يمانيون على ضفاف النيل... مواقف ومشاهد
بقلم/ ابراهيم الجهمي
نشر منذ: 8 سنوات و 10 أشهر و 14 يوماً
الأحد 03 أكتوبر-تشرين الأول 2010 04:59 م

فتاة يمنية تهرب داخل حقيبة الى مصر

منذ عام تقريباً إتصلت باكراً إلى مكتبي سيدة تطلب مقابلتي في أمر هام وعاجل .. وعادة ما أخصص الفترة الصباحية لعملي الخاص والفترة المسائية لمهام الجالية ولكن السيدة تلح في أن تقابلني لأمر هام وضروري ... قلت لها: ممكن أن تخبريني بالتلفون بموضوعك لعلي أستطيع مساعدتك دون مشقة حضورك ..؟فردت علي بأن الموضوع عاجل ولا ينفع أن تخبرني بالتلفون ..!ولما رأيت إصرارها في مقابلتي قلت لها تفضلي ..! وخلال ساعة كانت السيدة أمامي في مكتبي ..وكانت هيئتها ولبسها كأغلب سيدات مصر .. وظننت أنها مصرية الجنسية وقد تكون زوجة مواطن يمني وما أكثر من يتردد علي منهن ..! وسرعان ما دفعت إلي جواز سفرها اليمني ! فأدركت بأنها قد حصلت على الجنسية اليمنية كونها زوجة مواطن يمني وحسب القانون الذي يكسب زوجة اليمني الجنسية خلال فترة زمنية معينة ..! وبادرتني بقولها بأنها يمنية الأبوين ومتزوجة مواطن مصري منذ واحد وعشرون عاماُ.. ولديها ولدين شاب وفتاة ... وأنها من أسرة ميسورة .. وأن أهلها ليسوا في مصر .. بل في السعودية ..! ولديها أخوة في وظائف مرموقة في السعودية .. ورويداً تحدثني عن نفسها حتى بدأت الدموع تنهمر من عينيها وتبكي .. فقلت في نفسي علها تشتكي من سوء معاملة زوجها وهي في غربة وبعيدة عن أهلها! فطلبت منها أن تهدأ ولا تقلق فلكل شئ حل بإذن الله تعالى .. وقد أمرنا الله تعالى بالصبر ..! وبدأت أسألها عن زوجها وعمله ومما تشتكيه ؟ فأخبرتني بأن زوجها رجل طيب ومحترم ولم يصدر منه ما يحزنها منذ زواجهما ! فقلت لها : فمما تشكين إذاً أختي !؟ فقالت: من أهلي وأخواني الذين بالسعودية فقد قطعوا صلتهم بي منذ أن تزوجت حتى يومنا هذا .. وعادت تبكي بحرقة وتقول : أشعر كأني مقطوعة من شجرة .. وليس لي من أهلي من يسندني أو يسـأل عني .. أو يواسيني .. فأهلي لم يروني ولم أراهم منذ أن سافرت الى مصر !! ولم يكلموني أو أكلمهم أو يعرفوا عني أو أعرف عنهم شيئ ..! وكأني قد أذنبت ذنباُ لا يغتفر ..! وأخواني الثلاثة الذين كنت أحبهم ويحبونني ومتعلقة بهم ومتعلقين بي... فأنا أختهم الصغيرة والوحيدة .. ! وكنت أنعم بدلال وحنان وحب من جميع أفراد أسرتي .. وكنت ... وكانوا ...! تكلمني وتبكي !! وأحاول أن أهدئها فأقول لها لا تقلقي سنجد أسرتك وسنتواصل مع الجهات المختصة للوصول إليهم ولدينا وسائل عديدة للوصول لذلك ..!وفوجئت بقولها: أعرف عنوان أهلي ويعرفون عنواني ! ولكنهم قطعوا صلتهم بي.. بل وحرموني من ميراثي بعد وفاة والدي ! وأخبرتني بأن والدها تاجر كبير ولديه عقارات بجدة في مكان كذا وكذا ..! فقلت لها لا تقلقي ففي السعودية نظام وقانون يكفلان لكي حقوقك ! سنوكل محامي شاطر يبدأ في رفع القضية ! وأنصح بأن نبدأ في الإتصال بهم ونذكرهم بالله وأن ميراثك حق مفروض ونصيب معلوم ! قد يعودون للصواب من تلقاء أنفسهم ! وإلا فالمحكمة بينك وبينهم .. وأبديت إستعدادي للتعاون معها !وحيرتني بجوابها حين أخبرتني بأن والدها قد أوصى بحرمانها من الميراث وبأن أهلها قد أعلنوا( تبرأهم) منها .. قلت لها وما السبب ! قالت لي لدي قصة عجيبة وجئتك أستشيرك في موضوعي وأطلب مساعدتك .. فأنا مترددة وفي حيرة من أمري .. والوقت بالنسبة لي ضيق وحرج !! ولا أدري كيف أتصرف !! ولدي فرصة خلال اليوم لا بد من أن أبـت في الموضوع ومستعجلة .. وهناك من ينتظرنا للسفر غدا ومعي زوجي إلى لبنان ! وأعطتني أوراقاً عديدة (مازلت أحتفظ بها ) ومنها تأشيرة وموافقة من السلطات اللبنانية للسفر الى لبنان .. وقالت لدي دعوة من قناة ال( ال بي سي) وتذكرة سفر ومعي زوجي .. وأتفقوا معنا على أن يعطونا عشرة ألف دولار فور وصولنا لبنان لإجراء المقابلة ! ولا بد من سفرنا غداً وبعد غد سنكون على الهواء مباشرة في ( برنامج أحمر بالخط العريض) وقد بدأوا يعلنون عن مقابلتنا منذ أسبوع.. وسألتني ألم تشاهد ذلك في القناة ؟ فأجبتها بأن تلك القناة غير مفضلة لدي فلا أشاهدها !ولكني ما زلت اتعجب من قصتها التي شدت القـناة للإهتمام بمقابلتها ! فألقت بين يدي لفافات وقصاصات من جرائد ومجلات قديمة قالت انظر واطلع على هذه الصحف والمجلات واعرف قصتي من خلالها !!وبدأت أتصفح و أ قرأ ما بها وأعرف قصتها .. والمثير بأن تلك الصحف والمجلات تتكلم عن قصة الفتاة اليمنية بأساليب مختلفة وبروايات متعددة وكل صحيفة أو مجلة تضيف معلومات وتحدث أخرى .. ولكنها جميعها قد إجتمعت على التحدث عن الفتاة اليمنية التي إكتشفها مسؤلوا الجمارك في ميناء السويس وهي داخل حقيبة برفقة أحد الركاب المصريين القادمين من جدة على متن السفينة ..وقالت لي:بأنها الفتاة المذكورة في هذه الصحف .. وبدأت أسألها وأستفسر منها لماذا ؟ وكيف ؟ أقدمتي على هذا العمل ؟؟ وأجابتني بإختصار بأنها كانت صغيرة ومراهقة وقد تعرفت على شاب مصري كان يعمل بالسعودية وأحبته وحين قدم لخطوبتها من أسرتها رفضوه ! وأصرت على الزواج منه وهربت معه الى مصر داخل حقيبة سفر ! حيث صعد بالحقيبة الى متن السفينة وبداخل السفينة فتح الحقيبة .. وعند النزول عاودت للإختباء داخل الحقيبة .. وعند تفتيش موظفي الجمارك للمتعلقات والحقائب المصاحبة للراكب فوجئوا بها داخل الحقيبة ! وتم التحفظ على الفتاة والتي كانت بدون هوية أو جواز سفر ! وتم إحالة الشاب للنيابة ! وأما الفتاة فقد تم التواصل بالسفارة اليمنية والتي أفادت بأن الفتاة مواطنة يمنية .. ولكن رفض الفتاة القاطع للعودة لأهلها بالإضافة الى إعلان أهلها تبرئتهم منها .. وأيضاُ مناشدات من هنا وهناك للسفارة بالرأفة بالفتاة .. فقد قامت السفارة بإعطاء الفتاة جواز سفر وقام السفير حينها بتزويجها للشاب المصري بعد أن مكث بالسجن فترة عقوبته !! وتزوجا وأنجبا ولدين .. وحياتهما مستقرة .. وهادئة .. ويعمل زوجها سائق سيارة أجرة .. ومؤخراً أصيب ببعض الأمراض ألتي أقعدته عن العمل .. وكانت فرصة للسيدة بأن تسافر مع زوجها لتحكي حكايتها وتشكي ظلم أهلها وتطالب بحقوقها .. خاصة وأنها تحتاج إلى عون ومساعدة .. !

