أعيدوا المعاهد العلمية
بقلم/ ريما الشامي
نشر منذ: 9 سنوات و 4 أشهر و 27 يوماً
الجمعة 16 يوليو-تموز 2010 05:51 م

عقد من الزمان مضى منذ قرار السلطة الغاء نظام التعليم في المعاهد العلمية عقب احداث 11سبتمبر2001 ويبدو للعيان النتائج السلبية لهذا القرار اذ يلاحظ ان مخرجات الجيل الحالي تنشأ غير واعية بقيم دينها و منظومة التربية الاسلامية ولعل ما نلاحظه في حياتنا اليومية من انتشار لظواهر منافية لقيم الفضيلة والاخلاق في مجتمعنا على نطاق واسع هو نتيجة منطقية لإفراغ التعليم واللعب بثوابت الأمة وتقرير الخارجية الأمريكية الصادر في 14/06/2010 على سبيل المثال يقول أن اليمن صارت مصدرا و منطقة جاذبة للسياحة الجنسية وأن فنادق صنعاء وتعز وعدن أوكارا تمارس فيها الرذيلة والاستغلال الجنسي للفتيات بنظر الدولة والمجتمع .

ومما لا شك فيه ان الفساد الاخلاقي المستشري في المجتمع اليمني هو نتاجا طبيعيا ووجزءا من الفساد الشامل الذي تعيشه هذه البلاد في كافة جوانب الحياة في الاقتصاد والسياسة والتعليم والصحة ومختلف مناحي الحياة وبرؤية اكثر تحليلية وموضوعية فان بروز ظاهرة الفساد والانحلال الاخلاقي في المجتمع اليمني المحافظ له عدة أسباب وعوامل مباشرة مرتبطة به أهمها الفقر و جرعات الجوع التي فرضتها السلطة على أبناء الشعب اليمني حتى قضت نهائيا على الطبقة متوسطة الدخل ما أدى هذا الوضع الى جانب عوامل أخرى الى اهتزاز المجتمع واستقراره وانتشار ظواهر سيئة لاشباع حاجة الجوع والفقر

من جملة العوامل التي أسهمت في انتشار ظواهر الفساد الاخلاقي في المجتمع اليمني هو تجفيف منابع التدين و افراغ التعليم من محتوياته وجعله مجرد وعاء فارغ ما أسهم في ضرب قيم الفضيلة وانشاء جيل فاقد الهوية يجهل ثقافته وكينونته وامور دينه في ظل موجه عاتية من التكنولوجيا والعولمة المفتوحة على كل شئ وبدون أية ضوابط

التعليم الرسمي الحكومي تم التلاعب به وافراغه وجعله مجرد قشور والمواطن البسيط يعرف واقع التعليم الذي بخرج منه الطالب بعد12 سنة دراسة لا يعرف يقرأ أو يكتب ، فكيف سيكون عليه حال هذه الأجيال وماذا نتوقع منها ؟ وواقع التعليم في اليمن أساسا مرتبط بالفساد الشامل الذي تعيشه البلد، هذا الفساد وصناعه الذين يريدون فقط أن يخرج التعليم أجيالا لا تعرف حقوقها من أجل أن يستمروا في التسلط والاستبداد فكان أن صاغوا وأفرغوا التعليم كما يشاؤن وهاهي مخرجات هذا التعليم تدمر هوية الأمة واخلاقها ووجودها

بالنسبة للمعاهد العلمية التي كانت لها موازنة مستقلة عن التعليم الرسمي وكان لها دورا ايجابيا مشهودا في الحفاظ على توازن المجتمع وقيمه واخلاقه رغم أشياء سلبية كثيرة رافقتها فقد كانت أحداث 11سبتمبر فرصة مؤاتية للسلطة لالغائها كجزء من تصفية الحسابات مع حزب الاصلاح على حساب ثوابت الأمة ودينها وهويتها وتربية أجيالها ، والاصلاح الحزب في ذلك الوقت واجه قرار الغاء المعاهد باللامبالاة والصمت والخذلان رغم أن موضوع المعاهد العلمية تمت اثارته في وقت سابق كأهم نقاط الاختلاف بين الحزب الاشتراكي والاصلاح ما دفع الاصلاحيون الى القتال في حرب صيف94 لكن جاء قرار الغاء المعاهد العلمية فيما بعد من قبل الحليف الاستراتيجي وسط تخاذل وصمت مطبق من جانب الاصلاح وقياداته

