صراع الأبناء وسقوط النظام

* منير الماوري

رأى الزميل الصحفي حميد شحرة ناشر ورئيس تحرير صحيفة «الناس» في أحد مقالاته الأخيرة أن النظام في اليمن لن ينهار من تلقاء نفسه أو ينتهي قضاء وقدرا أو بسبب الشيخوخة. ورغم اتفاقي مع الحيثيات التي أوردها شحرة في توصله لهذا الاستنتاج إلا أني أعتقد جازما أن النظام يحمل بذور الانهيار في داخله، ولا يحتاج لأي معارضة في الداخل أو الخارج لإسقاطه.    وقد لا يختلف أحد مع الكاتب القدير في استنتاجه بأن شيخوخة النظام لن تكون سببا في انهياره إلا أن الشيئ لذي أغفله الزميل شحرة هو دور الشباب في انهيار النظام وأعني بالشباب هنا أبناء الحكام الذين تنخر خلافاتهم في جسد النظام، وارتفعت حرارة التنافس فيما بينهم إلى درجة خطيرة.

ويخطئ رئيس النظام بتخطيه لحامي النظام العميد علي محسن ومن قبله المرحومان محمد اسماعيل وأحمد فرج لصالح شلة من الأبناء يحيطون أنفسهم بشلل من زملاء دراستهم في الابتدائية والإعدادية والثانوية الذين لا يربط بينهم أي رابط سوى ذكريات سني المراهقه. وبعض أفراد هذه الشلل لا عمل لهم سوى التنكيت والترفيه عن الزعماء الجدد وإضحاكهم في مجالسهم بالأحاديث السخيفة التي يفترض أن يرددوها في أزقة سوق الملح وليس في مجالس الحكام الجدد.

هؤلاء المراهقون مهما ولاهم آباؤهم من مناصب أكبر حجما مما تستوعبه عقولهم الصغيرة أو خبراتهم المحدودة لن يتمكنوا بأي حال من الأحوال من حماية النظام إن لم يتسببوا في إسقاطه لأسباب كثيرة. ألا يدرك آباؤهم أنهم يرتدون بدلات يتجاوز سعر الواحدة منها سبعة آلاف دولار أميركي وهو مبلغ يفوق متوسط دخل الموظف العام في اليمن في سنة كاملة. لقد ازداد شره هؤلاء الأبناء وتفاخرهم وتنافسهم على المال العام بشكل لا يمكن أن تتحمله موارد البلاد المحدودة التي تتزايد بتموالية حسابية في حين يتزايد عدد الأبناء بمتواليه هندسية.

إن أطماع ومطالب هؤلاء الأبناء تتضاعف يوما عن يوم ويتضاعف وفقا لذلك عدد الجائعين والمحرومين والناقمين على تصرفات النظام وهذا الأمر سينتهي لا محالة بمواجهة بين الطرفين إن لم يتدارك الآباء الموقف سريعا ويسلموا المناصب الحساسة لأهل الخبرة والكفاءة من أبناء اليمن.

ماذا فعل عدي وقصي في الدفاع عن نظام أبيهم، لقد تسبب قصي قائد الحرس الخاص والحرس الجمهوري والأمن الخاص الذي كان يعتبر على نطاق واسع خليفة محتملاً لأبيه في وضع أسوأ الخطط الفاشلة للدفاع عن بغداد، ولم يفعل فدائيو عدي من جانبهم أي شيء للدفاع عن نظام أبي عدي. لقد تخلص صدام من أصحاب الكفاءات بسبب الوسوسة والشكوك اللذين كان يعاني منهما لعدم ثقته بأحد، وولى المناصب الكبرى لأصهاره من أمثال حسين كامل وصدام كامل وأولاده وأقاربه وعجز هؤلاء حتى عن تقديم النصح له لتعديل سياساته التي أودت به إلى تلك الحفرة، في حين تآمر على عدنان خيرالله وماهر عبدالرشيد لخوفه من طموحاتهما المشروعة.

وقد يقول قائل إن اليمن بعيدة عن أي تدخل خارجي يستهدف النظام والرد على ذلك إن نظامنا لا يحتاج لقوات أجنبية لإسقاطه لأن أولاد الحكام الجدد سوف يسقطونه لا محالة لأن الآباء سيموتون والمواجهات ستبدأ بين هؤلاء الأبناء الذين لم يجز أي منهم على اجماع بين أفراد الأسرة.

هؤلاء الأبناء لم يعانوا في الوصول إلى الحكم ولم يخاطروا بأنفسهم مطلقا في أي فترة من فترات حياتهم وتعودوا على الدعة والرفاه، ولهذا فليس لديهم أي استراتيجية لتنمية البلاد أو الدفاع عن النظام. أما الآخرون ممن قضوا السنين في الدفاع عن النظام فلن يدافعوا عنه إذا حصحص الحق فكيف لأي شخص أن يدافع عن نظام لا يثق به.

هل يمكن للعميد علي محسن أن يتلقى أوامر من أبناء في سن أولاده؟! وهل يمكن لرجل الأعمال القدير وشيخ مشائخ اليمن المقبل حميد بن عبدالله الأحمر أن يتقبل اساءات من أولاد لا يفقهون في آداب السياسة والتجارة شيئا؟! هل يمكن لميزانية اليمن الفقير أن تتحمل أساطيل سيارات ومواكب وفرق حراسة لأربعين علي عبدالله صالح بعد علي عبدالله صالح؟!

إن الخطأ القاتل الذي يرتكبه الرئيس أنه يمهد الطريق للأبناء لحكم البلاد بعد رحيله كي يضمن عدم فتح ملفات عهده البائد مستقبلا؟ والذي سيحدث هو أن الملفات جميعها ستفتح فور اندلاع الثورة على هؤلاء الأبناء، وسوف يسجل التاريخ كل نقطة لا يريد الرئيس تسجيلها بعد رحيله. أنا هنا لا أتحدث غيرة على النظام ولا يهمني انهياره أو بقاؤه لأني خارج النظام جملة وتفصيلا ولكني أضع الأحداث في سياقها لاعتقادي الجازم أن تداعيات هذه التصرفات التي تبدو تافهة ستؤدي إلى انهيار النظام. الإنجاز التاريخي الوحيد الذي يمكن أن يصنع لعلي عبدالله صالح تراثا لا يستطيع أحد أن ينكره عليه هو أن يرفض توسلات المتزلفين للبقاء في السلطة وأن يترك اليمنيين ينتخبون رئيسا لهم من بينهم بغض النظر عن نتيجة الاختيار. إنه بذلك يمكن أن يؤسس أسلوبا لم تعرفه البلاد من قبل في اختيار الرؤساء وسوف يمنع صراعات قادمة بين الأبناء وسوف يجعل المؤسسة العسكرية بعيدة عن التدخل في العملية السياسية بما يحمي البلاد من تفكك وانهيار. إن المتضررين من تفاقم الاحتقان في البلاد هم أهل النظام أما الشعب فليس لديه ما يخسره، فلم يترك له النظام أي سبيل للرزق أو الحياة بكرامة، بل إن مكاسب الشعب لا تحصى من انهيار النظام،حيث ستأتي الفرصة لتأسيس نظام وطني لا يعترف بابن هذا أو صهر ذاك إلا بقدر ما لديه من كفاءة وموهبة واقتدار.   


في الأحد 23 إبريل-نيسان 2006 11:14:18 ص

تجد هذا المقال في مأرب برس
https://marebpress.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://marebpress.net/articles.php?id=161