وكان جوابي للسيدة بأن تتريث ولا تتعجل وقلت لها لأجل وطنك الذي تحملين جوازه ولأجل ولديك أرجوكي لا تقدمي على مثل هذه الخطوة فتكونين قد أخطأتي خطأين فادحين أولهما في صباك وقد يحتمل ويغتفر نظراُ لصغرك وأماالآخر فلن يتعاطف معكي أحد وقد تندمين ندماً لا يفارقك طوال حياتك ويعرض ولديك للحرج والخجل أمام الآخرين !! ونبهتها من أساليب القنوات التي تبحث عن ما ستره الله على عباده فتفضحهم .. ويهما جذب أكبر مشاهدين للإثارة والكسب من الإعلانات .. وكل ذلك على حساب البسطاء والمبتلين !! وذكرتها بالعودة الى الله وطلب المغفرة والعون منه وأن لا تهتك ما ستره الله وألا تشتكي لغيره ..وقلت لها أكملي رسالتك في حسن تربيتك لولديك ووثقي علاقتكم بالله وهو خلق الناس وتكفل برزقهم فاتقيه يرزقك ويعطيك من واسع فضله وجزيل عطائه (ومن يتقي الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ) ووعدتها في مساعدتها بتوفير أعمال لولديها .. والحمد لله هما يعملان الأن ! وأيضاُ وعدتها بعرض قضيتها على السفير ليتواصل مع أسرتها وممكن إشراك القنصلية بجدة في إيجاد حل لها مع إخوانها !! وانصرفت السيدة وهي مترددة .. وخشيت أن تعرض عن نصيحتي وأن يستميلها زوجها أو إغراء القـناة لها !وفي مساء ذلك اليوم كنت في موعد عشاء مع سعادة السفير بالزمالك ومعي فتاة يمنية أخرى لديها مشكلة حيث تزوجت بشاب مصري و سأحكي قصتها في إحدى الحلقات قادمة ..! وأخبرت سعادة السفير بمشكلة السيدة وقد تسافر إلى لبنان غداُ فتفضح نفسها وأسرتها وقبل ذلك وطـنـها ! وبادر السفير للإتصال بها وصبرها ونصحها بعدم السفر .. ووعدها بأن يتصل بأسرتها ويبحث في حل لها .. ! والحمد لله السيدة لم تسافر واقتنعت بما نصحناها ..وأسأل الله أن يصلح أحوالها وأن يهدي اخوانها وأقاربها لوصلها والإحسان إليها ...

والله المستعان ...

الحلقة القادمة / يمانيون في مصر : شهدأ وجرحى .. ضحايا الحرق والغرق والإختناق