متى سيصبح الرئيس صالح وحيداً؟
بقلم/ صحفي/عبدالله السالمي
نشر منذ: 8 سنوات و 7 أشهر و 8 أيام
الثلاثاء 08 مارس - آذار 2011 03:59 م

في زحمة المواقف المؤيدة للمعتصمين على امتداد ساحات التغيير في صنعاء وعدن وتعز وسائر محافظات الجمهورية الرافعين لشعار "الشعب يريد إسقاط النظام" يبرز السؤال عن ما إذا كان النظام الحاكم في طريقه وبسرعة قياسية لأن يصبح وحيدا دونما ناصر أومعين من قبيلة أو حزب أو أية مكونات مدنية واجتماعية ودينية، ثم متى؟.

وهذا السؤال بقدر ما يستحضر، ولو إلى حين، ثبات استحكام النظام على المؤسسة العسكرية ممثلة في الجيش والأمن إلا أنه في الوقت نفسه لا ينفي تطاول نفوذ الرئيس علي عبدالله صالح قبليا، بل وعلى مستويات اجتماعية أخرى ما زال موقفها حتى اللحظة يتسم بالغموض حيال مخاض التغيير العصيب الذي تمر به اليمن اليوم.

هواجس اليوم التالي

صحيح أن الساحات في عديد مدن يمنية سجلت منذ انطلاق الاحتجاجات وحتى الجمعة الفائتة أعلى نسبة حضور لمتظاهرين ومعتصمين قيل إنهم بالملايين ممن هتفوا بإسقاط النظام، وصحيح أنه لا يكاد يمر يوم دون إعلان تأييد وانضمام مزيد من القوى والفعاليات القبلية والمدنية والسياسية للمطالبين برحيل الرئيس صالح ونظامه، غير أن ذلك كله على أهميته لا يعني أن الحاكم قاب قوسين أو أدنى من صيرورته فردا انفض عنه مريدوه، ففضلا عن كون "الترغيب" لم يزل يؤتِ ثماره لدى كثيرين، فإن "الترهيب" هو الآخر سيظل محتفظا بقدر من الفاعلية على صعيد استطالة بقاء النظام إلى حين، إذ أن الخشية من مآلات كارثية للتغيير بصورته التي تقصد الاتيان على النظام من قمته وأركانه لم تزل، في حالة استباقية، تلازم العديد من النخب على شاكلة "وماذا بعد" أو هواجس اليوم التالي، مع أن المقدمات الفعلية لـ "ماذا بعد" لم تأت بعد، و لم يحضرنا اليوم الأول لنتوجس خيفة مما قد يحمله لنا اليوم التالي..

وهذا "الترهيب" ليس بالضرورة في هيئة عصى غليظة يرفعها الحاكم فيصيب قلوب جلّ معارضيه أو بعضهم بالوجل، فالمؤكد أنه لم يعد على ذات الهيبة والعنفوان، وأن زمنهما قد ولى إلى غير رجعة، إنما الخوف كل الخوف من أن يقدم النظام في الدفاع عن الكرسي على انتهاج مسارات ملتوية تؤسس لصراع قبلي ومناطقي، أو حتى مذهبي، يراه الحاكم جزاءً مستحقا للمطالبين بسقوطه. ولمَ لا، فثمة بدايات مبكرة لشيء من ذلك من قبيل التلويح على لسان الرئيس صالح نفسه ولأكثر من مرة بتهديد قادم على شاكلة أن هناك من يتحفز لرفع علم المملكة المتوكلية "إمامة بيت حميد الدين" في الشمال، أما في الجنوب فليس جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، فلربما يهون ذلك كما يوحي به كلام الرئيس، وإنما دولة "الجنوب العربي".. وكأنه يضير الشاة سلخها بعد ذبحها!!.

اللحاق بطرفي المعادلة

لم يعد صحيحا الآن الحديث عن ثنائية السلطة والمعارضة كمنظومة حزبية سياسية يقتصر التباين والخلاف والشد والجذب والأخذ والرد عليهما وبينهما، وإنما الحديث عن حشود لمتظاهرين ومعتصمين في عديد ساحات تستقطب إليها المزيد يوما بعد آخر وينحصر مطلبها في إسقاط النظام من جهة، ومن جهة أخرى هذا النظام لا بوصفه حزبا حاكما أو مؤسسات دولة، وإنما مجموعة أفراد على رأس قمة الهرم تربطهم علائق أسرية ومنفعية يتشاركون بموجبها السلطة والثروة، ومن ثم المصير المشترك.

