عبد ربه منصور.. وحالة الفيل نيلسون
بقلم/ كاتب/مهدي الهجر
نشر منذ: 9 سنوات و 6 أشهر و 10 أيام
الأربعاء 13 يوليو-تموز 2011 05:08 م

(عندما كان عمره شهرين وقع الفيل الأبيض الصغير في فخ الصيادين في أفريقيا، وبيع في الأسواق لرجل يملك حديقة حيوانات متكاملة. بدأ المالك على الفور في إرسال الفيل إلى بيته الجديد في حديقة الحيوان، وأطلق عليه اسم نيلسون. وعندما وصل المالك مع نيلسون إلى المكان الجديد، قام عمال هذا الرجل الثري بربط إحدى أرجل نيلسون بسلسلة حديدية قوية، وفي نهاية السلسلة وضعوا كرة كبيرة مصنوعة من الحديد الصلب، ووضعوا نيلسون في مكان بعيد في الحديقة. شعر نيلسون بالغضب الشديد من جراء هذه المعاملة القاسية، وعزم على تحرير نفسه من هذا الأسر، لكنه كلما حاول أن يتحرك ويشد السلسلة الحديدية أحس بألم شديد، فما كان منه بعد عدة محاولات إلا أن تعب ونام.

وفي اليوم التالي استيقظ الفيل نيلسون وكرر ما فعله بالأمس محاولا تخليص نفسه، لكن دون جدوى، وهكذا حتى يتعب ويتألم وينام.. ومع كثرة محاولاته وكثرة آلامه وفشله قرر نيلسون أن يتقبل الواقع الجديد، ولم يعد يحاول تخليص نفسه مرة أخرى، وبذلك استطاع المالك الثري أن يبرمج الفيل نيلسون تماما كما يريد.

وفي إحدى الليالي, عندما كان نيلسون نائمًا, ذهب المالك مع عماله وقاموا بتغيير الكرة الحديدية الكبيرة بكرة صغيرة مصنوعة من الخشب، وكان من الممكن أن تكون فرصة نيلسون لتخليص نفسه، ولكن الذي حدث هو العكس تمامًا. فقد برمج الفيل على أن محاولاته ستبوء بالفشل وستسبب له الآلام والجراح، وكان مالك حديقة الحيوانات يعلم تمامًا أن الفيل نيلسون قوي للغاية، وأنه قد برمج تماما بعدم قدرته وعدم استخدام قوته الذاتية. ولكنه يعرف أيضا أن الفيل نيلسون قد برمج على تقبل واقعه الجديد وعلى أنه غير قادر على تغيير واقعه وفقد إيمانه بقدرته الذاتية.

وفي يوم زار الحديقة فتى صغير مع والدته وسأل المالك: "هل يمكنك يا سيدي أن تشرح لي كيف أن هذا الفيل القوي لا يحاول سحب الكرة الخشبية وتخليص نفسه من الأسر؟ فرد الرجل: بالطبع أنت تعلم يا بني أن الفيل نيلسون قوي جدًا ويستطيع تخليص نفسه في أي وقت، وأنا أيضا أعرف هذا، ولكن الأهم هو أن الفيل لا يعلم ذلك ولا يعرف مدى قدرته الذاتية..) انتهى.

قصة رمزية ذات دلالة عميقة أوردها إبراهيم الفقي في افتتاحية بعض كتبه كمدخل للتعريف بالبرمجة العصبية في بعديها الايجابي والسلبي.

ويبدو أن علي عبدالله صالح رغم افتقاره العلمي والتدريبي قد سبق الفقي وأساطين علم النفس والبرمجة العصبية بمسافات في الميدان التطبيق,ي وهو الذي لو سألته عن مفهومه أو مسماه أو في الفرق بين الذي والتي لارتج عليه، لكنه بمركبه الخاص الذي يسكنه سبق علماء البرمجة أنفسهم، وتجاوز مكيافيللي في الأمير بمسافات".

استطاع صالح بكل سلاسة وإبداع أن يحوّل من كان يطلق عليهم مسمى الأفيال الى نيلسونات، حتى عجت بهم اليمن، فصاروا أكواما ـــــ النيلسونات ــــــ بعضها فوق بعض.