المعاهد العلمية التي أسسها الرئيس ابراهيم الحمدي في منتصف السبعينيات كانت تجربة لها الكثير من الايجابيات والكثير من السلبيات أيضا والمفترض الاستفادة من ايجابياتها التي أسهمت في تعزيز قيم الفضيلة من خلال مخرجاتها التي اشتغلت في المجتمع وكانت لها أياد بيضاء في خدمة الناس والحفاظ على هوية المجتمع واخلاقياته وتوازنه وبالمقابل فانه ينبغي كذلك الاستفادة من السلبيات التي رافقت هذه التجربة كالتطرف والتزمت واحتكار الحقيقة وكذلك اهمال مناهج تدريس المواد العلمية الحديثة

غير أن أفدح الأخطاء التي لازمت مسيرة المعاهد العلمية هي السيطرة عليها من قبل طيف سياسي معين ومن ثم توجيهها لخدمة طرف سياسي اخر ضد طرف سياسي ثالث وهذا يعني أنها حادت عن رسالتها التربوية الى ممارسة وخدمة أجندة الساسة وهذا اثر على توجهها ومناهجها ومخرجاتها التي ترسخت لديها حالة عداء مع الأخر ، عموما هذا الاستغلال السياسي للمعاهد العلمية التربوية جعل الرئيس صالح يستخدمها كورقة رابحة واستغلها كمخزون فكري وبشري في مواجهة خصومه وحسم حروبه منذ نهايات الثمانينات حتى حرب صيف94 ثم قرر بعد ذلك الغائها بكل بساطة .

لكن تظل تجربة المعاهد العلمية جديرة بالقراءة والفهم والاستفادة فهي منذ نشاتها كان هذفها هو تربية الأجيال على أساس الفكر الوسطي المعتدل الذي يعتمد الفهم الواعي للحياة والذي يهدف في المحصلة الى تعزيز قيم الوسطية والاعتدال في المجتمع والحفاظ على هويته وقد نجحت في فترات معينة في ترسيخ الاعتدال لولا الأجندة السياسية التي فرضت نفسها، وطالما أن المعاهد العلمية كتجربة انسانية تخضع للمراجعة والتقييم فليس شرطا المطالبة ببث الحياة فيها من جديد بنفس الألية التي كانت قائمة عليها بل المطلوب هو الاستفادة من ايجابياتها من قبل المختصين المطالبين الان على نحو عاجل لاعادة صياغة التعليم رحمة بهذه الأمة واجيالها ومستقبلها .

ان لمطلوب الأن هو اعادة النظر في واقع التعليم الحالي المنهار الذي يعطي مخرجات جاهلة وكارثية خصوصا في ظل النتائج الملموسة في واقعنا الحياتي من اتساع رقعة الفساد الاخلاقي طولا وعرضا في بلدنا وعلى العقلاء وأهل الاختصاص وذوي الفكر أن يتحركوا بجدية وبمسؤلية وطنية ودينية لانقاذ الأجيال الناشئة ومستقبل هذه البلاد من التفكك والانحلال والانهيار الناجم عن افراغ التعليم واللعب باستراتيجياته وبثوابت الأمة من اجل رغبة الحاكم وتصفية الحسابات بين الخصوم

يجب أن تعاد صياغة التعليم ومناهجه وفقا لرؤى استراتيجية على نحو يضمن تربية جيل متسلح بالعلم والمعرفة جيلا واعيا بنفسه وبأمته وبهويته وبدينه وقيمه لأن مخرجات التعليم الحالي تنبئ عن مصير أسود يقود هذه الأمة الى الاندثار

ان أمة تحترم نفسها وهويتها وكينونتها لا تقبل أبدا أن تخضع ثوابتها الاستراتيجية وأهمها التعليم ومستقبل الأجيال للتكتيك السياسي ولرغية الحاكم ولتصفية الحسابات بين السلطة والمعارضة لأن النتيجة ستكون مأساوية وكارثية بكل المقاييس وستؤدي حتما الى تفسخ وانهيار هذه الأمة ولعل هذا مانعيشه اليوم في اليمن مالم يتادعى العقلاء لانقاذ عجلة التعليم قبل فوات الأوان

للتذكير

تعزيز قيم الفضيلة في المجتمع لا يكون بانشاء هيئة فضيلة ولكن يبدأ بتشخيص مكمن الدء والخلل الذي صنع كل هذا الفساد الشامل الذي يعيشه وطننا ومن ثم توجيه كافة الجهود الوطنية نحو انتشاله وتخليص اليمنيين منه ، ولا ريب فان الاستبداد هو المسؤل الأول عن هذا الحال البائس الذي يعيشه شعبنا فهو الذي يستفرد بالبلد ومقدراتها ويصنع سياسات الفساد ويدير بها الوطن وهو الذي يرى في هذا الفساد الشامل الذي صنعه ضمانات بقائه وتسلطه على رقابنا للأبد ولو أحال اليمن الى جهنم

اللهم هل بلغت.