تلك هي المعادلة، طرفها الأول النظام؛ فيما الطرف الآخر حشود لا مطلب لها إلا إسقاط ذلك النظام سلميا، أما ما عداهما من مختلف القوى والفعاليات السياسية والمدنية والقبلية والدينية فاختيارهم لوجهة أي الطرفين لن تكون بحسابات اللحظة الراهنة إلا من قبيل إلحاق الفرع بالأصل، سواء في شأن اللحاق بالمعتصمين في الساحات على تعددها أو اللحاق بالنظام، وهذا لا ينفي مستقبلا إمكانية طغيان الفرع على الأصل وتجاوزه والتنكر له حين تحين الفرصة المناسبة في حال حققت الاعتصامات هدفها وآتت ثمارها.

ومع ثبات تلك المعادلة اليوم إلا أن طرفاها لكي يصلا الى غايتيهما، اللتين تقفان على طرفي نقيض، في أمس الحاجة الى المكونات والفعاليات الأخرى معاضدة ونصيرة ورديفة، وهذا ما يفسر حرص كل طرف على الاحتفاء بالمنضمين إليه المعلنين تأييدهم لمسلكه، أو لنقل وعي كل منهما بأهمية الاعلان عن مؤيديه ومباركي سعيه ومنهجه، والملتحقين بركبه.

وبالنظر الى خارطة القوى ومراكز الثقل في اليمن سياسيا ومدنيا وقبليا فإنه يصح الجزم بخسارة النظام الحاكم حتى الآن للكثير من مكوناتها، كونها اتخذت مسار ساحات "التغيير" و"الحرية" هنا وهناك وهنالك.. غير أن الجزم بأن من لم تزل منها إلى جانب الرئيس صالح ونظامه، أو حتى التي لم يتضح موقفها بعد، ليست ذات قيمة أو أهمية أو جدوى لمدّ النظام بمزيد من العمر؛ جزم ليس في مكانه بأي حال من الأحوال. أما لماذا فلعلّ في هذه العجالة ما يكفي لتلمس الخطوط العريضة طلبا للإجابة.

استطالة المكوّن القبلي

في محاولة للتوقف عند مختلف مكونات المجتمع اليمني سياسيا ومدنيا وقبليا ودينيا يبرز تكتل أحزاب اللقاء المشترك بوصفه أهم مكون سياسي معارض يلتقي بكيفية أو بأخرى مع عديد فعاليات وقوى تضمها تلك المكونات، ولما له من ثقل سياسي فقد مثل انحيازه إلى المطالبين سلميا بإسقاط النظام مكسبا كبيرا للتغيير. ومن شركاء المشترك يصدق القول كذلك على جماعة الحوثي التي كانت سباقة الى تأييد مطلب إسقاط النظام سلميا وتبنيه عبر مسيرات حشدت لها أنصارها. ثم إن دخول ساحات عديدة في مختلف المحافظات الجنوبية على خط رفع شعار إسقاط النظام وتلاشي مطلب فك الارتباط أضاف إلى الصورة أهم أجزائها المفقودة.. فهل اكتملت الصورة؟

قبليا فإن جلاء موقف أبرز قبيلتين في الشمال "حاشد وبكيل" من مخاض التغيير لم يستبن حتى اللحظة، حتى وإن تزايدت تأكيدات نجلي الراحل الشيخ عبدالله الأحمر حميد وحسين بأن "حاشد" ورجالات القبائل بشكل عام إلى جانب مطلب إسقاط النظام، أما لماذا فإن مجد قبيلة "حاشد" المرتبط بالشيخ عبدالله رحمه الله، ليس هو ذاته بعد غيابه، ثم لا يمكن إغفال الدور الذي لعبه الرئيس صالح بالأموال والمواقع في سياق صنع مجد لزعامات قبلية حاشدية، إن في سنحان، أو سواها على امتداد خارطة القبيلة الأم التي أفادت زعاماتها من كون رئيس الدولة ينتمي إليها، ومن ثم له عليها اليوم مثل ما كان لها عليه بالأمس، القريب منه والبعيد والأبعد.

أما قبيلة "بكيل" وعلى الرغم من سعي الرئيس صالح المتعمد إلى إقصائها عن الشيء اليسير من الفاعلية التي عليها "حاشد"، مع أن "بكيل" أكبر القبائل اليمنية، إلا أن زعاماتها الكلاسيكية اليوم كما بالأمس لم تزل على ولائها له، ولم يزل على عادته في اشتداد الخطوب حين يختلف مع زعامة "حاشد" يجد في الشيخ الشايف ما يسعفه من بيانات مناصرة.. وبعيدا عن الحط من شأن مواقف تم فيها الإعلان عن انضمام قبائل في بكيل الى المطالبين بإسقاط النظام إلا أن توقع تزحزح موقف الرموز البكيلية مثل الشيخ الشايف وأبو رأس وابن دارس وسواهم من الرئيس صالح أمر غير وارد الآن، وإن تم الاعلان عن انضمام قبيلة "دهم" إحدى أهم بطون بكيل إلى المطالبين بالتغيير في بيان ذيّل بأسماء تحمل ذات الألقاب ومثلها معها، فليس لهم في القبيلة كما للقيادات الكلاسيكية من حضور.

