الثورات العربية وسنن الله في التغيير (1)
بقلم/ أ/أحمد مجاهد الشيباني
نشر منذ: 7 سنوات و 11 شهراً و 9 أيام
الخميس 15 مارس - آذار 2012 07:15 م

تيسير علوني والثورات العربية

قبل أن أدخل في موضوع المقالة من المهم أن أذكر أن الذي حفزني وجعلني أعيد كتابة مقالتي عن (تأملات في توفيق الله وسننه في التغير) عنوانها السابق .والذي أرسله ابن أخي إلى أحد الصحف في شهر مارس من العام 2011م. ولم أتأكد من نشره في حينه. ولأن الثورات مازالت لم تكتمل بعد فمن المفيد إعادة نشر المقالة.

وكان السبب في رغبني بإعادة نشر المقالة هو أنه في مساء 11مارس 2012م عرضت قناة الجزيرة لقطات لاستقبال تيسير علوني في مطار الدوحة، وكان اسقبالاً حاراً حافلاً غير معهود لصحفي ومراسل قناة من القنوات الفضائية ، وتواصل استقباله من المطار ثم بوابة قناة الجزيرة حتى أدخل إلى المذيعة التي كانت تقدم النشرة المسائية على الهواء مباشرة ، وقد طرحت عليه عدداً من الأسئلة وكان عند إجابته عن أسئلتها متأثراً جداً حتى أنه أجهش بالبكاء ولم يتمالك نفسه عند ذكر سوريا وذكر استشهاد علي الجابر مصور الجزيرة على الرغم أن الحوار كان مباشراً بينه وبينها وعندما سألته عن تجربته في السجن لم يتمالك نفسه ، فقال ما خلاصته : إننا نعيش في العالم العربي في ظلم وأي ظلم ، وقد منحتني المحنة التي مررت بها وعلمتني معنى الظلم، وأن على رجل الإعلام مسؤولية عظيمة في مهنته بأن يكون صادقاً مخلصاً لهذه المهنة، وأن يكشف عن الظلم ومعاناة المظلومين في أي مكان في العالم لأن مهنته إنسانية وأن يبين بالكلمة والصورة للعالم عن شناعة الظلم ويدافع عن الإنسان المظلوم وحقوقه بالكلمة، وهي مهنة فيها مخاطرة عظيمة قد يدفع الصحفي حياته ثمناً لها، ثم قال وهو متأثراً يعتصره الألم : لقد استشهد كثير من الصحفيين والمراسلين ، ولكن تأثري وألمي كان عظيماً عندما سمعت بخبر استشهاد زميلنا ( على الجابر ) وحزنت عليه كثيراً والذي استشهد في ليبيا وهو في مهمة خطيرة من وسط المعارك، واغتيل غدراً .ومعروف كيف كان الظلم والقهر في ليبيا في عهد القذافي.

وانتقل الآن إلى المقالة التي كنت قد كتبتها في شهر مارس عام 2011م ،ولم أغير فيها إلا شيئا يسيراً ، وأجلت ما يخص ساحة التغيير أمام جامعة صنعاء في صنعاء لمقالة أخرى ، ولتكون فيها العبرة لمن يعتبر، ويقينا لمن يؤمن بالله.. وهبي بعنوان:

تأملات في توفيق الله للثورات العربية وسنن الله في التغيير 

في البدء لابد من التذكير بالإيمان أن الله على كل شيء قدير، وأنه إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، وأن هذا الكون له سنن وقوانين تحكمه وتسييره ، سواءً كانت سنناً كونية ، أو سنناً اجتماعية .. وإذا أراد الله إنفاذ قدره في أمر كوني أو اجتماعي في زمن قد قدره بعلمه هيأ له أسبابه ، ولكل نتيجة سبباً أو مقدمة له. وقد تكون هذه الثورات إرهاصات ومقدمات وتهيئة للخلافة الراشدة بإذن الله التي ستخلص العرب أولاً من الحكم الجبري ثم تخلص البشرية عامة من الجاهلية وطغاتها، وفسادها المنتشر في البر والبحر بعز عزيز أو بذل ذليل ، ولا راد لقدره تعالى. وسوف نذكر هنا كيف أن الله قد هيأ الأسباب لثورات الشباب في العالم العربي ومنها لثورة الشباب في اليمن.