نيلسونات بمختلف الأحجام والحيويات والبيئات، منها الشمالي ومنها الجنوبي، ومنها الجبلي ومنها الصحراوي، ومنها السقطري ومنها التهامي.. كل ذلك بدون ألف باء العلوم أو عناء الملازم وحضور دورات الفقي وأمثاله. حتى أننا في الضفة الاخرى لطول المتابعة وتتالي الصور قد زال منا العجب ونحن نشاهد كبار هذه النيلسونات ولو تجمعت في صف واحد أطواد كالجبال تنكمش على نفسها كنعاج حط بينها أسد لو شاهدت التفاتة من صبي لصالح أو من آل صالح ليس فيها ابتسامة، أو حتى زم شفة لخدام خدام بيت الجرافي كعبده الجندي او احمد الصوفي، فكيف وان كانت بورجية.

أُس المشكلة هنا أن هذه النيلسونات قد شاخت على المعتاد وتطبعت على أمر ما عاد سلوكي عندها يمكن معالجته بالتدوير وإعادة التكوين بل صار حالة عضوية، ومسلمة اعتقادية.

ومن ثم ففكرة الاستعانة بنيلسونات صالح لإنقاذ البلد عبر الحوار أو التعاون للدفع بالانتقال السلمي للسلطة الى كبير النيلسونات سيكون ذلك بمثابة من يحرث في البحر ليس أكثر.

ولرب قائل: علينا أن نفطن فنعيد برمجة نيلسوننا الاكبر بحيث نأتي له بصخرة كبيرة عملاقة صماء هي في حقيقتها بالون منتفخ او مجسم ورقي ثم نربط هذا النيلسون الامل عليها وندفعه بقوة حتى يقتلعها ويجري ليكتشف مقدار قوته وكم يمتلك طاقة عنده كان يجهلها تتناغم مع تلك التي من حوله تتراص، ثم نأتي له وعلى مراحل بصخرة أصغر لكنها أثقل حتى نصل به الى الصخرة الحديدية التي سيقتلعها بتلقائية وعفوية بدون مشروب الطاقة بل بفعل ما سار عليه من البرمجة والتدريب، ثم نعطف على النيلسونات التابعة بنفس الصيغة والحال.

لكنها, ويستحيل أن تنجح, ستنتهي البرمجة, وستكون هناك تحديات أخرى قد تبدت غير صبيان صالح.

مع الأسف يمتلك هادي منصور من نقاط القوة والفرص ما يفتقد لأبسطها صالح وصبيانه، فشخصيته مقبولة ذات تأهيل وحضور وجذب فضلا عن تاريخ مشرف، كما أن الثورة إلى جانبه، والمؤتمر الشعبي من تحته، والدستور يعززه، والجيش معه، والإقليمي والدولي لا يملكان إلا أن يكونا في صفه، لكنها النسلنة, قبحها الله, كم حطت معها من عمائم ورؤوس.

خيبتنا منصور، ناشد الثورة فأنست اليه، وانحنى له المشترك، وأشرقت الابتسامة في اليمن على تداعي ما يمكن أن يجره للشعب منصور.. لكنها خيبة لك كما منيتنا، أو بالأحرى خيبة لنا نحن كما لم نتعظ من تجربة صانع النيلسونات وحاوي الثعابين.

إن ثورة التغيير تمتلك مقوماتها الداخلية بما تغنيها تماما عن الاستجداء، وهي التي يجب أن يأتي إليها الآخر بانحناءة منه لها، يخطب ودها ويدفع عنها المغارم إن رام منها الوداد كما هو الشأن مع غيرها، وحركة التاريخ.

وبعد أن حصحص الحق وشعت الحقيقة, فإنه لا ينبغي البتة التعويل على من عشعش عليه البؤس وباض الهوان وسلك درب النسلنة بكل طواعية واعتقاد.

على نفس المنوال وفي ذات السياق مع السيد طويل العمر الذي شب معنا وشاب في كل خطوة ومرحلة على عقلية أن اليمن هي الغريم الذي يقتص منه والساحة التي يدير فيها معاركه.

اليوم على غير ما مضى, لدينا الارادة والمقومات التي لو احسنا الافادة منها وتوجيهها لألزمنا هذا المهترئ في الجوار على مبادلة الأدوار.

غير أن ما نخشاه ان يكون المشترك وثورة الشباب ومنظمات المجتمع وقواه الحية الاخرى قد أصيبت جميعا بحالة الفيل نيلسون او بفيروس النلسنة.

ليس المقصود القفز فوق المعطيات والواقع، بل أن نصبر ونصابر مع تملي مصادر القوة الهائلة والمفرطة التي بحوزة ثورة التغيير.