعتبارهم مجرمين، وأن تعلن عن ملاحقتهم، وهو ما يمكن أن يزرع قدراً من الثقة بين الجندي وقائده على جبهات القتال.

كما أنّ هذا الصمت البهيم عن الجرائم التي ارتكبت بحق الجيش اليمني المرابط على جبهات القتال منذ أكثر من عام، مؤشر خطير ينبئ عن الاستهانة بدماء الأبطال والأحرار من أبناء قواتنا المسلحة والأمن ، الذين يسكبون دماءهم بسخاء منقطع النظير على ثرى الوطن كل يوم .

ثالثاً: على وزارة الدفاع التوقف عن الاستعانة بأي قوة أجنبية مهما كانت وعلى أي مستوى، لأنّ هذا مما يزيد الطين بلة، ويؤجج من طول أمد الحرب، وهو مما يبرر لهذا التنظيم مواصلة القتال والحرب، لأنها حرب في زعمهم ضد قوى الصليب ، وضد القوى الأجنبية، الطامعة في خيرات البلاد .

إنّ الاستعانة الحكومية بأي قوة أجنبية وعلى أي مستوى، يجعل الحكومة تفقد أهم ورقة لديها وهي ورقة الدعم الشعبي، فالشعب اليمني من أقصاه إلى أقصاه يحمل كراهية لا توصف لهاتيك الطائرات بدون طيار، التي قتلت الأبرياء في المعجلة وفي مأرب وشبوة، دون مبرر، ومن عجب أنّ الحكومة الباسندوية بدلا من أن تقف مع مطالب الشعب، إذا بها تقف اليوم مستعينة بقوى قتلت المئات من أبناء اليمن، في عدد من محافظات الجمهورية، وكأن تلك الدماء بلا ثمن، رغم تقديرنا الكبير للحكومة والظرف الحرج والصعب الذي تعيشه على كل الجبهات والمحاور، وتقديرنا حتى للإرادة الدولية، التي لا ترى الإرهابيين إلا في أبين اليمن، ولا تراهم في دمشق وسوريا وفلسطين، إلا أنّ مفتاح الحل لكل المشكلات في تقديري يجب أن يكون وطنياً ووطنياً خالصاً .

هذا فضلاً عن أن الاستعانة بالخبرات الأجنبية في مواجهة تنظيم أنصار الشريعة ليس ضرورياً ولا الحاجة إليه ماسة، فقصارى ما في المعركة أنّ المعركة ليست ضد تحالف دولي أو إقليمي، وإنما مجموعات من العصابات المتمردة والمسلحة، على أنني هنا أضم صوتي إلى صوت الأستاذ/ أحمد عثمان في مقاله المبارك المنشور هذا اليوم على الصحوة نت في القول بأن قرار الحسم في أبين مرتبط بحسم التمرد العائلي في صنعاء، ما لم فستظل المعركة مستمرة .

رابعاً: على قيادة الجيش أن تعزز من حراسة الحدود والمنافذ اليمنية، وأن تحمي البلاد من المتسللين عبر الحدود، فمن المعلوم أنّ كثيراً من أفراد ما يسمى ب \"أنصار الشريعة\" جاؤوا عبر الحدود ومن خارج البلاد .

خامساً: يجب تبني خطة لحوار هؤلاء الشباب ومناصحتهم، فإنّ الحل الدموي لن يكون علاجاً أبداً، بل إنه مما يزيد الفتنة ويؤججها، صحيح أن \"أنصار الشريعة\" قوم لا يفقهون حديثا ، ولا يفهمون إلا لغة التفجير ولا يؤمنون بالحوار إلا إن كانوا في وضع حرج وصعب، كما هو الحال في أبين اليوم، إلا أنّه يجب أن نعود إلى طاولة الحوار، بالشرط الذي طرحه الأخ رئيس الجمهورية وهو تسليم الأسلحة والمعدات أولا .

والله تعالى نسأل ليمننا الحبيب حقناً للدماء ووحدةً للصف، وجمعاً للكلمة ودحراً للظالمين، والحمد لله رب العالمين،،

Moafa12@hotmail.com