فمن الأمور المشتركة التي زادت من احتقان أبناء الأمة العربية والإسلامية وفجر غضبها، وكانت من أسباب تفجر هذه الثورات الأتي:

- الظلم والجور الواقع على أبناء الأمة الإسلامية من حكامهم سواء كانوا عسكراً، أو ملكيات أو غيرها، والاستبداد بالسلطة واستئثار الحكام وأقاربهم وأعوانهم بالثروة والسلطة. فكل هذه الحكومات تحكم حكماً جبرياً مزيفة رضا الشعوب وأرادتها في كل البلاد العربية والإسلامية على تفاوت، بانتخابات وديمقراطية مزيفة وملفقة، حتى صرنا أضحوكة لغيرنا. وقوانين نحكم بها تُفصَّل على مقاس كل نظام ، وحتى لو جدت القوانين فيتم خرقها إما بتأويلات وتفسيرات توافق هوى الحاكم ورغبته، أو بتنفيذها جزئياً أو بإهمال تنفيذها نهائياً. 

- الفساد المالي والإداري وأثاره المدمرة في الأخلاق والقيم، والتعليم، والاقتصاد والسياسة، والرشوة والمحسوبية وزيادة نسبة الفقر والبطالة وغلاء الأسعار، والتخلف في جميع مجالات الحياة، علمياً وإعلامياً واقتصادياً حتى صرنا في أخر قافلة الشعوب.

- السخرية بالرسول صلى الله عليه وسلم من قبل منظمات وجهات مدعومة صهيونيا وصليبياً في دول الغرب. وعجز الحكومات العربية والإسلامية على الوقوف في وجه ذلك بحزم إلى جانب حملات التشهير والتشويه ضد الإسلام ورموزه وعلى كل ما هو عربي. وتهاون تلك الحكومات عن القيام بواجبها الشرعي لحماية الدين، وتنفيذه في حياة الناس وهي من أهم مهامها.

- ظاهرة الحرب الصليبية الجديدة على ما يسمى ( بالإرهاب) والظلم والجور الذي وقع على أبناء الأمة الإسلامية من أعدائها بسبب ذلك دون أن تطالب الحكومات العربية والإسلامية عن أدلة للمتهمين. وتحولت تلك الحكومات إلى مراكز شرطة ضد شعوبها خدمة لأعداء الأمة. وانقلبت المعادلة .. فالذي كان مجاهداً ضد الروس في أفغانستان تحول فجأة إلى إرهابي حتى صار كل من يقول الحق في وجه الظلمة إرهابي. ثم الحرب الظالمة على أفغانستان والعراق، والشيشان والصومال وغيرها.

- انتشار وسائل الإعلام والتواصل الجماهيري المختلفة بدءًا بالصحف والإذاعات والتلفزيون والقنوات الفضائية الحرة ( قناة الجزيرة نموذجاً ، وسهيل في اليمن ) والانترنت و( الفس بوك أولاً ثم ما تبعه من صفحات التواصل الجماهيري والاجتماعي في الانترنت ) والهاتف السيار (النقال) وغيرها. وهي من الإيجابيات التي أيقظت الشعوب من سباتها وقد كانت الشعوب العربية محرومة من كثير منها وليس لها إلا ما يمليه الحاكم عليها.

- انتشار الدعوات للتحرر والمطالبات بحقوق الإنسان ، وزيادة أعداد منظمات حقوق الإنسان غير الرسمية في البلاد العربية .

