لعبة التاريخ
عبدالناصر سلام
عبدالناصر سلام
في روايته الحرب والسلام ينقل ليو تولستوي عن قائد الجيش الروسي كوتوزوف وهو في اجتماع عقده مع جنرالاته علي تخوم موسكو ابان غزو نابليون لروسيا \"ان خلاص روسيا في جيشها . فهل من الافضل المغامرة بإضاعة الجيش بما في ذلك خسارة موسكوا بالتحام في معركة ام ان تُسلّم موسكو دون قتال؟\"
دخل الحوثيون صنعاء دون ادني مقاومة تذكر باستثناء مقاومة صغيرة من بعض الوحدات التابعة للجنرال محسن، لم تتحرك الوحدات العسكرية المرابطة حول صنعاء تحت الانقسام السياسي الحاد وفي حال وفي حال المشاركة كانت النتيجة غير محسومة نتيجة توزع الولاء داخل وحدات المؤسسة العسكرية ... وكان ان دخل بونابارت موسكو وكان بداية النهاية .
لم يكن عبدربه بالغباء الذي يجعله يسلم العاصمة صنعاء للحركة الحوثية دون ادراك المخاطر الناجمة عن هذا السقوط , يدرك عبدربه ويوافقه قلة في ذلك ان لا يد لهم لمنع سقوط صنعاء , ندرك ان الاسباب التي ادت لسقوط صنعاء بيد الحوثيين مقارنة بجسامة وفداحة الحدث لن تكون اكثر من مجرد تفاهات .
القوى السياسية والحوثيون تدرك بعلم او بدون علم ان يجري في اليمن اصبح خارج نطاق سيطرتهم عليها . ويفسر تولستوي استنادا الى القوانين الجبرية \"ان تلك القوى استخدمت قوتها للوصول الى ما تهدف له ولكن وبمجرد قطعها شوطا ما ! حتى يصبح كل ما عملوا على انجازه في لحظة من الديمومة لا رجعة فيه وملكا منذ ذلك الحين للتاريخ حيث لا تعود تلك القوى حرة بتصرفاتها بل خاضعة للقدر\" .
بمعنى اخر فإنه بالرغم من ان القوى السياسية وربما الحوثيون ايضا يعتقدون انه كان يجب التوقف عند خطوط حمراء وضعوها لأنفسهم , فإن تلك القوى كانت اكثر من أي وقت مضى خاضعة لهذه القوانين الجبرية, والتي كانت تجبرها وتلزمها بتنفيذ عمل التاريخ الذي يجب ان ينفّذ , متوهمين \"أي القوى الفاعلة\" انها انما تعمل ذلك وفقا لرغباتها الشخصية .
يختلق الحوثي اعذارا واهية او هكذا يُخيل اليه , من محاربته لرموز الفساد مرورا بتنظيم القاعدة وانتهاء بأحقية اللجان الشعبية السيطرة على المؤسسات العامة استكمالاً للثورة وتحرير الدولة من هيمنة المفسدين , وبالرغم من ادراكه المسبق يتورط شيئاً فشيئا الا انه لم يعد يستطيع تلافي ذلك الخطر رغم شعوره بالغرق شيئاً فشيئاً في مستنقع التاريخ الذي اصبح يُسيّره دون ان يملك من امره شيء وليس لديه سوى التقدم للأمام ليغرق بدوره , ويصبح التراجع مستحيلاً .
دخل المقاتلون الحوثيين صنعاء وامتدوا جنوبا متجهين نحو محافظات المناطق الوسطى سيطروا على محافظة الحديدة تلاها محافظات ذمار اعقبها إب والبيضاء وهم يتحينون الفرص للانقضاض على محافظة تعز , يبدوا لقادة الحركة الحوثية ان تحركاتهم تلك تأتي وفق رغباتهم الشخصية وفق مخططات مرسومة سلفاً , غير ان تلك التصرفات الناجمة عن تمدد الحوثيين وصمت السلطة لا تدخل في سياق تخطيطهم لها , فهم ليسوا مخيرين بالمعنى التاريخي بل مرتبطين بالتطور التاريخي وما سينجم عنه من نتائج ... بانتظار عصر جديد يختلف كليا عن حاضرنا ليختفي الحوثي بدوره .

في الثلاثاء 20 يناير-كانون الثاني 2015 04:28:16 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=40997