ماذا بعد موت الزرقاوي

خاص // مأرب برس //

البيت الأبيض يستطيع الآن أن يستثمر هذا العمل بعد أن أعلن رسميا مقتل أبو مصعب الزرقاوي في منزل معزول عن باقي العمران والذي يعتبر وحسب مصادرهم الإعلامية المتعددة الرجل الأول لتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين ، وبوش لن يفوت هذه الفرصة دون أن يجعل من هذا العمل وكأنه انتصار حاسم يحق لآلته الإعلامية الممولة بملايين الدولارات أن تجعل منه علامة فارقة في مسيرة حكمه وتحقيق العدالة الكونية التي ينادي بها .

فمنذ أحتلال العراق و الزرقاوي يعتبر المسئول الأول والوحيد عن كل الأعمال التي تجري هناك ، سواء كانت أعمال مقاومة ضد الأمريكان أو أعمال ضد مدنيين أبرياء ، بل أنه صُور لنا بأن هذا الزرقاوي يقود جيش ضخم في العراق ومنتشر في كل المدن العراقية وهو العقبة الوحيدة ضد استتباب الأمن والديمقراطية وأنه هو من أجج النعرة الطائفية وهدد البلاد بحدوث حرب أهلية وشيكة ، لكننا نعلم أن الزرقاوي لا يحمل رؤية خاصة به تموت بمجرد موته ، أو حتى تنتهي بانتهاء فصيله الذي يقود العمليات العسكرية ، كما أننا نعلم أن الزرقاوي هو مجرد تنظيم من عدة تنظيمات مختلفة تعمل على مقاومة المحتل ومحاولة طردة من العراق .

أن كان الزرقاوي يحمل فكرا متطرفا ضد مذهب إسلامي بأكمله في العراق ، فهو وفي هذه الحالة يتعامل مع مرحلة حقيقية موجودة على أرض الواقع خلقتها أمريكا وأسست لها وجعلت منها أمر طبيعي لا يمكن تجاهله أو القفز عليه ، فالمحاصصة المذهبية والعرقية تُظهر على السطح كل الغثاء الطائفي التي تنادي علانية بالاصطفاف المذهبي ضد الآخرين ، لذا حين يتعامل الزرقاوي مع هذه الرؤية الموجودة فهو هنا يكون أكثر واقعية في فن التعامل السياسي ، والولايات المتحدة الأمريكية تتحمل وحدها وزر هذا الواقع ، فمن يخلق حالة رجعية متخلفة عليه أن يتوقع ظهور أنداد من نفس الفكر للتعامل معه واستخدام التهييج العاطفي ضده . فالفكر الديني المتعصب ينجم عنه دوما ردة فعل دينية أخرى لتقف أمامها ، وهذا ينطبق على أي فكر آخر متشدد ، ومن الطبيعي أن نستوعب ردة الفعل وأن ننكر إنشاء هذا الفعل ، وحتى نفكك هذه الأزمة علينا أن نبحث عن جذرها وبدايتها لا أن نستأصل نتائجها ونتركها تعيد تكوين نفسها من جديد من خلال الأرض الخصبة الموجودة والجاهزة لها .

التهليل بموت أبو مصعب الزرقاوي لا يعني انتهاء فكر القاعدة الذي حضر مبكرا إلي العراق لتصفية حساباته مع الأمريكان ، فتنظيم القاعدة عمليا هو تنظيم قد أنكسر من خلال ضرب أسسه وقواعده في أفغانستان ، ولكنه باقي كفكر وأيديولوجية صامدة ، لذا لا يجب علينا أن نستغرب أن يقوم أي شخص في العالم بعمل عسكري ضد أي هدف أمريكي ويعلن أنه يبايع أسامة بن لادن كمرجعية له ، فمادام التطرف الأمريكي والصهيوني موجود ، فلا بد أن يبقى التطرف المضاد ليوقف هذا الجموح المتحفز ضد المنطقة .

لكن من جهة أخرى ومهمة فأن موت أبو مصعب الزرقاوي قد يفقد أعوان أمريكا في العراق شماعة كبيرة تضع بها كل أعمالها المذهبية الأخرى ، وخاصة أن كل الخلافات بين عملاء أمريكا تصفي في كثير من الأحيان بأعمال عسكرية ثم تلصق بالزرقاوي وتختفي بعدها بين دهاليز التحقيقات التي لا تظهر نتائجها ، كما أن التهييج المذهبي قد يفقد رونقه بعد رحيل الزرقاوي ، وتصير العمائم السود والبيض بلا غطاء شرعي تلتحف به .

كما أن موت الزرقاوي قد يزيل فكرة التدخل الغير العراقي في المقاومة ضد المحتل ، وقد يتيح البروز لتنظيمات عسكرية وطنية وقومية عراقية تقوم بدورها النضالي والمشروع في العراق ، وأمريكا تعرف أن الزرقاوي هو فكرة تم تضخيمها عمدا لأجل مآرب أخرى وأولها شرعنة المذهبية ومن ثم تهييج المشاعر وجعلها تتخندق خلف رؤيتها المذهبية الضيقة ومن ثمة تظل في حاجة إلى التواجد الأمريكي الذي يوحي هو بدوره أن مغادرة العراق قد يدخل البلاد في حرب أهلية طويلة الأمد.

أمريكا متورطة في العراق ، ومنفذ موت الزرقاوي ليس مخرجا أبديا لها ، والعمليات العسكرية المتزايدة جعلها تبحث عن حل تفاوضي مع المقاومة ، وقد نلاحظ أنها لم تطلب من فصيل الزرقاوي الحضور لمثل هذه الاجتماعات السرية وذلك ربما لأنها تعلم أنه مجرد فصيل لا يوجد له تأثير كبير في الساحة العراقية عدى الخطابات التحريضية ضد الشيعة والأمريكان التي تستفيد منها إعلاميا .

الآن الوضع مختلف ، والعراق سيدخل مرحلة أخرى في الخطابات السياسية والعمل الدبلوماسي ، ولن يجد المتطرفون الذين يبحثون عن مصالح طائفية تطالب بتقسيم العراق إلى عدة دويلات ذريعة لهم ، وأن كنت أرى أن أمثالهم لا يحتاجون إلى ذرائع ، فأهدافهم واضحة من خلال أعمالهم ألتي نراها .

مات الزرقاوي ، ولكن لن يموت الفكر المتطرف ، مادام هناك بوش وأعوانه في العراق ، وأيضا مات الزرقاوي ليسمح للآخرين أن يتخلصوا من أعماله التي كانت تسيء كثيرا للمقاومة الشريفة وللعمل النضالي الموحد .


في الجمعة 09 يونيو-حزيران 2006 09:45:33 م

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=238