- الخيانة الكبرى في قضية المسلمين الأولى قضية فلسطين والتأمر على أبناء فلسطين خارجياً، وداخلياً، دون حياء.

- إن هذه الثورات قد بدأت عفوية شبابية ، ولم يكن مخططاً لها ، ولو كانت مخططة لكانت قوى المعارضة هي التي تقودها، ولذلك فقد أذهلت مخابرات الدول الكبرى، ومخابرات الدول العربية. وأما حكام العرب فقد خانتهم حيلهم ، وأرادوا الترقيع بـ ( فهمتكم كما قال زين العابدين بن علي)، ولكن في الوقت الضائع ، ونسوا أن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. ونسوا أن الله يؤتي الملك لمن يشأ وينزعه ممن يشاء متى شاء ( تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ)، والنزع فيه شدة، وكل ذلك بإرادة الله.

- ومنها أن الله قد ربط على قلوب الشباب وكسروا حاجز الخوف والتردد ، وأتاهم الله من الصبر والثبات والشجاعة ما جعلهم يستقبلون الموت بصدور عارية.

- والملفت للنظر في هذه الثورات أن شعارها كان ( الله أكبر )، وتوحدت رؤيتها، بأن كان زخمها يوم الجمعة، وتسمت الجمع بجمعة كذا وكذا ومنها (جمعة الكرامة الدامية في اليمن في 18 مارس 2011م قاصمة الظهر للنظام )، وبذلك فكان يوم كل جمعة خير وبركة لها.

- إن هذه الثورات قد استلهمت نموذج الأسلوب السلمي من الانتفاضة الفلسطينية ومن صمود أبناء فلسطين وقادة المقاومة في حرب غزة . وهذه الملاحظات والتأملات قد يغفل عنها كثير من الناس. وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى.

هذه العوامل وغيرها كثير زادت من وعي الطبقة المثقفة والشباب على وجه الخصوص وأججت النفوس بعد صبر طويل، وأظهرت أن الحكام العرب من زعماء وملوك ورؤساء حكومات ليسو مؤهلين لتحمل المسؤولية التاريخية لحماية الدين والأرض والعرض، ولا يسمحون بالتغيير بالتداول السلمي للسلطة، ويتحايلون من أجل البقاء، بالتزوير والتظليل الإعلامي، وغيرها من الوسائل.

وكانت هذه الوسائل الإعلامية التي هيأها الله من الأسباب التي انتشر بها الوعي وحفزت الشباب للمطالبة بالتغيير ، على الرغم أن المطالبة بالتغيير لم تكن جديدة ، بل أن لها عشرات من العقود من بداية القرن العشرين، وقد انحرفت بها الانقلابات العسكرية .

ولو أن ظاهرة هذه الثورات العربية للشباب التونسي والمصري والليبي واليمني والسوري برزت قبل عشر سنوات أو حتى قبل خمس سنوات مثلاً لما كان للشباب هذا الحماس والتماسك والشجاعة، ولما تحققت أهدافها بانتزاع السلطة سلمياً بهذه الطريقة المبتكرة ، لأنه قد كانت هناك محاولات للتغيير السلمي بالانتخابات ( جبهة الإنقاذ في الجزائر، وحماس في فلسطين ) ، ولكن تم قمعهما بشراسة، ولم تسمح دول الغرب وأمريكا لها بالبقاء لكونها تتعارض مع معتقداتهم وقيمهم وأخلاقهم .. ولكن ماذا يمكنهم أن يعملوا مع ثورات من نوع جديد غير متوقع ولم يكن لديهم تصور في رصدها ؟ لأنهم كانوا منشغلين برصد تحركات الجمعيات الخيرية الإسلامية، والمنظمات والحركات الإسلامية ، وكذلك الأحزاب الإسلامية بزعم أنها تدعم الإرهاب. وهم من بذر بذور الإرهاب.