ويبقى مع كل ذلك التأكيد على أهمية المواقف المؤيدة من داخل قبيلتي حاشد وبكيل لمطلب إسقاط النظام، بوصفها مواقف دالة على إمكانية توسعها، وربما إمكانية استطالتها لتصبح الغالبة على موقف رجالات القبيلتين، بينما لا يمكن في المقابل تجاهل بقايا حظوة للرئيس صالح ونظامه لدى العديد من رموز القبيلتين، وحظوة كاملة لدى آخرين منهم، الأمر الذي يعني إمكانية أن يعمد لتوسيعها من خلال وسائل أهمها بسط يده بالعطايا والهبات.

ثم إن القبائل اليمنية ليست "حاشد" و"بكيل" لوحدهما، وباستثناء حواضر بعدد الأصابع في عدن وتعز وإب والمكلا واثنتين أو ثلاث سواها يظل المكون القبلي هو الغالب على المجتمع اليمني، بما يعني أن قبائل المناطق الوسطى ومأرب وشبوه والبيضاء مثلا التي لم تنل حظها في التمتع بمزايا وهبها صالح للخاصة من رموز قبيلته طيلة مدة حكمه الطويلة تتطلع بالتأكيد إلى الحضور والفاعلية في سياق التغيير الذي يرفع شعار إسقاط النظام، كجزء من انتصافها لنفسها من باب أولى، غير أن ما قيل عن إمكانية بسط الرئيس صالح يده بالعطايا شراءً لولاء زعامات في "حاشد" و"بكيل" يصدق عليها أيضا، ولكن ليس في المطلق على أية حال.

ومع كل ذلك فلا يمكن أيضا تناسي أن استحكام شيخ القبيلة على أفرادها لم يعد بالصورة التي كان عليها سابقا، وهب أن الرئيس صالح أغدق على مشايخ وزعامات مختلف القبائل اليمنية بالهبات والعطايا فهل عساهم سيضمنون له ولاء أفراد قبائلهم، مع أن منهم من لا يمثل إلا نفسه وأهل بيته في أحسن الأحوال؟! أم أنه يمكن تجاوز هذا المشكل باستطالة العطايا لتشمل الرعية من رجالات القبائل فردا فردا؟! سيكون الجواب ربما، وفي كمّ الأموال المهدرة على قاطني التحرير أصدق مثال..

نجدة الحليف الاستراتيجي

وعدا عن القبائل لا يمكن إغفال مكوّن ديني له شأنه في المشهد العام يمنيا، وذلك هو "السلفية" بتياراتها التي يُشار إلى تحالف الرئيس صالح معها بالاستراتيجي، وكونه سيتكئ عليها كثيرا في المرحلة الراهنة فذلك مما لا شك فيه.

وباستحضار سيطرة هذا النوع من التدين الشعبي أفقيا في المجتمع تكمن خطورة أن يستنفد النظام كل ما لديه في استخدام هذه الورقة، لاسيما صوب مسارات تتجاوز الاشتغال نظريا على الدعوة لـ "طاعة ولي الأمر" الى استدعاء الصراع الديني، إن مع الإسلام السياسي الذي يبرز فيه هنا "التجمع اليمني للإصلاح" أو البعد المذهبي مع "جماعة الحوثي" المحسوبة على الشيعة، فضلا عن استعداء تجليات المدنية الحديثة بكافة صورها، كل ذلك بما يعيق تحقق مطلب إسقاط النظام، أو يجعله محفوفا بالويلات والمخاطر وعظائم الأمور.

وفضلا عن العسكر الذين يمسك الرئيس صالح بزمام مختلف مسمياتهم في الجيش والأمن فلعل تلك المكونات هي أبرز ما يستمد منها إحساسه بأنه لم يزل مستحكما على أهم مفاصل اللعبة، ومن ثم تستدعي منه المواصلة في عزم لا يلين بترديد مقولة أن رحيله لن يكون إلا عبر صناديق الاقتراع. أما لو أمعن مليا في ما عداها من القوى والفعاليات سياسية ومدنية، بل وقبلية ودينية كذلك، لأدرك أن دائرة مريديه تضيق يوما بعد آخر، ولن يكون على شيء من الحكمة إن لم يفق إلا وقد أصبح وحيداً سوى من نفر يتشارك وإياهم ذات المصير.